ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 23 مايو 2026 07:06 مساءً - يشير النقاش المتصاعد حول رئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقبلة، بقيادة كيفن وارش، إلى احتمال حدوث تحول جذري في طريقة عمل البنك المركزي، إلا أن هذا التحول، وفق خبراء ومسؤولين سابقين، لن يكون صاخباً أو فورياً، بل سيأخذ شكل "إعادة تصميم هادئة" لدور الفيدرالي داخل النظام المالي الأمريكي.
وبحسب تقرير موسع لـ cnbc، فإن ما يُوصف داخل الأوساط الاقتصادية بـ"تغيير النظام" لا يتركز بالضرورة على قرارات سعر الفائدة أو إعادة تشكيل القيادة، بل على إعادة تعريف كيفية إدارة ما يُعرف بـ"السباكة المالية" (Financial Plumbing)، أي البنية التشغيلية المعقدة التي تنظم تدفقات السيولة داخل وول ستريت والاقتصاد الأمريكي.
محور الجدل.. ميزانية الفيدرالي البالغة 6.8 تريليونات دولار
يدور الخلاف الأساسي حول ما إذا كان ينبغي للاحتياطي الفيدرالي الاستمرار في استخدام ميزانيته العمومية، التي تبلغ نحو 6.8 تريليونات دولار، كأداة نشطة ومستمرة للتأثير على الأوضاع المالية والأسواق، كما حدث منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، أم حصر استخدامها في حالات الاضطراب المالي والأزمات الحادة فقط.
ومنذ الأزمة المالية، توسعت ميزانية الفيدرالي بشكل غير مسبوق، إذ كانت لا تتجاوز نحو 800 مليار دولار قبل عام 2008، قبل أن ترتفع إلى ما يقارب 9 تريليونات دولار في ذروتها.
وتشكل الأصول الحالية ما يقارب 23% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، أي نحو سبعة أضعاف مستويات ما قبل الأزمة.
ويحذر خبراء من أن أي تعديل في هذا النهج قد تكون له انعكاسات واسعة على عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وأسعار الرهن العقاري، وبقية الأدوات الحساسة لأسعار الفائدة، إضافة إلى تأثيره على كيفية تعامل الفيدرالي مع الأزمات المستقبلية.
رؤية وارش.. تقليص الدور اليومي للفيدرالي
تشير تحليلات اقتصادية ومقابلات مع مسؤولين سابقين في الفيدرالي إلى أن كيفن وارش الذي أدى اليمين القانونية لرئاسة الفيدرالي أمس الجمعة قد يدفع باتجاه تقليص الدور اليومي للبنك المركزي في الأسواق المالية، مع وضع إطار أكثر وضوحاً يحدد متى وكيف يتم التدخل.
وكان وارش قد وصف الميزانية العمومية للفيدرالي في مقال سابق بصحيفة "وول ستريت جورنال" بأنها "متضخمة"، مشيراً إلى إمكانية تقليصها بالتوازي مع خفض أسعار الفائدة، وهو طرح يعكس توجهاً لإعادة ضبط أدوات السياسة النقدية.
إعادة توزيع أدوات السياسة النقدية
داخل الأوساط المالية، تُطرح أفكار بديلة حول كيفية تنفيذ هذا التحول، ومن أبرزها ما طرحه كبير الاقتصاديين الأمريكيين في TS Lombard، ستيف بليتز، الذي يرى أن إدارة الفيدرالي في عهد وارش قد تمنح سوق إعادة الشراء (Repo Market) دوراً مركزياً أكبر في نقل السياسة النقدية، بدلاً من الاعتماد التقليدي على سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية.
وبحسب هذا التصور، قد يصبح سعر الريبو هو "سعر السياسة الرئيسي"، ما قد يخلق معادلة معقدة تسمح بخفض أسعار الفائدة الرسمية مع الحفاظ على تشديد فعلي في شروط التمويل، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط التضخمية.
معارضة داخلية.. مخاطر على الاستقرار المالي
في المقابل، يواجه هذا التوجه تحفظات واضحة داخل الاحتياطي الفيدرالي نفسه.
