ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 1 أبريل 2026 05:52 مساءً - أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً غير مسبوق في تاريخ السادس عشر من مارس 2026، واصفاً الذكاء الاصطناعي بأنه «سلاح للتضليل» تستخدمه إيران لتزوير مجريات أحداث الحرب التي لم تعد فيه المعركة تقاس بكمية الصواريخ، بل بكم الأكاذيب التي تضخ في الفضاء الرقمي، حيث فتحت إيران جبهة سيبرانية إدراكية تقوم على فبركة الحقائق والتلاعب بالعقول، وخلق وهم افتراضي بطولي كاذب.
وقد وثق الرئيس ترامب بدقة، ثلاث حالات محددة للتضليل الإيراني وهي: فبركة مقاطع لـ «قوارب مسيرة انتحارية»، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتصوير هجوم وهمي على حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن»، واختلاق صور لـ«250 ألف» متظاهر إيراني، هذه الاتهامات تدعمها أرقام صادمة؛ فقد كشفت شركة «Cyabra» أن حملة إيرانية واحدة حققت 145 مليون مشاهدة عبر آلاف الحسابات الوهمية، بينما حذفت شركة «Meta» مئات الحسابات المرتبطة بشبكات تأثير إيرانية، تعمل بشكل ممنهج ومدروس.
بيد أن هذا السيل من التضليل لا يستهدف الأنظمة التقنية، بل يستهدف الإدراك البشري مباشرة. وهنا يبرز دور الوعي المجتمعي في مواجهة هذه الهجمات.
يؤكد طارق الحوسني، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة زيروجرافيتي، أن ما يحدث يتجاوز الدعاية التقليدية، قائلاً:
«نحن نواجه اليوم ما يعرف بـ الهجمات السيبرانية الإدراكية (Cognitive Cyberattacks)، فالهجمات السيبرانية المعرفية وآلة التضليل الإيرانية لا تهاجم خوادم الكمبيوتر، بل تشن هجوماً مباشراً على العقل البشري، حيث يتم بناء واقع رقمي كامل بالصوت والصورة، وتضخ المعلومات بكثافة في اللحظات الأولى للأحداث، مستغلة حالة الصدمة عند الناس وارتفاع مستوى المشاعر، لتثبيت رواية كاذبة قبل ظهور الحقيقة، والهدف هو إحداث شلل في قدرة المتلقي على التمييز بين الحقيقة والمزيف أو المفبرك».
ويفصل طارق الحوسني رئيس مجلس إدارة زيروجرافيتي، بصفته خبيراً في هذا المجال، آلية عمل هذه الهجمات وخطورتها البالغة:
«تعتمد هذه الاستراتيجية على تكتيك تسميم البيانات الأولى (First Data Poisoning). لأن الدماغ البشري يميل للتمسك بأول معلومة يتلقاها، وبالتالي فإن الإيرانيين يستغلون هذه الثغرة؛ وبعد كل ضربة، ما هي دقائق حتى يغرقون المنصات بصور مفبركة، فيتشكل الانطباع الأول لدى الملايين من المستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعية، وحين تظهر الحقيقة لاحقاً، تكون قد وصلت متأخرة، لذلك فإن فهم هذه الآلية هو خط الدفاع الأول؛ ويجب أن ندرك أن المتلقي يتعرض لعملية غسيل دماغ رقمي ممنهجة».
ويضيف طارق الحوسني، مشدداً على الحل الجذري لمواجهة هذا الخطر الداهم: «هذه الحرب تستهدف عقلك قبل كل شيء، لأن الإيرانيين يغرقون المنصات بكم هائل من الصور والمقاطع المفبركة في آنٍ واحد، لا ليقنعوك بكذبة بعينها، بل ليشلوا قدرتك على التفكير والتمييز، وأنا أرى أن السلاح الوحيد في مواجهة هذا النوع من الهجوم هو الشك قبل اليقين: (لا تصدق ما تراه فوراً)، لأن العين تخدع أسهل بكثير من الحاسوب، وفي هذه الحرب وعيك هو خط دفاعك الأول وسلاحك الأخير».
حرب بلا خطوط نار
تستثمر إيران أدوات الذكاء الاصطناعي الرخيصة، مثل توليد فيديوهات «Deepfake» وتعديل صور الأقمار الاصطناعية، لخلق فوضى مكلفة، بهدف خلق بيئة معلوماتية ملوثة، بحيث تتحول فيها الأكاذيب إلى عقيدة، وهو ما يمكن أن نسميه أو ما يمثل «عاراً رقمياً» يدفن الحقيقة في غياهب النسيان.
في المحصلة، لم تعد المعركة تحسم على الأرض فقط، وحين يحذر رئيس أقوى دولة وخبراء التقنية من هجمات تستهدف الوعي، يصبح السؤال: هل ما نراه يحدث فعلاً، أم أننا أسرى في «ماتريكس» من الأكاذيب..؟!
إن الشك ليس خياراً، بل هو خط الدفاع الأول في حرب تقاتل بالخوارزميات قبل البنادق.
