ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 21 مايو 2026 06:21 مساءً - "هل يمكن لخطاب رئاسي واحد أن يشعل ثروة شخصية في أسواق المال؟ في كشفٍ أثار جدلاً واسعاً، أظهر تقريرٌ صادرٌ عن مكتب أخلاقيات الحكومة (Office of Government Ethics) الأسبوع الماضي، سلسلةً من تداولات الأسهم المكثفة تجاوزت 3,700 عملية في حساب يحمل اسم الرئيس دونالد ترامب.
وبينما يستميت البيت الأبيض في دفع تهمة 'تضارب المصالح'، تبرز تساؤلات ملحة حول صدفة التزامن بين إشادات الرئيس العلنية بكبرى الشركات وبين حركات الشراء والبيع في حسابه.. فهل نحن أمام استراتيجية استثمارية تقنية تلغي الحواجز بين المصلحة العامة والنشاط الاستثماري للبيت الأبيض؟"
أثار هذا التقرير موجة من التساؤلات في "وول ستريت"، حيث تحولت الكلمات التي تُلقى في مناسبات عامة إلى محط أنظار المراقبين والمستثمرين.
في مؤتمر صحفي اتسم بالنبرة الهجومية، لم يكتفِ نائب الرئيس "جي دي فانس" بنفي تهمة المضاربة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك واصفاً التقارير الإعلامية بأنها "حملة تشويه" تستهدف النيل من نجاح الرئيس الاقتصادي.
وأكد فانس أن المطالبة بتجميد ثروة الرئيس أو محاصرتها هي "محاولة لتحويل النجاح إلى تهمة"، مشدداً على أن ترامب بصفته "ملياردير عصامي" ليس من المنطقي أن يُطلب منه وضع أمواله "تحت المرتبة" لمجرد خدمة الوطن.
وفي تحدٍ صريح للمنتقدين، طالب فانس بتسليط الضوء على المحافظ الاستثمارية لأعضاء الكونغرس الذين يتداولون أسهماً في قطاعات تخضع لإشرافهم المباشر، معتبراً أن استهداف ترامب يفتقر إلى العدالة الانتقائية ويمثل محاولة بائسة لتحويل الانتباه عن الإنجازات الاقتصادية الكبرى للإدارة.
من جانبها، سعت مؤسسة ترامب (The Trump Organization) لغلق هذا الباب، مشيرةً إلى أن الاستثمارات تُدار عبر "خوارزميات مالية" ومؤسسات طرف ثالث، تملك التفويض الكامل لاتخاذ القرارات دون العودة للرئيس، مما يضع حاجزاً تقنياً بينه وبين كواليس البورصة.
فخ التوقيتات
لا تكمن الأزمة في حدث واحد، بل في سلسلة من التصريحات الترويجية التي أحدثت "رجّة" في الأسواق بينما كانت المحفظة الاستثمارية تتحرك في اتجاه موازٍ.
وتُظهر البيانات الموثقة عبر منصة "مومو" (moomoo) في 15 مايو 2026، تنوعاً استثنائياً في الأداء الاستثماري للرئيس؛ حيث تصدرت شركة "بنجوين سولوشنز"القائمة بعائد مذهل بلغ 157.50% بعد عملية شراء واحدة، تلتها شركات تكنولوجية كبرى مثل "إنتل"و"سانديسك" بعوائد تجاوزت حاجز الـ 130% عبر عمليات شراء متكررة، مما يشير إلى محفظة ذات أداء عالٍ في قطاع التقنية.
هذا الأداء المرتفع اقترن بنمط لافت في الربع الأول من عام 2026، حيث ارتبطت الإشادات العلنية بعمليات شراء مكثفة في شركات بعينها. ففي حين وجه ترامب الحضور في تجمع بولاية جورجيا لشراء أجهزة "ديل"، كانت محفظته قد سجلت شراء أسهم بقيمة قصوى بلغت 5.1 مليون دولار.
وبالمثل، تزامنت إشادة الرئيس بقدرات شركة "بالانتير" القتالية على منصة "تروث سوشيال" مع عمليات شراء لأسهم الشركة بقيمة 695 ألف دولار، وهو ذات النهج الذي تكرر مع شركة "ميكرون" ؛ حيث وصفها ترامب بأنها "الأكثر طلباً" خلال مقابلة على قناة "فوكس نيوز"، تزامناً مع تدفقات مالية لشراء أسهمها بقيمة 530 ألف دولار.
إن هذا التقاطع بين الرسائل الإعلامية والتحركات المالية يعكس استراتيجية استثمارية دقيقة أثارت تساؤلات المراقبين حول طبيعة التعليمات التي قد تُمرر في الكواليس. ومع وجود عشرات الصفقات المماثلة في شركات كبرى مثل "ألفابيت" و"إنفيديا" و"أمازون"، يترسخ الانطباع بوجود علاقة وثيقة بين الخطاب الرئاسي والنشاط المالي، مما يضع هذه الممارسات تحت مجهر النقد العام حول مدى الفصل بين المسؤولية السياسية والربح التجاري الشخصي.
الصندوق الأعمى
في العرف السياسي الأمريكي، يُنصح الرؤساء بوضع أصولهم في ما يُعرف بـ "صندوق التحوط الأعمى" (Blind Trust). وهو ترتيب مالي يتخلى فيه المسؤول عن سلطة الإشراف المباشر على استثماراته، بنقلها إلى مدير أصول مستقل ومحايد يمتلك كامل الصلاحية لاتخاذ القرارات الاستثمارية دون علم أو تدخل من المسؤول نفسه.
تكمن الفكرة الجوهرية هنا في خلق "حاجز عزل" يمنع المسؤول من معرفة ما يُشترى أو يُباع باسمه، مما يقطع أي صلة مباشرة بين قراراته السياسية وبين تحركات ثروته الشخصية، ويحمي قراره من شبهة "تضارب المصالح".
ويشير المنتقدون إلى أن اعتماد "مؤسسة ترامب" على خوارزميات وشركات مالية خارجية لا يمنح ذات المستوى من "العزل الأخلاقي" الذي يوفره هذا الصندوق، مما يفتح باب النقاش حول أطر الحوكمة المطلوبة في الإدارات الرئاسية.
التقرير جاء امتثالاً لـ "قانون ستوك" (STOCK Act)، الذي يفرض الإفصاح عن الصفقات الكبرى. ورغم الحرص على الامتثال، لم يخلُ الأمر من كبوات، حيث دفع ترامب غرامة 200 دولار لتأخره في الإفصاح عن تداولات في عملاقي التكنولوجيا "أمازون" و"مايكروسوفت".
ومع ثروةٍ قُدرت بـ 6.5 مليار دولار في مارس الماضي وفقاً لمجلة "فوربس"، وبناءً على بيانات "مومو" التي تشير إلى نشاط استثماري واسع النطاق، تظل الإدارة المالية لأصول الرئيس محوراً للنقاش العام، وسط مطالبات بضبط معايير الشفافية لضمان الفصل التام بين المسؤولية السياسية والنشاط التجاري.
