حال المال والاقتصاد

مستقبل «أوبك» من دون الإمارات

مستقبل «أوبك» من دون الإمارات

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 28 أبريل 2026 08:51 مساءً - تُعيد خطوة دولة بالخروج من منظمة «أوبك» وتحالف «أوبك+» فتح النقاش مجدداً حول مستقبل منظومة إدارة سوق النفط العالمية، في لحظة تشهد تحولات اقتصادية متزامنة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، تزداد فيها حساسية أسواق الطاقة لأي تغيير في موازين الإنتاج والالتزام.

يتماشى القرار مع الرؤية الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد لدولة الإمارات وتطور قطاع الطاقة لديها، بما في ذلك تسريع الاستثمار في الإنتاج المحلي للطاقة، كما يرسخ التزامها بدورها كمنتج مسؤول وموثوق يستشرف مستقبل أسواق الطاقة العالمية.

القرار الذي جاء بعد مراجعة مستفيضة لسياسة دولة الإمارات الإنتاجية وقدرتها الحالية والمستقبلية، ونظراً لما تقتضيه المصلحة الوطنية والتزام الدولة بالمساهمة بشكل فعال في تلبية الاحتياجات الملحّة للسوق، يأتي في الوقت الذي تستمر فيه التقلبات الجيوسياسية على المدى القريب من خلال الاضطرابات في الخليج العربي ومضيق هرمز، والتي تؤثر على ديناميكيات العرض، إذ تشير الاتجاهات الأساسية إلى مواصلة نمو الطلب العالمي على الطاقة على المديين المتوسط والبعيد، وفق الوكالة.

استراتيجية مدروسة

تؤكد أستاذة الاقتصاد والطاقة، الدكتورة وفاء علي، في تصريحات خاصة لـ «حال الخليج»، أن خروج الإمارات «خطوة تعكس بوضوح توجهات استراتيجية مدروسة تبنتها الدولة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا والصدمات الطاقوية التي واجهتها الأسواق العالمية بعد ذلك».

وتوضح أن الإمارات تعيد النظر في التزاماتها داخل المنظمة، مدفوعة باعتبارات اقتصادية واستراتيجية، في مقدمتها السعي إلى زيادة حصتها الإنتاجية وعدم التقيد بسقوف الإنتاج المفروضة، إلى جانب تعزيز تدفقات الاستثمارات المباشرة في قطاع النفط، بما يدعم خططها لرفع الإنتاج إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً.

وتضيف أن هذا القرار يعكس رغبة الإمارات في منح الأسواق قدراً أكبر من المرونة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الطاقوي العالمي، وتغير موازين سوق النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية المتلاحقة.

كما تشير إلى أن هذه التوترات أعادت تشكيل أجندة الطاقة العالمية، وهو ما دفع الإمارات إلى اتخاذ قرار سيادي يستهدف تعظيم مصالحها الوطنية، وتعزيز قدراتها الإنتاجية، لا سيما باعتبارها من كبار المنتجين داخل تحالف «أوبك+».

كما تؤكد أن توجه الإمارات نحو التنويع الاقتصادي، بالتوازي مع تطوير قطاع الطاقة، يعكس رؤية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق نمو مستدام، وتعزيز حضورها في الأسواق العالمية حتى في مرحلة ما بعد الأزمات الجيوسياسية، بما في ذلك التوترات في منطقة مضيق هرمز.

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الإمارات، رغم هذه الخطوة، ستواصل تبني سياسة متوازنة تجاه العرض والطلب، بما يدعم استقرار الأسواق العالمية، ويعزز في الوقت ذاته مكاسبها المستقبلية ضمن رؤيتها الشاملة لتطوير قطاع النفط والطاقة.

تأتي الخطوة الإماراتية في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، حيث لم تعد قرارات الطاقة بمعزل عن اعتبارات الأمن والتجارة والتحالفات السياسية، ما يجعل من القرار الإماراتي أكثر من مجرد خروج من المنظمة، إنما إشارة محتملة إلى مرحلة إعادة تشكيل أعمق لخرائط النفوذ في سوق النفط العالمي.

كما يأتي هذا القرار بعد عقود من التعاون البنّاء، حيث انضمت الإمارات إلى «أوبك» في عام 1967 من خلال إمارة أبوظبي، واستمرت عضويتها بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971. وخلال هذه الفترة، قامت الدولة بدور فعال في دعم استقرار سوق النفط العالمي وتعزيز الحوار بين الدول المنتجة.

خطوة استراتيجية

من جانبه، يقول المدير العام لشركة «تروث للاستشارات الاقتصادية» في أبوظبي، رضا مسلم، في تصريحات خاصة لـ«حال الخليج»، إن خروج دولة الإمارات من منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس «يمثل خطوة استراتيجية مدروسة بعناية، تعكس تحولاً جوهرياً في فلسفة إدارة قطاع الطاقة في الدولة».

ويوضح أن منظمة أوبك لعبت على مدار عقود دوراً محورياً في رسم سياسات الإنتاج والتأثير على أسعار النفط عالمياً، باعتبارها إحدى أهم الأدوات التنظيمية في سوق الطاقة، إلا أن اتخاذ قرار بحجم الخروج لا يمكن أن يتم إلا بعد تقييم شامل لتداعياته الاقتصادية والسياسية، وبما يتماشى مع المصالح العليا للدولة.

ويشير مسلم إلى أن هذا التحول يعكس توجهاً نحو تعزيز استقلالية القرار النفطي، بحيث تصبح الدولة أكثر قدرة على تحديد مستويات الإنتاج صعوداً أو هبوطاً وفقاً لظروف السوق ومصالحها الوطنية، بعيداً عن الالتزامات الجماعية التي تفرضها المنظمات الدولية.

ويضيف أن دولة الإمارات تمتلك من الإمكانات الفنية والاحتياطيات النفطية ما يؤهلها لزيادة إنتاجها متى شاءت، فضلاً عن بنيتها التحتية المتقدمة وعقودها طويلة الأجل مع شركاء رئيسيين في آسيا، وعلى رأسهم اليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في إدارة صادراتها.

وحول التداعيات المحتملة لمثل هذا القرار على أسواق النفط، يؤكد أن هذا القرار «قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات داخل سوق الطاقة العالمي، حيث تتحول الإمارات من لاعب ضمن منظومة جماعية إلى لاعب مستقل مؤثر، يمتلك حرية أكبر في توجيه سياساته الإنتاجية والتسعيرية».

كما يوضح أن الخطوة قد تُحدث حالة من التذبذب أو الارتباك المؤقت في الأسواق، نظراً لثقل الإمارات داخل منظومة الإنتاج، لكنها في الوقت ذاته تعكس واقعاً متزايداً في العلاقات الدولية، حيث أصبحت الدول تعطي أولوية قصوى لمصالحها الوطنية.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن هذه الخطوة «لن تكون مجرد تحرك تكتيكي، بل تمثل تحولاً استراتيجياً عميقاً في إدارة الموارد، وقد تفتح الباب أمام إعادة صياغة أوسع لقواعد التعاون داخل سوق النفط العالمية».

Advertisements

قد تقرأ أيضا