حال المال والاقتصاد

الإمارات ضمن الأسرع نمواً في تراكم الثروات الفائقة عالمياً

الإمارات ضمن الأسرع نمواً في تراكم الثروات الفائقة عالمياً

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 27 أبريل 2026 10:06 مساءً - كشف تقرير «الثروة العالمي 2026» الصادر عن مؤسسة «نايت فرانك» عن قفزة استثنائية في جاذبية دولة العربية المتحدة كوجهة أولى لأصحاب الثروات الضخمة، واصفاً مدينتي دبي وأبوظبي بمنافسين شرسين لمراكز المال التقليدية مثل لندن، نيويورك، وسنغافورة.

وشهدت خريطة الثروة في الإمارات تحولات جذرية خلال السنوات الخمس الماضية، حيث تشير البيانات إلى تضاعف عدد المليارديرات المقيمين في الدولة بنسبة 100%، ليصل إلى 128 مليارديراً حالياً، مقارنة بـ 64 مليارديراً فقط في عام 2021، ونمو «أصحاب الثروات الفائقة»، حيث تضم الإمارات اليوم 4851 شخصاً تتجاوز ثرواتهم حاجز الـ 30 مليون دولار.

ويتوقع التقرير أن يرتفع هذا العدد ليصل إلى 6588 شخصاً بحلول عام 2031، مما يضع الإمارات ضمن قائمة الدول الأسرع نمواً في تراكم الثروات عالمياً.

رقم قياسي بعد آخر

وفي سوق العقارات الفاخرة، دبي لا تنافس فقط، بل تتصدر. فقد سجلت المدينة 500 صفقة بيع لمنازل تتجاوز قيمتها 10 ملايين دولار خلال عام 2025، مقارنة بـ113 صفقة فقط في 2021. وهذا التضاعف الهائل، والذي يعادل زيادة بأكثر من 340%، يجعل دبي أكثر أسواق المنازل الفاخرة نشاطاً في العالم.

وحين نتحدث عن أسعار العقارات، فإن دبي تحتل المرتبة الثانية عالمياً في ارتفاع قيم العقارات الفاخرة خلال عام 2025، بنسبة 25.1%. وأرجع التقرير هذا الطلب غير المسبوق إلى غدة عوامل متضافرة، وهي البيئة الضريبية المواتية التي تستقطب الأثرياء من كل أنحاء العالم، والبنية التحتية المتطورة، وبيئة الأعمال المرنة، والمناخ الدولي المتسامح الذي يجذب رجال الأعمال والمحترفين من مختلف الجنسيات. أضف إلى ذلك تأثير ما يعرف بـ«ممر دبي» فحتى في ظل التوترات الإقليمية، لا يزال الأثرياء العالميون ينظرون إلى دبي باعتبارها ممراً أساسياً لتدفق الثروة العالمية.

من جانبها، تشق أبوظبي طريقها بهدوء لتصبح وجهة مستقلة ومتميزة بحد ذاتها. يصفها تقرير الثروة العالمي بأنها مركز ثقافي ناشئ في الشرق الأوسط، وهي تستقطب شريحة من الأثرياء تبحث عن نمط حياة مختلف. وأبوظبي تمتلك شواطئ بكر وبحراً جميلاً وهدوءاً كبيراً. وقد أضافت المدينة فروعاً لمتحفي اللوفر وغوغنهايم إلى رصيدها الثقافي، ما يجذب ذوي الذوق الرفيع من الأثرياء الباحثين عن المزايا الاقتصادية للإمارات مع وتيرة حياة أهدأ.

ويرى خبراء القطاع أن التكامل بين دبي وأبوظبي يعزز موقع الإمارات في المنافسة العالمية على استقطاب الثروات، إذ تقدم كل إمارة منهما ما لا تقدمه الأخرى، ما يوفر مجموعة خيارات تلبي أذواق وتفضيلات واسعة للأثرياء العالميين.

ومن أبرز ما كشف عنه تقرير نايت فرانك أن دبي أصبحت، بالنسبة للمستثمرين والأثرياء «الممر»، الذي تتدفق من خلاله الثروة العالمية. ووصف أحد المشاركين في «استطلاع المكاتب العائلية - دبي» بأنها «المكان الذي تجري فيه الأعمال». ويقول التقرير إن بيئة دبي المواتية للأعمال وموقعها الجغرافي ونظامها الضريبي جعلاها خياراً لا غنى عنه لمكاتب العائلات التي تدير ثروات عالمية.