فقد قال عضو مجلس محافظي الفيدرالي، مايكل بار، إن هدف تقليص الميزانية العمومية قد يكون "غير مناسب"، محذراً من أن بعض المقترحات قد تؤدي إلى إضعاف مرونة البنوك، وإرباك أسواق المال، وتهديد الاستقرار المالي.
وأوضح بار أن التركيز على الحجم الإجمالي للميزانية العمومية فقط يُعد نظرة محدودة، لأن تركيبتها ومدد الأصول أكثر أهمية من حجمها، محذراً من أن تجاهل هذه العوامل قد يؤدي إلى نتائج عكسية مثل زيادة التقلبات واحتمال الحاجة إلى تدخلات أكبر مستقبلاً.
آلية عمل الميزانية العمومية
تعتمد عمليات الفيدرالي على آلية محاسبية دقيقة، فعند شراء السندات من البنوك، يقوم البنك المركزي بإنشاء احتياطيات رقمية تُضخ في النظام المالي، ما يعزز السيولة.
أما عند تقليص الميزانية العمومية، فيتوقف الفيدرالي عن إعادة استثمار السندات المستحقة، ما يؤدي تدريجياً إلى سحب السيولة من الأسواق.
كما يستخدم الفيدرالي أدوات إضافية لإدارة السيولة، من بينها:
سعر الفائدة على الاحتياطيات
نافذة الخصم
عمليات إعادة الشراء العكسي (Reverse Repo)
نظام "الاحتياطيات الكافية" والعودة إلى "الندرة"
يعمل الفيدرالي حالياً ضمن نظام يُعرف بـ"الاحتياطيات الكافية"، أي الحفاظ على مستوى سيولة مرتفع بما يكفي لضمان استقرار النظام المالي دون الإفراط في التوسع.
لكن وارش أشار إلى إمكانية العودة إلى نظام ما قبل الأزمة المالية، حيث كانت الاحتياطيات "نادرة"، مع الاحتفاظ بخيار زيادتها عند الضرورة.
ويرى بيل إنغليش، المسؤول السابق في الفيدرالي وأستاذ الاقتصاد في جامعة ييل، أن هذا التحول ممكن من الناحية الفنية، لكنه معقد ويتطلب انتقالاً تدريجياً ومدروساً.
انقسام في التوقعات داخل وول ستريت
تتوقع مؤسسات مالية أن أي تغيير في نهج إدارة الميزانية العمومية سيكون تدريجياً، وقد يمتد لسنوات، نظراً لحساسية النظام المالي.
كما حذر اقتصاديون من غياب إطار واضح حتى الآن يحدد متى يستخدم الفيدرالي التيسير الكمي أو التشديد الكمي، وما إذا كان ذلك لدعم الأسواق أو لتحقيق أهداف التضخم والوظائف.
وقال اقتصاديون إن الأسواق اعتادت خلال السنوات الماضية على تدخلات الفيدرالي بشكل متكرر، ما يجعل أي تغيير في هذا النمط عاملاً مؤثراً في توقعات المستثمرين.
نحو إطار جديد للسياسة النقدية
يشير محللون إلى أن كيفن وارش قد يلعب دوراً محورياً في إعادة صياغة توقعات الأسواق، عبر تقليل افتراض تدخل الفيدرالي المستمر لدعم الأسواق المالية.
لكن مسؤولين سابقين داخل البنك المركزي يؤكدون أن أي تغيير كبير سيظل خاضعاً لآلية اتخاذ القرار الجماعية داخل لجنة السوق المفتوحة (FOMC)، والتي تعتمد على التوافق وتجنب القرارات السريعة.
وقالت لوريتا ميستر، الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إن الاعتبارات السياسية لا تدخل اجتماعات اللجنة، مؤكدة أن قرارات السياسة النقدية تُناقش داخل إطار مهني صرف بعيد عن الضغوط الخارجية.
رغم الزخم السياسي والاقتصادي المحيط بتولي كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي، تشير المعطيات إلى أن "تغيير النظام" المتوقع لن يكون انقلاباً مفاجئاً، بل عملية إعادة ضبط تدريجية ومعقدة تمس جوهر العلاقة بين البنك المركزي والأسواق المالية، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة الميزانية العمومية وآليات السيولة داخل النظام المالي الأمريكي.
