حال المال والاقتصاد

التنوع البيولوجي ركيزة الاقتصاد الأخضر ومحرك النمو المستدام

التنوع البيولوجي ركيزة الاقتصاد الأخضر ومحرك النمو المستدام

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 10 مايو 2026 10:21 صباحاً - لم يعد التنوع البيولوجي يُنظر إليه فقط كقضية بيئية، بل أصبح أحد أهم الأصول الاقتصادية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، فوفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يرتبط أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يقارب 44 تريليون دولار، بشكل مباشر أو غير مباشر بالطبيعة وخدماتها، مثل التربة والمياه والتلقيح والموارد الطبيعية.

وتؤكد تقارير البنك الدولي أن فقدان التنوع البيولوجي يمكن أن يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، حيث قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تصل إلى 2.3% سنوياً بحلول 2030 في حال استمرار تدهور النظم البيئية.

تعكس هذه الأرقام بوضوح أن الحفاظ على الطبيعة لم يعد خياراً بيئياً فقط، بل ضرورة اقتصادية لضمان استدامة النمو العالمي.

اقتصاد أخضر مدفوع بالطبيعة

التنوع البيولوجي يشكل الأساس لما يُعرف بالاقتصاد الأخضر، وهو نموذج اقتصادي يهدف إلى تحقيق النمو مع تقليل الأثر البيئي.

وتشير دراسات إلى أن الخدمات البيئية، مثل تنظيم المناخ، وتنقية الهواء والمياه، ودعم الزراعة، تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات سنوياً .

كما تعتمد قطاعات اقتصادية رئيسية مثل الزراعة والسياحة والصيد والأدوية على التنوع البيولوجي بشكل مباشر، فمثلاً، نحو 75% من المحاصيل الغذائية العالمية تعتمد على التلقيح الحيوي، ما يجعل الحفاظ على النظم البيئية الزراعية عاملاً حاسماً في الأمن الغذائي العالمي.

وفي هذا السياق، أصبحت الاستثمارات في الطبيعة، مثل إعادة تأهيل النظم البيئية، من أسرع القطاعات نمواً، حيث تشير تقديرات إلى أن كل دولار يُستثمر في استعادة الطبيعة يمكن أن يحقق عوائد تصل إلى 10 دولارات اقتصادياً .

.. نموذج إقليمي للاقتصاد الأخضر

في دولة الإمارات، يتقاطع الحفاظ على التنوع البيولوجي مع رؤية اقتصادية واضحة تهدف إلى بناء اقتصاد مستدام منخفض الكربون، فقد أطلقت الدولة مبادرات مثل "الاقتصاد الأخضر للتنمية المستدامة"، التي تسعى إلى تعزيز النمو الاقتصادي مع الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

وتعمل الإمارات على دمج الاستدامة في مختلف القطاعات، من الطاقة المتجددة إلى إدارة المياه والزراعة المستدامة، في إطار استراتيجيات وطنية تهدف إلى تحقيق الحياد المناخي بحلول 2050.

كما تدعم الدولة مشاريع الحفاظ على النظم البيئية البحرية والبرية، بما في ذلك حماية الشعاب المرجانية وأشجار القرم التي تلعب دوراً مهماً في امتصاص الكربون.

دبي.. استثمار في الطبيعة الحضرية

على مستوى دبي، تتجلى جهود حماية التنوع البيولوجي في مشاريع الحفاظ على الحياة البرية وإنشاء المحميات الطبيعية، وتضم الإمارة اليوم عدة محميات مثل محمية رأس الخور للحياة الفطرية، التي تعد موطناً لآلاف الطيور المهاجرة، ومحمية المرموم الصحراوية، التي تعكس التنوع البيئي في البيئات الصحراوية.

كما تسهم هذه المحميات في تعزيز السياحة البيئية، التي أصبحت قطاعاً اقتصادياً متنامياً يجذب الزوار الباحثين عن تجارب طبيعية فريدة، ما يعزز التنوع الاقتصادي للإمارة بعيداً عن القطاعات التقليدية.

الطبيعة في قلب المدن.. حدائق تعزز الوعي والاكتشاف

لا يقتصر دور التنوع البيولوجي على المحميات الكبرى، بل يمتد إلى المساحات الخضراء داخل المدن، فالحدائق مثل حديقة مشرف في دبي توفر بيئة غنية بالنباتات والحيوانات المحلية، وتتيح للزوار فرصة التفاعل المباشر مع الطبيعة واستكشاف التنوع البيولوجي عن قرب.

هذه المساحات لا تساهم فقط في تحسين جودة الحياة والصحة العامة، بل تلعب دوراً تعليمياً وعلمياً مهماً، حيث يمكن للباحثين والهواة رصد الأنواع المحلية، وفي بعض الحالات اكتشاف أنواع جديدة أو توثيقها، ما يعزز المعرفة العلمية المحلية.

التنوع البيولوجي كفرصة استثمارية

يمثل التنوع البيولوجي فرصة استثمارية متنامية، فوفق تقارير الصندوق العالمي للطبيعة – الإمارات، فإن التحول نحو اقتصاد أخضر يمكن أن يفتح مجالات جديدة للاستثمار في الطاقة النظيفة، والزراعة المستدامة، والسياحة البيئية، والتقنيات البيئية .

كما أن الشركات والمؤسسات المالية بدأت تدرك أهمية دمج المخاطر المرتبطة بالطبيعة في استراتيجياتها، في ظل توجه عالمي نحو الاستثمارات المستدامة التي تراعي البيئة والمجتمع والحوكمة.

معادلة المستقبل

في ظل التحديات البيئية العالمية، من تغير المناخ إلى فقدان التنوع البيولوجي، بات من الواضح أن الاقتصاد المستقبلي سيكون مرتبطاً بشكل وثيق بصحة النظم البيئية.

الإمارات، من خلال استراتيجياتها ومشاريعها، تقدم نموذجاً لكيفية تحقيق هذا التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الطبيعة.

وبينما تتجه الاقتصادات العالمية نحو إعادة تعريف مفهوم القيمة، لم يعد النجاح الاقتصادي يقاس فقط بالناتج المحلي، بل بقدرة الدول على حماية مواردها الطبيعية وتعزيز استدامتها.

وفي هذا السياق، يبرز التنوع البيولوجي ليس فقط كإرث طبيعي، بل كأحد أهم أصول الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.

Advertisements

قد تقرأ أيضا