عقارات تجارية

وأصبحت الإمارات، وتحديداً دبي وأبوظبي، تستقطبان اهتماماً مؤسسياً استثنائياً في قطاع العقارات التجارية بشكل عام، ومراكز البيانات بشكل خاص. وأشار تقرير نايت فرانك إلى أن شركات عالمية كبرى من أمثال «بروكفيلد» و«هينز» و«جو كابيتال» و«بلاكستون» أصبحت نشطة في السوق الإماراتي للمرة الأولى، وكثير منها يركز على الأصول الصناعية والخدمات اللوجستية ومراكز البيانات.

نادي فائقي الثراء عالمياً

وفي كل يوم يمر، يدخل 89 شخصاً حول العالم إلى نادي من يمتلكون ثروات تتخطى الثلاثين مليون دولار. وهذا رقم موثق كشفه أحدث إصدار من تقرير الثروة العالمي الصادر عن شركة «نايت فرانك». وخلال الفترة بين عامي 2021 و2026، ارتفع عدد أصحاب فائقي الثراء على مستوى العالم، وهم من تتجاوز ثرواتهم الثلاثين مليون دولار، من 551435 شخصاً إلى 713626 شخصاً. أي أن العالم شهد ولادة 162.191 ثرياً جديداً خلال 5 سنوات فحسب. وبقسمة هذا الرقم على أيام السنوات الخمس، نجد أن 89 شخصاً تقريباً يتخطون عتبة الثروة الفائقة كل يوم، وهو أمر لا يتوقف في أيام عطلة نهاية الأسبوع، ولا في أيام الأزمات. والأكثر لفتا للانتباه أن هذه اﻷعداد لم تتوقف بسبب أي من العوائق الكبرى التي شهدها العالم في تلك السنوات الخمس، لا الجائحة التي شلت الاقتصاد العالمي، ولا موجة التضخم التي عصفت بالمدخرات، ولا حالة عدم اليقين الجيوسياسية التي أعقبت العملية العسكرية في أوكرانيا، ولا ارتفاع أسعار الفائدة التي أربكت الأسواق.

أمريكا مصنع الثروة

وأنتجت الولايات المتحدة وحدها نسبة 41% من مجمل الأثرياء الجدد طوال هذه الفترة، بمجموع 66800 شخص، لترتفع حصتها منهم من 33% عام 2021 إلى 35% عام 2026. وبهذا يبلغ مجموع فائقي الثراء في الولايات المتحدة حالياً 251.352 شخصاً. ومن المتوقع أن ترتفع النسب أكثر لتبلغ 41% بحلول 2031، ليكون 4 من كل 10 من فائقي الثراء في العالم أمريكيين بعد 5 سنوات.

وأشار التقرير إلى عوامل هيكلية أساسية لتتربع الولايات المتحدة على قمة هرم الثروة، فهي تمتلك أسواقاً رأسمالية هي الأضخم والأكثر سيولة في العالم، ومنظومة تقنية تضم أكبر شركات العالم، وبيئة مالية متطورة تحمي الملكية الفكرية، وسوق محلي ضخم يتيح للشركات التوسع والنمو قبل الانطلاق عالميا. علاوة على ذلك، تسهم ثورة الذكاء الاصطناعي التي انطلقت في وادي السيليكون في خلق موجة جديدة من الثروات الهائلة في زمن قياسي.

الهند تتفوق على الصين

في المقابل، تراجعت حصة الصين من مجمل ثروات العالم تدريجياً. فقد انخفضت من 18% عام 2021 إلى 17% عام 2026، ويتوقع أن تتراجع أكثر إلى 15% بحلول 2031. فالتباطؤ الاقتصادي، وأزمة القطاع العقاري، والضغوط التنظيمية على القطاع التقني، وحالة عدم اليقين الجيوسياسي كلها عوامل تضغط على آلة الثروة الصينية.

والقصة الأكثر إثارة للاهتمام تأتي من الهند. فرغم أن حصتها لا تتجاوز 2.8% من مجمل الأثرياء عالمياً حتى الآن، إﻻ أن مسارها صاعد بوضوح. فقد ارتفع عدد أصحاب الثروات الفائقة في الهند بنسبة 63% خلال 5 سنوات، من 12,161 شخصاً إلى 19,877 شخصاً. ويتوقع أن يصل العدد إلى 25,217 بحلول 2031، أي بزيادة إضافية تبلغ 27%.

