حال المال والاقتصاد

الأسواق العالمية تدخل أبريل تحت ضغط «صدمة الطاقة»

الأسواق العالمية تدخل أبريل تحت ضغط «صدمة الطاقة»

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 31 مارس 2026 02:21 صباحاً - تتجه الأنظار إلى شهر أبريل وسط مشهد مالي عالمي يزداد تعقيداً، بعد أن خرجت الأسواق من مارس استثنائي اتسم بتقلبات حادة أعادت رسم خريطة المخاطر في وول ستريت والبورصات الكبرى. فقد تحولت موجات البيع الواسعة إلى انعكاس مباشر لحالة عدم اليقين الجيوسياسي، في وقت لم تعد فيه المؤشرات التقليدية كافية لتفسير سلوك المستثمرين، مع دخول عامل جديد أكثر تأثيراً يتمثل في «صدمة الطاقة».

حرب إيران فرضت نفسها كمتغير حاسم في تسعير الأصول، حيث تكبّدت الأسواق الأمريكية خسائر تُقدّر بنحو 5.2 تريليونات دولار خلال شهر واحد، ما يعكس حجم الصدمة وتراجع الثقة في بيئة تتسم بتصاعد المخاطر. وباتت أسعار النفط المحرك الأبرز للأسواق، بعدما قفز خام برنت بأكثر من 55% متجاوزاً 116 دولاراً للبرميل، في تطور أعاد إشعال مخاوف التضخم وأربك حسابات البنوك المركزية.

تميل التوقعات المرتبطة بالشهر الجديد إلى التشاؤم، ما دام الصراع مستمراً دون أفق واضح للحل، خاصة مع القفزات المتتالية في أسعار النفط التي تحولت إلى المحرك الأبرز لتقلبات الأسواق، وهو الارتفاع الذي يضغط على هوامش الشركات، ويعيد في الوقت نفسه إشعال مخاوف التضخم، كما يدفع البنوك المركزية إلى إعادة النظر في مسار سياساتها النقدية، حيث بات الحديث عن خفض أسعار الفائدة يتراجع بشكل حاسم لصالح سيناريو الإبقاء أو حتى التشديد.

ورغم هذا المشهد القاتم، تظل الأسواق رهينة لأي تحول سياسي مفاجئ؛ إذ إن أي بوادر تهدئة أو اختراق دبلوماسي قد تمثل نقطة تحول تعيد قدراً من الاستقرار التدريجي، وتفتح الباب أمام تعافي الثقة وعودة التدفقات الاستثمارية.

وبين سيناريو التصعيد والانفراج، يبقى شهر أبريل اختباراً حقيقياً لقدرة الأسواق على امتصاص الصدمات وإعادة التوازن.

تزايد الضبابية

يرى ميشال صليبي، كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، وقال لـ«حال الخليج» إنه لم يعد الأداء مرتبطاً بالعوامل الاقتصادية التقليدية فقط، بل بات يتأثر بشكل مباشر بتداعيات الحرب في إيران، التي أعادت تشكيل أولويات المستثمرين ورفعت منسوب عدم اليقين. ويوضح أن قراءة تحركات الأسواق خلال الفترة الحالية تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في أسعار النفط، والسياسة النقدية، وشهية المخاطرة لدى المستثمرين.

ويؤكد صليبي أن العامل الأكثر تأثيراً في الوقت الراهن هو الارتفاع الحاد في أسعار النفط، والذي أصبح المحرك الرئيسي لتقلبات الأسواق. فاستمرار صعود الأسعار يعزز الضغوط التضخمية، ويحدّ من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة، بل قد يدفعها نحو التشديد، وهو ما ينعكس سلباً على تقييمات الأسهم، خاصة في أوروبا والدول الأكثر اعتماداً على واردات الطاقة. في المقابل، فإن استقرار أسعار النفط أو تراجعها قد يفتح المجال أمام تعافٍ جزئي في بعض القطاعات.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، يشير صليبي إلى تحوّل واضح في توجهات البنوك المركزية، بعد أن كانت الأسواق تسعّر دورة خفض للفائدة قبل اندلاع الحرب، لتدخل الآن مرحلة من التريث والحذر. هذا التحول يعكس مخاوف من تضخم مستمر، ويُفسر جانباً من التراجعات التي شهدتها الأسواق، رغم استمرار بعض المؤشرات الاقتصادية في إظهار قدر من المتانة.

أما على صعيد شهية المخاطرة، فيلفت إلى أن بيئة التوترات الجيوسياسية تدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأصول عالية المخاطر، والتوجه نحو الملاذات الآمنة مثل الدولار والسندات، ما يضغط على أسواق الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة. وفي المقابل، تبرز قطاعات مثل الطاقة والدفاع كأكبر المستفيدين، إلى جانب بعض الأسواق التي قد تستفيد من الإنفاق الحكومي، مثل الصين.

