ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 3 أبريل 2026 09:51 مساءً - أجرت أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية تحولاً جذرياً في استراتيجياتها المالية سعياً وراء الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، حيث انتقلت من الاعتماد على الأرباح وارتفاع أسعار الأسهم، إلى إصدار سندات لجمع تمويلات ضخمة، بحسب بلومبرج.
وفي أوائل مارس 2026، برهنت شركة أمازون على هذا النهج الجديد ببيع سندات في أوروبا بقيمة 14.5 مليار يورو (16.7 مليار دولار)، في أكبر صفقة سندات للشركات على الإطلاق بهذه العملة. في الوقت نفسه، اقترضت الشركة 37 مليار دولار من سوق السندات الأمريكية، لتسجل بذلك رابع أكبر عملية بيع سندات لشركات أمريكية على الإطلاق. ومثلت هذه الصفقات اتجاهاً أوسع نطاقاً، حيث تخطط 4 شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى مجتمعة لإنفاق نحو 650 مليار دولار هذا العام وحده على مراكز البيانات ومعدات الشبكات والبنى التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتاريخياً، كانت شركات التكنولوجيا العملاقة تنمو من خلال إعادة استثمار أرباحها الهائلة بدلاً من الاقتراض بكثافة. إلا أنه، بدءاً من أواخر 2025، بدأت شركات مثل جوجل وميتا في إصدار سندات بعشرات المليارات من الدولارات لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعة. في الوقت نفسه، جمعت شركات ناشئة، مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك، مليارات الدولارات من المستثمرين، رغم أنها تواجه قيوداً مختلفة عن شركات التكنولوجيا العملاقة في الاقتراض.
مراكز البيانات
ويتبع توظيف رأس المال أنماطاً محددة فقد كشفت ألفابت أن نحو 40% من إنفاقها يتجه إلى مراكز البيانات ومعدات الشبكات، بينما خصصت 60٪ لشراء الخوادم. «وتجسد أوراكل مثالاً بارزاً في التوسع بمراكز البيانات. فقد جمعت ديوناً مؤسسية وقروضاً خصصتها لمشروعات تطوير مراكز بيانات على مستوى الولايات المتحدة.
وإلى جانب البنية التحتية المادية، تحتاج الشركات لرقائق إلكترونية باهظة الثمن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. وتنشئ بعض الشركات العملاقة شركات ذات أغراض خاصة، وهي كيانات منفصلة تستحوذ على معدات وتبقي الديون خارج ميزانيات الشركة الأم، ما يحمي التصنيفات الائتمانية.
ومنذ أواخر 2025، سعت شركة «إكس إيه آي»، التابعة لإيلون ماسك، إلى جمع نحو 20 مليار دولار من خلال هذه النوعية من الشركات، التي تقوم بشراء الرقائق الإلكترونية وتأجيرها للشركة الأم.
الطاقة والكفاءات
ويفاقم عاملان إضافيان حدة المنافسة، وهما الطاقة والكفاءات، واستحوذت ألفابت على شركة للطاقة النظيفة لتزويد مراكز بياناتها بالطاقة، في ظل معاناة شبكة الكهرباء الأمريكية من ضغط الطلب. كما استثمرت ميتا ملايين الدولارات في توظيف مهندسين ذوي مهارات عالية.
ورغم امتلاك جوجل احتياطيات نقدية ضخمة، وتجاوز إيراداتها 97 مليار دولار في الربع الأخير من 2025، إلا أن الاقتراض لا يزال خياراً جذاباً، لحرص وول ستريت على إقراض هذه الكيانات العملاقة.
أما الشركات الناشئة مثل «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي»، فبينما يمكنها جمع رأس المال، إلا أن جولات التمويل المتكررة تخفض حصص المساهمين. واقترضت «إكس إيه آي» 5 مليارات دولار في 2025، ثم سددتها لاحقاً، بينما تجنبت شركتا «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» أسواق الدين حتى الآن، إلا أنهما استكشفتا طرقاً بديلة للتمويل.
الحوسبة السحابية
وأثار الارتفاع الكبير في الاقتراض قلق المستثمرين أواخر 2025، عندما جمعت شركات التكنولوجيا الكبرى نحو 100 مليار دولار خلال أسابيع لتوسيع خدمات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات. وذلك عقب تمويل بقيمة 30 مليار دولار لمركز بيانات ميتا في لويزيانا، والذي تم جمعه عبر شركة ذات غرض خاص تسدد للمقرضين عبر عقد إيجار طويل الأجل مع ميتا، ما يظهر كيف يمكن للشركات جمع رؤوس أموال ضخمة دون المساس بتصنيفاتها الائتمانية.
وحجم الاقتراض وطبيعته أمر غير مسبوق تاريخياً. فقد أصدرت شركة «ألفابت» سندات نادرة لأجل 100 عام، وهي الصفقة الأولى من نوعها لشركة تكنولوجيا منذ أواخر التسعينيات. وعلى عكس ديون الشركات المرتبطة بفقاعات المضاربة في ثمانينيات القرن الماضي، فإن الجهات المصدرة اليوم تمثل الشركات الأكثر سيولة والأعلى تصنيفاً ائتمانياً في العالم.
ويتوقع المحللون أن يشكل تمويل الديون نسبة متواضعة نسبياً من إجمالي الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، حيث سيتم تمويل ما بين 80% و90% من النفقات الرأسمالية المخطط لها من خلال التدفقات النقدية التشغيلية. ويتوقع أن تحافظ شركات تشغيل مراكز البيانات الكبرى على نسب منخفضة للدين إلى الأرباح رغم زيادة الاقتراض.
رفع التكاليف
رغم ذلك، هناك تداعيات. فقد يؤدي حجم هذه الديون لإعادة تشكيل أسواق الائتمان، حيث كان من الممكن توجيه تلك المبالغ الضخمة إلى قطاعات أخرى، ما قد يرفع تكاليف الاقتراض على الأنشطة الاقتصادية الأخرى. مع تركيز انكشاف المقرضين على قطاع غير مثبت بعد. وتوقعت مورجان ستانلي أن يتجاوز إصدار الشركات للسندات في 2026 تريليوني دولار، وهو رقم قياسي. وقدر محللو جي بي مورجان أن الأسواق قد تحتاج 5 سنوات لاستيعاب نحو 1.5 تريليون دولار من سندات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يشكل أكثر من 20% من سوق السندات ذات التصنيف الاستثماري بحلول عام 2030.
فقاعة الانترنت
وإذا لم يلبِ الذكاء الاصطناعي التوقعات، فقد تواجه الشركات فائضاً في الطاقة الإنتاجية ومعدات تتقادم بسرعة، وهو ما يذكر بالإفراط في بناء قطاع الاتصالات خلال فترة فقاعة الإنترنت. وسيؤدي انخفاض الأرباح إلى الضغط على التدفقات النقدية، ما قد يجبر الشركات على خفض الاستثمارات أو الاقتراض الإضافي، ما قد يضعف المراكز المالية. وتشمل مخاطر السوق الأوسع نطاقاً انخفاضات محتملة في أسعار الأسهم وخسائر كبيرة للمقرضين إذا تلاشى التفاؤل بالذكاء الاصطناعي.