والثروة الهندية ليست مجرد طفرة رقمية، بل تعكس تحولاً هيكلياً عميقاً في اقتصاد بلد يسكنه مليار و400 مليون إنسان. فقطاع التقنية ينضج ويولد ثروات ضخمة، وأسواق المال آخذة في التطور، والخصخصة وصعود الشركات العائلية الكبرى يصنعان طبقة جديدة من رجال الأعمال الأثرياء.

مفاجآت غير متوقعة

لكن الأكثر إثارة للدهشة تتشكل حين ننظر إلى الدول التي يتوقع أن تحقق أسرع نمو في أعداد أثريائها خلال السنوات الخمس المقبلة. ويأتي في طليعتها إندونيسيا بنسبة نمو تصل إلى 82%، ثم بولندا بنسبة 63%. وتأتي فيتنام بنمو يقارب 60%، يليها أستراليا والسويد ورومانيا. هذا التنوع الجغرافي لافت ويشير إلى أن الثروة لم تعد حكراً على الغرب والصين.

الشرق الأوسط يقود نمو العقارات الفاخرة

بينما تتباطأ أسعار المنازل الفاخرة في كندا وأستراليا وبعض أسواق أوروبا، سجل الشرق الأوسط أعلى معدلات النمو في العالم، وبنسبة 9.4% في عام واحد، وهي أعلى من المتوسط العالمي البالغ 3.2% بثلاثة أضعاف.

وتعد دبي قاطرة المنطقة بلا منازع بمعدل نموها البالغ 25.1%. أما المنطقة برمتها فقد حققت متوسط نمو بلغ 9.4%، ما يجعلها القارة الأسرع نمواً في هذا القطاع عالمياً، متقدمة على أمريكا اللاتينية التي جاءت ثانية بنسبة 4.7%، ثم آسيا والمحيط الهادئ بـ3.6%، وأوروبا بـ3.3%. أما أمريكا الشمالية فكانت الاستثناء الوحيد، إذ سجلت انخفاضاً طفيفاً في المتوسط بلغ 0.9%، مدفوعاً في المقام الأول بضعف الأسواق الكندية.

خلف هذه الأرقام، تدور منافسة حقيقية على استقطاب الأثرياء الدوليين الراغبين في اﻻنتقال والإقامة في بيئات ضريبية مواتية. والإمارات تقدم نموذجاً ضريبياً جذاباً، بينما تقدم دولا أخرى إمكانية الوصول إلى سوق استهلاكي ضخم وفرص استثمار في اقتصاد يعاد هيكلته بالكامل.

وما يميز الشرق الأوسط عن منافسيه الآسيويين كسنغافورة وهونغ كونغ هو هذا المزيج من الحوافز الضريبية والانفتاح الاجتماعي المتزايد والموقع الجغرافي الاستراتيجي بين الشرق والغرب، إلى جانب البنية التحتية العالمية التي تشمل مطارات وموانئ ومراكز مالية راسخة.

نهاية عهد لندن

كانت لندن يوماً ما العاصمة غير الرسمية للثروة العالمية. أما اليوم، فيتراجع ترتيبها في قوائم مبيعات العقارات الفاخرة، وتفقد الأثرياء الذين ارتبطوا بها عقوداً، وأصبح مستقبل الحفاظ على الثروة غير واضح في عاصمة الضباب.

في الربع الأخير من 2025، لم تشهد لندن سوى 35 صفقة بيع لمنازل تتخطى قيمتها 10 ملايين دولار. هذا الرقم يبدو متواضعاً بكل المقاييس، مقارنة بدبي التي سجلت 143 صفقة في الفترة ذاتها، أي ما يعادل أربعة أضعاف لندن. وجاءت لندن في المرتبة السابعة، خلف سيدني وميامي وسنغافورة وهونغ كونغ وباريس. وفي 2025 انخفضت أسعار العقارات الفاخرة في لندن بنسبة 4.7%، ما جعلها واحدة من أسوأ أسواق العقارات الفاخرة أداء في العالم. وخلال 5 سنوات، فقدت لندن 4.7% من قيمة سوقها العقاري، بينما كسبت دبي 193.9% في الفترة ذاتها.

