الارشيف / حال المال والاقتصاد

ملاذ آمن رغم التقلبات.. الذهب بين قمم تاريخية وهبوط مفاجئ

ملاذ آمن رغم التقلبات.. الذهب بين قمم تاريخية وهبوط مفاجئ

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 22 فبراير 2026 03:51 مساءً - شهدت أسعار الذهب خلال بداية العام الجاري تقلبات قوية، ففي شهر يناير شهد المعدن الأصفر موجة صعود قوية ومتسارعة، حيث سجلت الأونصة ارتفاعات شبه يومية، منتقلةً من مستويات قريبة من 4220 دولاراً مع بداية يناير، إلى أكثر من 5500 دولار مع نهاية يناير، في أداء يعكس قوة الطلب الاستثماري وتزايد المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، لكن سرعان ما تحول هذا الارتفاع الصاروخي إلى عمليات جني أرباح سريعة، وتقلبات في الأسعار لينهي تداولات بعد 50 يوماً من بداية العام قرب مستوى 5100 دولار، ليجني المعدن 880 دولاراً مكاسب منذ بداية العام.

ورغم هذا المسار الصاعد، لم تخلُ حركة الذهب من تقلبات حادة، إذ تعرضت الأسعار لهبوط مفاجئ خلال بعض الجلسات، في ظل تزايد عمليات جني الأرباح وتغير توجهات المستثمرين على المدى القصير. وأسهمت القفزات شبه اليومية في أسعار الأونصة في تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة، سواء على صعيد الصعود أو الهبوط.

«حال الخليج» ترصد تلك القفزات اللافتة، وتداعياتها، وانعكاساتها على السوق، من خلال آراء وتحليلات عدد من خبراء الذهب.

الشراء التدريجي

يبدأ توحيد عبدالله، رئيس مجلس إدارة مجموعة دبي للذهب والمجوهرات، الحديث قائلاً: منذ بداية شهر يناير الجاري، شهد سعر الذهب ارتفاعاً لافتاً، إذ صعد من مستوى 4216 إلى أكثر من 5500 دولار خلال 28 يوماً، محققاً مكاسب تقارب 29 %. ويأتي هذا الأداء امتداداً لمسار تصاعدي متسارع مقارنةً بالسنوات السابقة، حيث ارتفع السعر من 2612 إلى 4316 دولاراً مع بداية عام 2025، بعد أن كان عند مستوى 2065 دولاراً خلال عام 2024؛ ما يعكس تحولاً واضحاً في اتجاه السوق وقوة الزخم الداعم للمعدن الأصفر.

وعلى الرغم من تقلبات السوق والتحركات السريعة لسعر الذهب، تشير تقديرات في السوق العالمية إلى إمكانية وصول الأسعار إلى مستوى 6000 دولار. ومع ذلك، يستدرك عبدالله أن هذا المشهد يستدعي قدراً من الحذر؛ إذ إن الاندفاع نحو الشراء قد يعرض المستثمرين لمخاطر تقلبات الأسعار على المدى القصير، ما يجعل اعتماد استراتيجية الشراء التدريجي خياراً أكثر توازناً مقارنةً بضخ كامل السيولة دفعة واحدة.

وفي هذا السياق، إذا كان الشخص قد دخل سوق الذهب بهدف الاستثمار وحقق في الوقت الحالي أرباحاً كبيرة، فمن الحكمة أن يسيّل جزءاً من استثماره ويجني الأرباح، مع الاحتفاظ بالمرونة لإعادة الدخول عند مستويات سعرية أكثر ملاءمة. أما الاستمرار في الاحتفاظ الكامل بذهبه من دون تحقيق أي أرباح، بدافع الطمع أو انتظار الشراء عند أسعار أعلى أو زيادة الكمية لاحقاً، فهو نهج غير سليم من وجهة نظره، وقد يؤدي إلى ضياع الأرباح المحققة في حال حدوث أي تصحيح سعري أو تقلب مفاجئ في الأسعار.

أما على صعيد سلوك المستهلك، فإن المؤشرات تُظهر ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى الثقة مقارنةً بالفترات السابقة، إلى جانب توجه متزايد نحو اقتناء السبائك الذهبية والفضة، في ظاهرة لم تشهدها الأسواق بهذا الوضوح منذ عامي 1979 و1980. ويعكس هذا التوجه حالة من الترقب والانقسام في القرارات الاستثمارية، حيث يفضل بعض المستهلكين الاحتفاظ بالمدخرات تحسباً لأي تطورات، في حين يتجه آخرون إلى الشراء رغم المستويات السعرية المرتفعة نسبياً، في محاولة للاستفادة من الزخم الحالي.

ومع ذلك، يبقى التروي أمراً ضرورياً، لا سيما في ظل لجوء بعض الأفراد إلى الاستدانة لشراء الذهب والفضة، وهو ما قد يضاعف المخاطر المالية في حال حدوث أي تصحيح سعري أو تقلبات مفاجئة في الأسواق كما حدث، الأمر الذي يستدعي قرارات استثمارية أكثر وعياً وانضباطاً، قائمة على إدارة المخاطر لا على العاطفة أو الطمع.

عوامل التصحيح

أما د. آنجي الفحام، الخبيرة الاقتصادية والمتخصصة في المعادن الثمينة، فأوضحت أن حركة أسعار الذهب منذ بداية العام الجاري تعكس مساراً صاعداً واضحاً ومستمراً، إذ تمكن المعدن الأصفر من تجاوز مستوى 5500 دولار للأونصة، في ارتفاع يعد لافتاً وغير مسبوق تاريخياً. وأشارت إلى أن هذه القفزات السريعة التي تحققت خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز شهراً واحداً تمثل حدثاً استثنائياً لم تشهده الأسواق العالمية من قبل. وفي المقابل، لفتت إلى أن الهبوط المفاجئ الذي شهدته الأسعار نهاية يناير يعد أمراً طبيعياً ومحتملاً، إذ إن الذهب بطبيعته يرتفع وينخفض، لكنه لا يفقد مكانته كملاذ آمن بعيداً عن المضاربات اليومية.

وأضافت أن الذهب استهل عام 2026 بتحقيق ارتفاعات قياسية، مكنته من تجاوز مستويات العام الماضي بنسبة تقارب 29 % للأونصة خلال شهر واحد فقط، في سابقة تاريخية تعكس قوة الزخم الاستثماري وتزايد الإقبال العالمي على المعدن الأصفر.

وفي قراءة أوسع لأداء السوق، أكدت د. آنجي أن تفاوت أسعار الذهب يحمل دلالات قوية تعكس تحولاً جوهرياً في سلوك الأسواق العالمية، مشيرةً إلى أن العوامل الداعمة للصعود لا تزال قائمة، وفي مقدمتها تصاعد التوترات الجيوسياسية، واستمرار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي عالمياً، إلى جانب التوجه نحو خفض أسعار الفائدة، وهي عوامل دفعت المستثمرين إلى سحب السيولة من أسواق الأسهم والسندات والتوجه نحو الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.

ورغم هذا الزخم الصاعد، أوضحت أن سيناريوهات التصحيح السعري تبقى واردة، إلا أن طبيعتها اختلفت مقارنةً بالسنوات السابقة، حيث أصبحت التراجعات محدودة وسريعة، وقد لا تتجاوز بضع ساعات أو يوماً واحداً، من دون أن تؤثر في الاتجاه العام الصاعد، وهو ما يعكس قوة الطلب واستمرار الثقة بالذهب كأصل استثماري طويل الأجل.

وعلى صعيد التوقعات المستقبلية، أشارت إلى أن تقديرات عدد من البنوك والمؤسسات المالية العالمية ترجح إمكانية وصول أسعار الذهب إلى مستويات تتراوح بين 6000 و7500 دولار للأونصة خلال الفترة المقبلة. ورغم صعوبة تحديد توقيت أي تصحيح محتمل بدقة، أكدت أن أي تراجع لن يعيد الأسعار إلى مستويات العامين الماضيين، في ظل اختلاف البيئة الاقتصادية الحالية جذرياً عما كانت عليه سابقاً، مع استمرار مشتريات البنوك المركزية وتزايد الرهانات على خفض أسعار الفائدة الأمريكية، مع عدم استبعاد فترات من التذبذب أو تصحيحات سعرية محدودة عقب موجات الصعود الحادة.

وحول عوامل التصحيح المحتملة، أوضحت د. آنجي أن أبرزها يتمثل في ارتفاع الدولار، أو تراجع حدة التوترات الجيوسياسية، أو تباطؤ وتيرة مشتريات البنوك المركزية، مؤكدةً أن تأثير هذه العوامل، في حال تحققها، سيكون مؤقتاً ومحدوداً، ولن يغير الاتجاه العام للأسعار. وأضافت أن النظرة الإيجابية للذهب على المدى المتوسط والطويل لا تزال قائمة، مدعومةً بحالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي واستمرار الطلب القوي من البنوك المركزية.

كما أشارت إلى أن الطلب على الذهب لا يتراجع رغم وصوله إلى مستويات سعرية مرتفعة، إذ يدخل مشترون جدد إلى السوق مع كل تراجع مؤقت، ويعوضون الكميات المبيعة، ما يعكس الثقة الراسخة بالذهب كأداة ادخار واستثمار. وقد انعكس ذلك على أنماط الشراء، حيث اتجه المستهلكون إلى تقليص شراء المشغولات الذهبية مقابل زيادة الإقبال على السبائك والعملات الذهبية عالية النقاء، ولا سيما بتركيز 999.9، في مؤشر واضح على ارتفاع الوعي الاستثماري في والدول المجاورة، والنظر إلى الذهب بشكل متزايد كوسيلة للتحوط من التضخم وحماية القيمة، لا مجرد سلعة للزينة.

صديق بأوقات الأزمات

بينما يرى الخبير الاقتصادي عبدالواحد أحمد المرزوقي أنه في ظل الارتفاعات الأخيرة التي شهدها الذهب خلال شهر يناير الجاري وما تبعها من هبوط في نهاية الشهر، انعكست هذه القفزات السعرية بشكل مباشر على سلوك الشراء في السوق. وكما هو معروف تاريخياً فإن الذهب يلمع دائماً في أوقات الأزمات، سواء كانت اقتصادية أو جيوسياسية، وهو ما نشهده حالياً في ظل تصاعد التوترات العالمية وارتفاع معدلات التضخم، حيث تصب جميع هذه العوامل في مصلحة المعدن الأصفر.

يضيف المرزوقي: رغم الارتفاع الكبير في أسعار الذهب ثم تراجعها لاحقاً، فإن الإقبال عليه لم يتراجع كلياً، بل تغير شكله؛ فقد ارتفع الطلب بشكل واضح على السبائك الذهبية بغرض الادخار والاستثمار، في حين تراجع شراء الذهب بغرض الاستهلاك والزينة. وبات المستثمرون وذوو الفوائض المالية أكثر إقبالاً على تحويل السيولة إلى ذهب، باعتباره ملاذاً آمناً وأفضل من الاحتفاظ بـ«الكاش»، بخاصة مع تآكل القوة الشرائية للنقود نتيجة التضخم. لكن في المقابل تضررت شريحة واسعة من المستهلكين التقليديين، لا سيما الفئة التي كانت تشتري الذهب على سبيل الهدايا في مناسبات مثل التخرج أو الولادة أو الخطبة.. هذه الشريحة، التي كانت ميزانيتها ما بين ألف وألف وخمسمائة درهم، لم تعد قادرة اليوم على شراء القطع نفسها التي كانت تحصل عليها قبل ثلاث أو أربع سنوات؛ ما أدى إلى خروجها شبه الكامل من السوق. كما أن فئة المقبلين على الزواج باتت تواجه تحديات أكبر؛ إذ إن الميزانيات التي كانت تكفي سابقاً لم تعد تلبي الاحتياجات نفسها في ظل الأسعار الحالية. لكن إلى جانب ذلك، لا يزال بعض المستهلكين في حالة ترقب، حيث لم يعتادوا المستويات السعرية الجديدة بعد، ويأملون في حدوث تراجع، رغم أن التوقعات لا تشير إلى انخفاض ملموس في المدى القريب أو المتوسط، بخاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية.

أما على صعيد الاستثمار – يواصل المرزوقي شهادته - فقد تحول جزء من المستهلكين إلى مستثمرين، حيث بات الادخار في الذهب خياراً شائعاً، خصوصاً لدى من يملكون فوائض مالية في البنوك، بعد أن رأوا الذهب يحقق خلال فترة قصيرة مكاسب لافتة تجاوزت 25 % منذ بداية العام، وهي نسبة كبيرة خلال شهر واحد؛ ما عزز قناعة الكثيرين بجدوى الاستثمار فيه.

وأما عن الطلب العالمي فقال: لم يعد الإقبال مقتصراً على جنسيات أو أسواق بعينها؛ إذ أصبح العالم أشبه بقرية صغيرة في ظل انتشار الوعي الاستثماري عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أسهم في تعميم ثقافة الاستثمار في السبائك الذهبية على نطاق واسع، مشيراً حسب التقديرات بالسوق، إلى إمكانية استمرار صعود الذهب على المدى المتوسط خلال العام الجاري، مع احتمالات وصول سعر الأونصة إلى مستوى 6000 دولار قبل نهاية العام، وربما تسجيل أسعار تقارب 700 ألف درهم للكيلوغرام. وتستند هذه التوقعات إلى تصاعد الأزمات الجيوسياسية، والحروب التجارية، وتحول الذهب إلى سلعة استراتيجية لدى عدد من الدول التي بدأت تقليص حيازاتها من الدولار لمصلحة الذهب، الذي يبقى في ضوء هذه المعطيات أحد أبرز أدوات التحوط في المرحلة الراهنة، رغم التحديات التي تفرضها الأسعار المرتفعة على شرائح واسعة من المستهلكين.

Advertisements

قد تقرأ أيضا