حال المال والاقتصاد

سوق العمل الأمريكي ينقلب على الرجال

سوق العمل الأمريكي ينقلب على الرجال

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 11 مايو 2026 05:21 مساءً - يشهد سوق العمل في الولايات المتحدة تحولاً لافتاً يعيد رسم خريطة الوظائف بين الرجال والنساء، بعدما أصبحت القطاعات التي تعتمد تقليدياً على العمالة الذكورية تفقد وظائفها تدريجياً، في مقابل صعود غير مسبوق للقطاعات التي تقودها النساء، وعلى رأسها الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.

ورغم استقرار معدل البطالة الأميركي عند 4.3%، وفق أحدث بيانات وزارة العمل الأميركية، فإن الأرقام تكشف تغيراً أعمق في بنية سوق العمل، يتمثل في تراجع حضور الرجال في الوظائف مقابل توسع مشاركة النساء، خاصة في سنوات العمل الأكثر إنتاجية.

وخلال العام الماضي، جاءت غالبية الوظائف الجديدة من قطاع الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، وهو قطاع تشكل النساء عموده الفقري، إذ يفوق عددهن الرجال بثلاثة أضعاف. وفي المقابل، شهدت قطاعات تقليدية يعتمد عليها الرجال مثل التصنيع والنقل والتخزين تراجعاً واضحاً في الوظائف، متأثرة بتباطؤ الاقتصاد والرسوم الجمركية وضعف الأداء الصناعي.

ووفق صحيفة وول ستريت جورنال، يرى خبراء اقتصاد أن هذه التحولات ليست مؤقتة، بل قد تصبح اتجاهاً طويل الأمد مع تزايد احتياجات المجتمعات المتقدمة للرعاية الصحية وخدمات كبار السن، وهي وظائف ظل الرجال تاريخياً أقل إقبالاً عليها، مثل مساعدي الرعاية المنزلية والمساعدين الطبيين.

فجوة تعليمية

ويعد أحد أبرز أسباب التحول هو اتساع الفجوة التعليمية بين الجنسين، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي بدأت النساء تتفوق على الرجال في الحصول على الشهادات الجامعية، لكن الفارق اتسع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

ووفق البيانات الحديثة، تحمل 46% من النساء الأميركيات بين 25 و54 عاماً شهادة بكالوريوس، مقابل 38% فقط من الرجال. كما تتوقع وزارة التعليم الأميركية أن يتجاوز عدد النساء الحاصلات على البكالوريوس عدد الرجال بنحو 40% خلال العام الدراسي الحالي.

ويكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة، لأن خريجي الجامعات يتمتعون بمعدلات توظيف أعلى وفرص دخل أكبر، فضلاً عن سهولة انتقالهم بين المهن مقارنة بذوي التعليم الأقل.

وتكشف البيانات أيضاً أن نسبة الرجال العاملين من إجمالي السكان فوق 16 عاماً بلغت 64.1% فقط في أبريل الماضي، مقارنة بـ66.6% عام 2019، وأكثر من 70% خلال تسعينيات القرن الماضي.

الشيخوخة

ورغم أن جزءاً من هذا التراجع يعود إلى الشيخوخة وارتفاع أعداد المتقاعدين، فإن خبراء يرون أن هناك أزمة أعمق تتعلق بضعف اندماج الرجال في سوق العمل الحديثة، خصوصاً مع تغير طبيعة الوظائف المطلوبة.

في المقابل، حافظت النساء على مستويات مشاركة أكثر استقراراً، بل شهدت معدلات توظيف النساء في الفئة العمرية الأكثر نشاطاً (25 إلى 54 عاماً) ارتفاعاً إلى 75%، مقارنة بـ73.7% قبل الجائحة.

دفعة قوية

ويربط اقتصاديون هذا التحول أيضاً بتغير أنماط العمل بعد جائحة كورونا، حيث أتاح نظام العمل الهجين والمرن فرصاً أكبر للنساء، خاصة الأمهات، ودفعة قوية للعودة إلى سوق العمل وتحقيق توازن أفضل بين الوظيفة والأسرة.

وقال الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد لورانس كاتز إن الفجوة بين الرجال والنساء في سوق العمل ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة "تراجع طويل الأمد في مشاركة الرجال اقتصادياً"، مقابل انتعاش جديد في مشاركة النساء بعد الجائحة.

الرواتب المرتفعة

المفارقة أن بعض الوظائف الأسرع نمواً والأعلى أجراً ما زالت تعاني ضعف الإقبال الذكوري. فمثلاً، يبلغ متوسط راتب اختصاصيي صحة الأسنان نحو 94 ألف دولار سنوياً، أي ما يقارب ضعف متوسط الرواتب الأميركية، ومع ذلك لا تتجاوز نسبة الرجال في هذه المهنة 5% فقط.

لكن التحولات بدأت تظهر تدريجياً في بعض القطاعات الصحية، إذ ارتفعت نسبة الرجال العاملين في التمريض من نحو 2% عام 1960 إلى 14% حالياً، مع توجه كثير منهم إلى الوظائف ذات الضغط العالي مثل وحدات العناية المركزة.

ويقول باحثون إن عامل الاستقرار الوظيفي في القطاع الصحي أصبح أكثر جاذبية للرجال، خصوصاً في ظل التراجع المستمر للوظائف الصناعية التقليدية.

مهن تقليدية

ويرى مراقبون أن السؤال الأهم حالياً لا يتعلق فقط بتراجع وظائف الرجال، بل بقدرتهم على التكيف مع اقتصاد جديد تقوده المعرفة والخدمات والرعاية الصحية، بدلاً من الصناعة الثقيلة والمهن التقليدية.

ومع تسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، يبدو أن سوق العمل العالمي يتجه نحو إعادة تعريف الأدوار المهنية بين الجنسين، في مشهد قد يغير شكل الاقتصاد وسوق الوظائف خلال العقد المقبل.

Advertisements

قد تقرأ أيضا