وكشف تقرير «نايت فرانك» أن الضغوط الضريبية على الأثرياء في لندن قضية تراكمت أوراقها منذ عام 2014. لكن الضربة الأكبر جاءت في أكتوبر 2024، حين أعلنت الحكومة البريطانية إلغاء نظام «غير المقيمين» الذي مضى عليه 200 سنة، وكان يسمح للمقيمين في بريطانيا من غير المواطنين بدفع ضرائب محدودة على دخلهم من خارج المملكة. وأشعل الإصلاح الضريبي الجديد موجة غضب ثم انتقادات، أعقبها رحيل الأثرياء.

وتشير توقعات مكتب مسؤولية الميزانية البريطانية إلى أن 20% من المتأثرين قد يغادرون، أي ما يعادل نحو 1,200 شخص، فيما يرى مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال أن النسبة قد تصل إلى ربع المتأثرين.

المكاتب العائلية قوة استثمارية عالمية

وفي عام 2026، سيتجاوز عدد مكاتب العائلات حول العالم عتبة 10000 مكتب للمرة الأولى. وهذه الكيانات لم تعد مجرد وحدات إدارية هادئة تحفظ أموال الأثرياء، بل تحولت إلى منصات استثمار احترافية تتحدى كبرى صناديق الاستثمار في مرونتها وقدرتها على التحرك، ما أتاح لها نمو ثرواتها بمعدل أسرع من نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 5%. وما دفع هذا القطاع للنمو بهذه السرعة هو الطفرة الهائلة التي شهدها تراكم الثروات في السنوات الأخيرة، خاصة في قطاعات التقنية والمال والترفيه والرياضة. وأجرت «نايت فرانك» في الربع الأول من عام 2026 مقابلات مع أكثر من 40 مكتب عائلة في لندن ونيويورك ودبي وسنغافورة وهونغ كونغ وغيرها.

وخلال هذه المقابلات وصفت كثير من العائلات العقارات بأنها شغفها الأساسي وأصلاً طبيعياً في الثروات التي نشأت سواء من الأعمال التجارية أو المشروعات الريادية. فهي أصل حقيقي ملموس، والأمان الذي توفره يمنح طمأنينة نفسية، كما أفاد أحد المشاركين. وتظل الملكية المباشرة جذابة للعائلات لأنها تتيح لهم التحكم في استراتيجيات التطوير وإدارة المخاطر والاستفادة الكاملة من أي ارتفاع في القيمة، بدلاً من تقاسم العوائد مع صناديق الاستثمار.

استثمارات القيمة المضافة

وحسب نايت فرانك تتجه المكاتب العائلية بشكل متزايد نحو الاستثمارات ذات القيمة المضافة، مثل العقارات التي تحتاج إلى تطوير أو إعادة تأهيل أو إعادة تموضع. وهناك فرصة هائلة في هذه المشاريع، فتكاليف البناء المرتفعة أوقفت الكثير من المشاريع في أوروبا، ما أوجد نقصاً حقيقياً في المنتج المتميز، وحتى المباني السكنية. يليها مراكز البيانات التي تأتي في طليعة القطاعات الأكثر جاذبية، مدفوعة بالنمو السريع للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وكذلك الخدمات اللوجستية والتوزيع مدفوعة بالتوسع المستمر في التجارة الإلكترونية. وكذلك مباني سكن الطلاب، والرعاية الصحية في الأسواق التي تعاني شيخوخة السكان. وهذه القطاعات مجتمعة تجمع بين دخل مستقر وإمكانية نمو على المدى البعيد، ما يتوافق مع طبيعة رأس المال العائلي الصبور الذي لا يخضع لضغوط دورات الصناديق الاستثمارية.

التعاون أفضل

ونموذج التعاون بين مكاتب العائلات آخذ في الانتشار. فكثير منها يفضل ألا يقود الصفقات بمفرده، بل يشارك مكاتب أخرى موثوقة في الاستثمارات الكبرى. وقد أفاد أحد المشاركين في استطلاع نايت فرانك بأن مكتبه «لن يقود أي فرصة استثمارية أبداً»، مفضلاً الاستثمار المشترك مع مكاتب عائلات أخرى موثوقة أو أفراد يثق بهم، ما يوفر اطمئناناً إضافياً في اختيار الصفقات. وهذا النهج يخفف المخاطر ويزيد إمكانية الوصول إلى فرص أكبر مما يستطيع أي مكتب تحقيقه منفرداً. كما يتيح للعائلات تبادل الخبرات والمعلومات حول الأسواق والقطاعات المختلفة، في ظل قطاع لا يزال يفتقر إلى الشفافية ويعمل خارج نطاق الرقابة التنظيمية إلى حد بعيد. والأهم أن هذا التعاون يفتح الباب أمام صفقات أكبر حجما في قطاعات كمراكز البيانات والبنية التحتية، التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة تتجاوز ما يستطيع مكتب عائلة واحد توفيره.