وتعكس تحركات الأسواق هذا التحول بوضوح، حيث سجلت أسهم كبرى شركات التكنولوجيا خسائر ملحوظة خلال مارس، مع تراجع أسهم إنفيديا وألفابت وميتا وأمازون وتسلا وأبل بنسب متفاوتة، في إشارة إلى تغير أولويات المستثمرين وإعادة توزيع السيولة.

وبشأن النظرة المستقبلية، يتوقع صليبي استمرار حالة عدم اليقين خلال الفترة المقبلة، مع بقاء الأسواق في نطاق عرضي يتسم بتقلبات مرتفعة، حيث تقابل أي موجات صعود بعمليات بيع. ويرجح أن تواصل أسهم الطاقة والدفاع تفوقها، مقابل ضعف نسبي لأسهم التكنولوجيا على المدى القصير.

ويُطرح سيناريوهان رئيسيان لمسار الأسواق؛ أولهما سلبي يتمثل في تصعيد أكبر، خاصة في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وتراجع قوي في الأسهم العالمية، مع احتمالية دخول وول ستريت في تصحيح عميق قد يتجاوز 10 إلى 15%. أما السيناريو الإيجابي فيتمثل في حدوث تهدئة أو انفراج سياسي، ما قد يدعم تعافي الأسواق واستقرار توقعات الفائدة وعودة الزخم إلى الأسهم، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والأسواق الناشئة.

وفي السياق ذاته، تعكس البيانات الاقتصادية تراجعاً في مستويات الثقة، حيث أظهر مؤشر ثقة المستهلك في الولايات المتحدة انخفاضاً ملحوظاً، ما يعكس تنامي القلق بشأن التضخم والأوضاع الاقتصادية. كما سجلت مؤشرات الأوضاع الحالية والتوقعات تراجعاً، في حين ارتفعت توقعات التضخم على المدى القصير، وهو ما يعزز حالة الحذر في الأسواق ويزيد من تعقيد قرارات السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تراجعات مزدوجة

ويرى الدكتور أحمد معطي، المدير التنفيذي لشركة VI Markets أن الأسواق العالمية تمر بمرحلة استثنائية من التراجعات، في ظل أزمة يصفها بأنها من الأعنف مقارنة بالأزمات السابقة، متجاوزة في تأثيرها أزمات السبعينيات وجائحة كورونا وحتى تداعيات الحرب في أوكرانيا، خاصة مع استمرار التصعيد الجيوسياسي وتأثيره المباشر على قطاع الطاقة.

ويؤكد معطي لـ «حال الخليج» أن العامل الحاسم في هذه الأزمة يتمثل في الارتفاع الكبير بأسعار الطاقة، والتي أصبحت تمس مختلف جوانب النشاط الاقتصادي، في ظل اعتماد عالمي شبه كامل عليها، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات ينعكس فوراً على الأسواق والاقتصادات.

وتظهر الأرقام حجم هذه الصدمة، إذ ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 55% منذ بداية الحرب لتتجاوز 116 دولاراً للبرميل، فيما صعد الخام الأمريكي بنحو 51% إلى مستويات 101 دولار، وهو ما شكّل ضغطاً مباشراً على الأسواق المالية.

ويوضح معطي أن الأسواق الآسيوية كانت الأكثر تضرراً، حيث سجلت مؤشرات رئيسية مثل «كوسبي» و«نيكاي» خسائر تجاوزت 12% و10% على التوالي، نتيجة الاعتماد الكبير لدول آسيا على واردات الطاقة من الخليج العربي، ما أدى إلى ضغوط حادة على القطاع الصناعي مع تعطل الإمدادات. كما بدأت بعض الدول باتخاذ إجراءات طارئة لمواجهة مخاطر نقص الطاقة، في مؤشر على تصاعد حدة الأزمة.

وفي المقابل، شهدت الأسواق الأوروبية تراجعات أقل حدة، مستفيدة من إجراءات سابقة لتنويع مصادر الطاقة بعد أزمة روسيا وأوكرانيا، ما ساعد في تخفيف أثر الصدمة الحالية. ومع ذلك، سجل مؤشر «ستوكس 600» خسائر تقارب 9% منذ نهاية فبراير.

أما في الولايات المتحدة، فقد تراجعت المؤشرات الرئيسية بشكل ملحوظ، حيث انخفض «ناسداك» بنحو 7.5%، و«داو جونز» بنسبة 8%، و«S&P 500» بنحو 7%، في ظل الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة. كما ارتفعت أسعار البنزين بنحو 35% لتقترب من 4 دولارات للجالون، ما انعكس سلباً على الإنفاق الاستهلاكي.

