ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 10 مارس 2026 09:51 مساءً - لم تكن الاضطرابات العنيفة التي يمر بها سوق الطاقة العالمي من جراء الحرب المندلعة في الشرق الأوسط مفاجئة لصناع القرار في بكين؛ بل مثلت "لحظة الحقيقة" لسيناريو طوارئ عكفت الصين على الاستعداد له لسنوات طويلة. فبينما يترقب العالم مآلات الصراع، تبدو بكين وكأنها تجني ثمار استراتيجية "التحوط الشامل" التي اعتمدتها لتقليل ارتهان اقتصادها لإمدادات النفط المهددة بالانقطاع.
تجسد الحرب الإيرانية اليوم أكبر اختبار لجهود الصين في تحصين جبهتها الداخلية ضد ما تصفه بـ "الرعونة" في السياسات الأمريكية. ورغم المساعي الإيرانية لشل حركة الشحن في مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يربط كبار المنتجين بالأسواق الآسيوية، إلا أن بكين تبدي تماسكاً ملحوظاً؛ فقد نجحت، رغم ضخامة وارداتها النفطية، في تقليص اعتمادها على هذا الممر مقارنة بمنافسيها الإقليميين مثل اليابان وكوريا الجنوبية.
ثلاثية شي
لطالما اعتبر الرئيس شي جينبينغ حماية أمن الطاقة قضية وجودية، واستندت رؤيته إلى ثلاثة ركائز استراتيجية؛ الأولى هي الإحلال الكهربائي القاضي بتسريع الانتقال نحو المركبات الكهربائية لتقويض هيمنة البنزين. أما الثانية فتدور حول تعظيم الإنتاج المحلي عبر تكثيف عمليات التنقيب والضخ من الحقول داخل الحدود الصينية. وأخيراً تفعيل المحور الروسي عبر بناء شراكة طاقية عميقة مع موسكو لتكون بديلاً استراتيجياً يقلل الاعتماد المفرط على الشرق الأوسط.
مخزونات استراتيجية
في كواليس هذا الاستعداد، راكمت الصين مخزونات نفطية هائلة يُقدر أنها تجاوزت 1.2 مليار برميل، وهي كمية ضخمة تؤمن احتياجاتها لأكثر من 100 يوم. وتعكس بيانات الجمارك الصادرة أخيراً هذا النهم التخزيني؛ إذ قفزت واردات الخام بنسبة 16% في مطلع عام 2026، ما منح بكين، بحسب خبراء، "احتياطياً استراتيجياً" يقيها شر التقلبات المفاجئة.
إذا كان الهدف من أي استراتيجية للطاقة هو الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية، فإن بكين تبدو اليوم أقرب إلى تحقيق هذا الهدف مقارنة بالعديد من الاقتصادات الصناعية. فبينما يمر نحو 20% من النفط العالمي عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، تبدو الصين أقل عرضة للشلل الفوري بفضل احتياطياتها الضخمة وتنويع مصادر الإمداد.
لكن هذا لا يعني أن بكين خرجت من المعركة منتصرة بالكامل؛ فاعتماد آسيا الكبير على نفط الخليج يعني أن أي اضطراب طويل الأمد سيبقى عاملاً ضاغطاً على الأسعار وسلاسل الإمداد العالمية.
مكاسب وضغوط
رغم هذا التحصين، لا تبدو بكين مرتاحة لطول أمد النزاع؛ فتعطل الشحنات عبر هرمز يفرض تكاليف إضافية على اقتصاد يواجه تحديات نمو أصلاً، وقد تجد القطاعات الصناعية والكيماوية نفسها تحت وطأة نقص الغاز الطبيعي المسال. ومع تأرجح أسعار "برنت" بين 120 و90 دولاراً، وتوجه دول السبع لمناقشة استنزاف احتياطياتها، تلتزم بكين الصمت حيال إمكانية الإفراج عن جزء من مخزونها لتحقيق استقرار السوق.
يتجاوز الطموح الصيني قطاع الطاقة ليكون جزءاً من عقيدة "الاكتفاء الذاتي" الشاملة التي ينتهجها الحزب الحاكم. فمن الروبوتات المتقدمة إلى الأمن الغذائي، يفضل القادة إنتاج احتياجاتهم محلياً لخلق درع واقية ضد التقلبات الجيوسياسية، حتى لو كان ذلك بكلفة أعلى من الاستيراد.
توازنات حرجة
تجد الصين نفسها اليوم في اختبار دبلوماسي دقيق؛ فهي مطالبة بتعزيز روابطها مع القيادة الجديدة في طهران، شريكها العتيق، دون الانزلاق إلى ما هو أبعد من الدعم اللفظي والدعوة لوقف إطلاق النار. وفي المقابل، تبرز روسيا كمستفيد محتمل؛ إذ قد تعجل الحرب بإنشاء خط أنابيب "قوة سيبيريا 2"، وهو ما يضع بكين أمام معضلة التبعية لموسكو، وهي مخاوف قد تتوارى مؤقتاً أمام ضرورة تأمين الغاز.
ومع ذلك، فإن الدرس الذي تستخلصه بكين من هذه الأزمة يتجاوز الشرق الأوسط نفسه. فالحرب على إيران قد تكون بالنسبة للصين مجرد حلقة في صراع أوسع على أمن الطاقة العالمي في عصر التنافس بين القوى الكبرى. وعموماً، لم تؤد الحرب الإيرانية إلى كسر الإرادة الصينية، بقدر ما رسخت في بكين ضرورة المضي قدماً نحو استقلال طاقي كامل، ليصبح "الاكتفاء الذاتي" عنوان المرحلة المقبلة في صراع القوى العظمى.