وفي السابق، كان الطموح هو بناء مكتب عائلة كبير بعشرات الموظفين. لكن الآن، تقول بعض العائلات إنها أدركت أنها بنت مؤسسات مصغرة باتت بطيئة ومكلفة، وأن طلبها يتصاعد على هياكل أكثر مرونة، فريق أساسي صغير يعتمد على شبكة من الخبراء الخارجيين عند الحاجة، مع توظيف التقنية الحديثة لتسريع القرارات.

والنموذج الأحدث هو ما يسميه التقرير الملياردير دائم التنقل. فبدلاً من إدارة إمبراطورية تجارية من مكتب ثابت، يدير هؤلاء ثرواتهم من أي مكان في العالم، معتمدين على تطبيقات الاتصال وفرق العمل عن بعد وشبكة متكاملة من المستشارين.

كيف يعيش الأثرياء؟

أصبحت الإقامة الدائمة في مدينة واحدة رفاهية يرفضها الأثرياء طوعاً. فهم يفضلون اليوم حياة الترحال المنظم. شقق فاخرة في دبي وميلانو وميامي، وبيوت للإجازات في كورس أو أسبن، ونادٍ خاص في مايفير حين يحلون ضيوفاً على لندن.

وصف تقرير نايت فرانك هذه الظاهرة بـ«الحراك الفائق للأثرياء»، وهو نمط لم يكن ممكناً من الناحية العملية قبل عقدين. أما اليوم، فقد اجتمعت ثلاثة عوامل جعلت حياة الترحال ممكنة بل ومثمرة. فقد محت التقنية الحدود بين مكان العمل والإقامة، والمحافظ المالية المتعددة أصبحت تدار بنقرة على الشاشة، والطيران الخاص جعل التنقل بين القارات أشبه بالتنقل بين الأحياء.

وقال باديه درينغ، رئيس مكتب نايت فرانك في لندن: «عملاؤنا يتنقلون من موقع لآخر مثل القبائل الرحالة». ومديرو الأعمال اليوم يشرفون على شركاتهم ومحافظهم الاستثمارية من يخت في المتوسط أو شاطئ في جزر البهاما، بفضل منظومة اتصالات وبنية تحتية متكاملة على متن مركباتهم وطائراتهم. وأعاد هذا التحول في أسلوب الحياة رسم خريطة سوق العقارات الفاخرة.

تغييرات جوهرية

وهناك تغييرات جوهرية رصدها التقرير في هذا السياق، أولاً، انكماش ميزانية التميز، فالمشترون الذين كانوا يخصصون 30 إلى 50 مليون دولار لمنزل رئيسي في مدينة كبرى، صاروا يكتفون بـ15 مليوناً لشقة عملية. وتراجع الشغف بالمساحة الواسعة في المدن العالمية لصالح الوظيفية والملاءمة. في المقابل، ارتفع الطلب على امتلاك عدة منازل في عدة مدن.

وهناك أيضاً: الايجار الفائق، فبدلاً من شراء منازل في مدن قد يزورونها أسابيع قليلة في السنة، يلجأ كثير من الأثرياء إلى الإيجار الفائق، وهو إيجار الوحدات السكنية بمبالغ ضخمة. ولذلك، ارتفعت إيجارات الشقق الفاخرة في نيويورك بنسبة 63% وفي لندن بنسبة 53% وفي سنغافورة بنسبة 48% خلال السنوات الخمس الماضية، وهو مؤشر قوي على الطلب المتنامي لهذه الشريحة من العقارات.

وهناك كذلك: المنازل الجاهزة، فحينما يصل الثري إلى مدينة ما صباح الثلاثاء، يريد أن يجد الثلاجة مملوءة والتدفئة مضبوطة والبواب في انتظاره. فالوقت أثمن من أي شيء بالنسبة لهذه الشريحة. لهذا تتضاعف أسعار المنازل الجاهزة ذات المستوى الراقي والخدمات الكاملة، بينما تتراجع قيمة العقارات التي تحتاج إلى ترميم أو مشكلات إدارية.

ويرتبط بذلك، مقر النادي الخاص، فحينما يوجد الثري في مدينة ليومين أو ثلاثة للقاء شركائه وعقد صفقاته، فإن النادي الخاص يصبح مقره المثالي. وقد استفادت النوادي الخاصة من هذا التحول استفادة كبيرة، فطفرة الأندية الخاصة التي بدأت في لندن ونيويورك تمتد الآن إلى ميامي وميلانو وسنغافورة وأبوظبي ودبي ومالطا وسواها. أما المدن التي تضغط على الأثرياء ضريبياً دون أن تقدم ما يقابله من مزايا، فتجد نفسها تتحول تدريجياً إلى محطات في الرحلة لا إلى وجهات إقامة. والنتيجة هي أن الأموال قد تستمر في التدفق إلى هذه المدن كإيجارات وإنفاق استهلاكي، وتهرب من الاستقرار الضريبي الذي كانت الحكومات تأمله، فيقل تركز الثروة بشكل كبير.

طوكيو تشق طريقها بسرعة

ولم يتوقع أحد أن تتصدر طوكيو قائمة أسرع أسواق العقارات الفاخرة نمواً في العالم، فحتى وقت قريب، كانت العاصمة اليابانية تعرف بأسعارها المتعثرة. وفي عام 2025، ارتفعت أسعار الشقق الجديدة الفاخرة في طوكيو بنسبة 58.5%، وهو الرقم الأعلى عالمياً. وعلى مدار خمس سنوات، حققت طوكيو نمواً إجمالياً بلغ 159.3%، ما يضعها في المرتبة الثانية عالمياً بعد دبي. وهو تحول يستحق التوقف عنده.

وظلت أسعار الفائدة في اليابان لسنوات طويلة الاستثناء الأبرز في عالم السياسة النقدية، إذ حافظت على أسعار فائدة قريبة من الصفر أو سلبية حين كانت بقية العالم ترفعها، ما جعلها بيئة محفزة على الاقتراض. وبالاقتران مع ندرة العرض في المناطق الراقية في طوكيو، والتدفق قوي من المشترين الآسيويين، خاصة من الصين ودول آسيا والمحيط الهادئ، الذين وجدوا في طوكيو مخزناً جيداً للقيمة وبيئة آمنة للاستثمار، حلقت الأسعار لأعلى. أما السبب الأخير فهو ضعف الين. فانخفاض قيمة الين الياباني أمام الدولار والعملات الأخرى جعل العقارات اليابانية أرخص نسبياً للمشترين الأجانب، ما أشعل طلباً غير مسبوق من المستثمرين الدوليين الذين وجدوا في السوق الياباني فرصة نادرة.

ماذا بعد الارتفاع؟

وطرح المحللون تساؤلات جدية حول استدامة هذا النمو. فالارتفاع بهذه الوتيرة الحادة يثير تساؤلات حول ما إذا كانت السوق في مرحلة فقاعة أم أنه تصحيح لتقييم كان منخفضاً بشكل غير عادي. وألمح تقرير نايت فرانك إلى أن الطلب الحقيقي يدعم جزءاً كبيراً من هذا الارتفاع، لكنه أشار أيضاً إلى ندرة مصطنعة وتأثير الفائدة المنخفضة. وبدأت طوكيو تجذب المستثمرين الدوليين الذين كانوا يتجاهلونها. فالمدينة تقدم بنية تحتية استثنائية وأماناً اجتماعياً عالياً وسيادة القانون وشفافية قانونية، ما يجعلها منافساً جدياً في السباق على استقطاب الثروات الآسيوية المتنامية.

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

وللمرة الأولى في تاريخ تقرير نايت فرانك للثروة، احتل قطاع تقنية المعلومات والبنية التحتية الرقمية مكانة محورية في توجهات الاستثمار لدى الأثرياء. فمراكز البيانات لم تعد مجرد مبانٍ بأجهزة حاسوبية، بل باتت بنية تحتية حيوية لا يمكن للاقتصاد الرقمي العمل دونها.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بنسبة 127% بحلول عام 2030. وفي الولايات المتحدة وحدها، سيرتفع استهلاك مراكز البيانات من 4.5% إلى نحو 9% من إجمالي استهلاك الكهرباء. وسيخلق هذا الطلب المتنامي فرصاً استثمارية ضخمة على مستويين، هما بناء وتشغيل مراكز البيانات نفسها، وتطوير البنية التحتية اللازمة لتوليد الطاقة وتوصيلها لهذه المراكز.

وتشير نتائج استطلاع نايت فرانك لمكاتب العائلات إلى أن كثيراً من المستثمرين الأثرياء ينظرون إلى مراكز البيانات باعتبارها أكثر القطاعات العقارية التجارية جاذبية حالياً. وقال أحد المشاركين: نحن نستثمر بشكل كبير في البنية التحتية الرقمية، ليس فقط في مراكز البيانات، بل في مشاريع المرافق التي تزود مراكز البيانات بالطاقة.

ويعكس هذا التحول إدراكاً متنامياً بأن الاستثمار في مراكز البيانات ليس مجرد رهان تقني، بل استثمار في بنية تحتية حيوية لا غنى عنها للاقتصاد الرقمي برمته، من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة السحابية إلى خدمات البث الترفيهي إلى المعاملات المالية الإلكترونية.

ولكن الاستثمار في مراكز البيانات لا يخلو من تحديات. فقد أشار محللون في تقارير منفصلة إلى أن تكاليف إنشاء مراكز البيانات مرتفعة، واحتياجاتها من الطاقة ضخمة، وضغوط الاستدامة البيئية تزداد على المستوى العالمي. كما أن التطورات العلمية السريعة قد تقدم اليوم تقنيات بوصفها ضرورة لا بديل عنها، بينما قد تصبح قديمة بعد عقد من الزمن. إلا أن المستثمرين المطلعين يرون أن الطلب الهيكلي على البنية الرقمية مضمون على المدى المتوسط والبعيد.

اليخوت الفاخرة

من الملامح المهمة في التقرير أن حجم مبيعات اليخوت الفائقة، أو السفن الخاصة التي يزيد طولها على 24 متراً بلغ بحدود 8.5 مليارات دولار خلال 2025، في ارتفاع بنسبة 70% مقارنة بالعام السابق. وهو رقم لا يعبر فقط عن عودة السوق بعد فترة تراجع، بل يشير إلى تحول أعمق في علاقة الأثرياء بالتنقل والإقامة. وهو أيضاً الرقم اﻷعلى منذ عام 2021، حينما أطلق التعافي من جائحة كوفيد19 طاقة إنفاق مكبوتة. أما محرك هذه الطفرة في المقام الأول، فهو الطلب الأمريكي الذي استأثر وحده بـ 45% إلى 50% من إجمالي الصفقات. يلي هذا العامل في الأهمية الحوافز الضريبية الأمريكية، حيث أعادت الولايات المتحدة العمل بإعفاء ضريبي بنسبة 100% على أصول الاستهلاك، ضمن ما يعرف بالقانون الكبير الجميل، ما حفز الأثرياء الأمريكيين للإسراع بإتمام صفقاتهم قبل نهاية 2025.

واليخت العصري اليوم تجاوز وظيفته الترفيهية التقليدية. فقد وصفه تقرير نايت فرانك اليخت الحديث بأنه يؤدي وظيفة كفندق ستة نجوم مزود بالبنية التحتية اللازمة لإدارة امبراطورية تجارية عالمية. مثل الاتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة الاتصال المتطورة، وغرف الاجتماع الفاخرة. وكل ذلك يجعل اليخت الحديث مساحة للعمل والإقامة والترفيه في الوقت نفسه.

اتجاهات السوق

يظل المشتري الأمريكي العمود الفقري لسوق اليخوت العالمي، إذ يستأثر وحده بنحو نصف الصفقات، ما يجعل أي تغيير في السياسة الضريبية الأمريكية حدثاً يلقي بظلاله على السوق بأسره. وفي حين تبقى الهيمنة الأمريكية راسخة، تبرز الهند قوة صاعدة يعول عليها الصناعة كثيراً على المدى البعيد، فالأثرياء الهنود أصبحوا يقتنون يخوتهم للإبحار في البحر المتوسط، فيما يختار بعضهم دبي أو أبوظبي قاعدة للانطلاق.