ويشير معطي إلى أن تداعيات الأزمة لم تكن متساوية على جميع القطاعات، إذ استفادت قطاعات الطاقة والصناعات الدفاعية، في حين تعرضت بقية القطاعات لضغوط كبيرة نتيجة ارتفاع التكاليف. كما انعكست هذه التطورات على توقعات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، مع تصاعد الضغوط التضخمية وتراجع الطلب.

ويتوقع استمرار الضغوط على الأسواق خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا بقيت أسعار النفط فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، مؤكداً أن تعافي الأسواق يظل مرهوناً بانخفاض الأسعار إلى ما دون 80 دولاراً. ويشدد على أن استمرار الأزمة لفترة أطول سيؤدي إلى مزيد من التراجعات ويعمّق حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.

تقلبات مدفوعة

يرى أحمد عزام رئيس الأبحاث في مجموعة Equiti أن ما كشفه الشهر الأول من الحرب هو أن الأسواق العالمية لا تتأثر بالحدث العسكري بحد ذاته بقدر ما تتأثر بتداعياته الاقتصادية، مشيراً إلى أن المستثمرين استوعبوا الصدمة الجيوسياسية سريعاً، لكنهم بدأوا في تسعير مخاطر أكثر عمقاً تتمثل في ارتفاع أسعار النفط، واستمرار الضغوط التضخمية، وبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.

ويوضح عزام لـ«حال الخليج» أن هذا التحول يفسر دخول مؤشرات رئيسية مثل «داو جونز» في مرحلة تصحيح، إلى جانب تراجع متواصل في وول ستريت لعدة أسابيع، مع تغير نظرة السوق للحرب من حدث مؤقت إلى عامل هيكلي يؤثر في الاقتصاد العالمي.

ويؤكد أن العنصر الأكثر تأثيراً هو قفزة أسعار الطاقة، حيث ارتفع خام برنت بأكثر من 50% منذ بداية الحرب، مع توقعات بمزيد من الارتفاع قد تصل إلى 135 دولاراً، بل وربما إلى 150 - 160 دولاراً في حال تصاعدت الأضرار في منشآت التصدير، ما يضع ضغوطاً مباشرة على هوامش الشركات وسلاسل الإمداد والقدرة الشرائية للمستهلكين، خاصة مع مرور نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية عبر مضيق هرمز.

ويحذر عزام من أن التحدي الأكبر للأسواق ليس الركود بقدر ما هو «تضخم الحرب»، الذي يضغط على المستهلك ويرفع تكاليف الإنتاج في آن واحد، دون أن يمنح البنوك المركزية فرصة التيسير النقدي. ولهذا، تحولت توقعات الأسواق من خفض الفائدة إلى احتمالات التثبيت أو حتى التشديد، وهو ما يعقّد المشهد الاستثماري ويزيد الضغوط على تقييمات الأسهم.

كما يشير إلى أن الأسواق بدأت بالفعل استبعاد سيناريو خفض الفائدة خلال 2026، في ظل ضبابية عالية ومخاوف من تباطؤ اقتصادي مصحوب بارتفاع التضخم، وهو ما يمثل أسوأ سيناريو للأسهم لأنه يضغط على الأرباح والتقييمات معاً.

ويضيف أن المرحلة المقبلة لن تشهد هبوطاً تقليدياً بقدر ما ستكون مرحلة «فرز قاسٍ» بين القطاعات، حيث تتراجع أسهم النمو المعتمدة على السيولة الرخيصة، مقابل صعود قطاعات تستفيد من الأزمة مثل الطاقة والدفاع والسلع الأساسية. كما تحوّل سلوك المستثمرين نحو التداول على الأخبار، إذ أصبحت العناوين السياسية والعسكرية قادرة على تحريك الأسواق بشكل حاد خلال جلسات قصيرة.

ويؤكد أن ما يحدث حالياً ليس بيعاً عشوائياً، بل إعادة تسعير شاملة، حيث تتجه السيولة نحو الشركات القادرة على تحقيق تدفقات نقدية مستقرة وتمرير ارتفاع التكاليف، بينما تبقى القطاعات الحساسة للفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات تحت ضغط مستمر.

وعالمياً، يتوقع عزام تزايد التباين بين الأسواق، مع تعرض أوروبا وآسيا لضغوط أكبر نتيجة اعتمادها على واردات الطاقة، محذراً من أن استمرار الأزمة قد يقتطع نحو 0.6 نقطة مئوية من نمو الاتحاد الأوروبي خلال العامين المقبلين. ويخلص إلى أن الاتجاه العام يميل إلى السلبية، مع تحول واضح في الأسواق من البحث عن النمو إلى البحث عن الأمان، في ظل استمرار هيمنة حالة النفور من المخاطرة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا