ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 31 مايو 2026 12:51 صباحاً - يشهد قطاع الإنشاءات، اليوم، على مستوى العالم تحولاً جذرياً تقوده التكنولوجيا الرقمية، فبعد أن كانت الشركات تستغرق عدة أشهر في إنجاز بناء، أصبح يتم إنجازه في عطلة نهاية أسبوع واحدة، عن طريق استخدام طابعات خرسانية عملاقة ثلاثية الأبعاد قادرة على تشييد هيكل منزل كامل بمساحة 120 متراً مربعاً في يومين فقط.
تأتي هذه الثورة الإنشائية من خلال شركة Grondplek الأرجنتينية الناشئة، التي نجحت في تأمين حقوق التوزيع الحصري لأجهزة شركة COBOD الدنماركية الرائدة عالمياً في تصنيع طابعات الخرسانة، وذلك في الأرجنتين، وأوروغواي، وباراغواي.
وتعد الشركة الأرجنتينية الفريق الوحيد في المنطقة الحاصل على أعلى درجة تأهيلية لتشغيل هذه المنظومة الميكانيكية الضخمة التي يُطلق عليها مجازاً "فراري الخرسانة" نظراً لسرعتها وكفاءتها العالية.
التكنولوجيا الذكية
تعتمد التقنية على طابعة ضخمة يبلغ ارتفاعها 7 أمتار، وتقوم بمهمتها دون الحاجة لقوالب الصب الخشبية أو المعدنية التقليدية، حيث تغذي محطة خلط مدمجة خرسانة قياسية ممزوجة بنسبة 2% فقط من الإضافات الكيميائية المحلية المسرّعة للجفاف عبر خرطوم إلى رأس الطباعة المتحرك، والذي يتبع تصميماً رقمياً مبرمجاً بدقة، ليرسب الخرسانة طبقة تلو الأخرى بفواصل زمنية مدروسة تضمن تماسك الهيكل الإنشائي.
مزايا اقتصادية وبيئية
تتجاوز مكاسب هذه التكنولوجيا مجرد السرعة القياسية، حيث تسهم في خفض تكاليف البناء الإجمالية بنسبة تقارب 30% مقارنة بالطرق التقليدية، وعلاوة على ذلك، توفر الجدران المطبوعة مزدوجة الطبقات عزلاً حرارياً ممتازاً ومقاومة أعلى للظروف المناخية، فضلاً عن المزايا البيئية الكبيرة التي تشمل التخلص التام من نفايات الأخشاب، وتقليل كميات حديد التسليح، مما يضمن بصمة كربونية منخفضة للمشروع.
تكامل العمالة البشرية مع البناء الرقمي
لا تهدف هذه التقنية إلى إلغاء دور العامل البشري بل إلى إعادة توجيهه، فالطابعة مسؤولة فقط عن بناء "الهيكل الإنشائي الرمادي" الذي يشمل الجدران والأسطح.
أما تمديد شبكات الكهرباء، أنابيب المياه، وأعمال التشطيبات النهائية، فلا تزال تعتمد كلياً على الأيدي العاملة، مما ينقل العمال من المهام البدنية الشاقة والخطرة إلى أدوار الإشراف على الآلات وأعمال التشطيبات الدقيقة والآمنة.
من حيز التجربة إلى الواقع الصناعي
لم تعد هذه التكنولوجيا مجرد تجارب مخبرية، بل تبناها عمالقة الصناعة مثل شركة Techint للهندسة والمقاولات، التي دمجت هذه الطابعة رسمياً في عملياتها بالأرجنتين لبناء مكونات هيكلية في بيئة محكومة ومستدامة.
ومع نجاح الشركة الناشئة في طباعة أكثر من 500 متر مربع من الخرسانة، يتطلع المطورون إلى التوسع مستقبلاً باستخدام أنظمة برمجية متطورة تتيح طباعة أحياء سكنية كاملة ومتجاورة في زمن قياسي.