وعلى صعيد الوجهات، تشهد خريطة سياحة اليخوت تحولات لافتة. فاليابان التي طالما تجاهلها هذا القطاع، باتت تستثمر في بنية تحتية بحرية جديدة وتُرخّص لليخوت الأجنبية في مياهها، ساعية لتحويل أرخبيلها الاستثنائي إلى وجهة عالمية. وفي المنطقة العربية، يتم تطوير العديد من المشروعات الضخمة على ساحل البحر الأحمر مخصصة لاستيعاب اليخوت الفائقة، وإن كان كثيراً منها لا يزال متأخراً عن جداوله الزمنية.

أما الوجهة التي يترقبها المراقبون بأكبر قدر من الترقب فهي إندونيسيا، فبسبعة عشر ألف جزيرة وتنوع بحري لا مثيل له، تمتلك البلاد كل مقومات أن تكون من أفضل وجهات اليخوت في العالم. غير أن قيوداً قانونية تحول دون إبحار اليخوت الأجنبية في مياهها وتأجيرها هناك، ما يبقيها وجهة محتملة تنتظر قراراً سياسياً يطلق طاقتها الكامنة.

رأس المال الخاص يتصدر الاستثمار العقاري

تصدر رأس المال الخاص الذي يشمل الأثرياء وشركات الأسهم الخاصة، مشهد الاستثمار العقاري التجاري عالمياً، للسنة الخامسة على التوالي. وهذه ليست موجة عابرة، بل تعكس تغيراً هيكلياً في الطريقة التي تدار بها الثروة.

وفي عام 2025، ضخ رأس المال الخاص ما مجموعه 464 مليار دولار في صفقات العقارات التجارية حول العالم، مقارنة بـ347 مليار دولار من المؤسسات، و119 ملياراً من القطاع العام، و75 ملياراً من قطاع المستخدمين. وهذا يعني أن الأثرياء وشركات الأسهم الخاصة يمولون نحو 46% من مجمل استثمارات العقارات التجارية عالمياً.

وبالنظر إلى المسار التاريخي، نجد أن هذا التحول كان تدريجياً. ففي عام 2007، كان المشترون الأثرياء من الأفراد يخصصون 2.6% فقط من محافظهم للعقارات التجارية. وبحلول عام 2023، ارتفع هذا الرقم إلى 21%. وعكس هذا التحول ثلاثة تحولات، نمو الثروات الخاصة بشكل هائل، وتطور أسلوب إدارتها بشكل احترافي، وإدراك متزايد بالدور الذي يمكن أن تضطلع به العقارات التجارية في المحفظة الاستثمارية.

ويمتلك المستثمرون الأثرياء مزايا على صناديق الاستثمار المؤسسية في سوق العقارات التجارية. فلديهم مرونة أكبر في اتخاذ القرار، وقدرة على الشراء حين تتراجع أسعار الأصول دون الخضوع لضغوط محاسبية فورية، وقدرة مرتفعة على تحمل المخاطر مع أفق زمني أطول. فعندما ارتفعت أسعار الفائدة بشكل حاد في الفترة بين 2022 و2024، انسحب كثير من المشترين المؤسسيين من السوق، وهم صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد. لكن الأثرياء والمكاتب العائلية واصلوا شراءهم. وخلافاً للمؤسسات، لا يخضع هؤلاء للدورات المحاسبية للصندوق أو لجان الاستثمار البطيئة.

7 قطاعات تجذب استثمارات الأثرياء:

1- العقارات السكنية الإيجارية

2- المستودعات والخدمات اللوجستية

3- المكاتب الممتازة

4- قطاع التجزئة

5- الفنادق والضيافة

6- مراكز البيانات

7- المرافق والبنية التحتية للطاقة

أشار تقرير نايت فرانك إلى 7 قطاعات تستأثر باهتمام المستثمرين الأثرياء، العقارات السكنية الإيجارية، والمستودعات والخدمات اللوجستية، والمكاتب الممتازة في المواقع المميزة، والجزء من قطاع التجزئة الذي تعافى من صدمة التجارة الإلكترونية، والفنادق، ومراكز البيانات التي حققت قفزة سنوية في الاستثمار بلغت 36%، وأخيراً المرافق والبنية التحتية للطاقة.

كما شهد سوق المكاتب عودة غير متوقعة. فبعد تنبؤات بموت المكاتب عقب الجائحة، تعافى الطلب على المكاتب الراقية والمتوافقة مع معايير الاستدامة بشكل واضح.

Advertisements

قد تقرأ أيضا