ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 6 يوليو 2026 12:51 صباحاً - عرفه الإنسان قبل أكثر من آلاف السنين قبل الميلاد، فصنع منه أدوات بدائية كالسكاكين والخناجر، ثم صهره مع مواد أخرى كالقصدير فكان البرونز. زين به القباب، وصنع منه التماثيل والقطع الفنية، وسك به العملة، واستخدمه ناقلاً جيداً للحرارة والكهرباء.. إنه النحاس «أبو المعادن».
يعرف النحاس بأنه من الفلزات القليلة التي يمكن أن توجد في الطبيعة بشكلها الحر، ولكنه يدخل أيضاً في تركيب عدد من المعادن في القشرة الأرضية. عرفه الإنسان وتعامل به منذ التاريخ القديم في عدد من مناطق العالم.
وكان أول معدن تمكن الإنسان من صهره وسكه في قوالب؛ حدث ذلك في الفترة التاريخية بين 5000 إلى 4000 سنة قبل الميلاد، والتي تعرف باسم «العصر النحاسي»، ثم اهتدى الإنسان إلى سبكه مع القصدير ليحصل على سبيكة البرونز نحو سنة 3500 سنة قبل الميلاد، فكان «العصر البرونزي».
يدخل النحاس في تطبيقات عدة مثل صناعة الأسلاك الكهربائية وأجهزة القياس، وفي صناعة السبائك، وفي سك النقود المعدنية وصياغة الحلي والمجوهرات وفي الفنون الزخرفية.
كما يدخل ضمن مواد البناء، وكانت صفائح النحاس مستخدمة بشكل كبير في كسوة أسطح وقباب المباني، والتي عندما تتأكسد تتحول إلى اللون الأخضر، وكان ذلك من علامات فخامة المباني.
مرحلة فاصلة
كانت المرحلة التاريخية التي تمكن الإنسان فيها من صهر النحاس فاصلة ومهمة في التاريخ البشري، وقد اكتشفت مواقع أثرية عدة في العالم - إضافة إلى منطقة الشرق الأوسط - تشير إلى ذلك؛ في الصين وأمريكا الوسطى وغرب أفريقيا، وفي جنوب شرق آسيا حيث عثر على مشغولات نحاسية مصنوعة وفق أسلوب السبك الدقيق تعود إلى الفترة ما بين 4000 و4500 سنة قبل الميلاد.
كما عثر في جبال الألب على مومياء تعود إلى رجل الجليد «أوتزي» الذي عاش في حقبة العصر النحاسي بين 3300 و3200 قبل الميلاد، وكان معه نصل فأس مصنوع من النحاس بنقاء بلغت نسبته 99.7%؛ وأشارت المستويات المرتفعة من الزرنيخ في شعره إلى احتمال عمله في صهر النحاس.
وعرف اليونانيون القدماء النحاس أيضاً، وكان معروفاً باسم «خالكوس». كما أسهم العلماء في عصر الحضارة الإسلامية في دراسة النحاس وتصنيفه، وتمكنوا من تحضير مركباته.
وانتشرت المواقع والأسواق التجارية التي اشتهرت بصناعة النحاس وتجارته، مثل مدينة الإسكندرية في مصر، وإلى الآن تعد مهنة «النحاس» من المهن الحرفية التقليدية في المنطقة العربية، وتوجد أسواق خاصة بها في عددٍ من العواصم، مثل سوق النحاس في مدينة تونس، وسوق النحاسين في كل من دمشق والقاهرة وعواصم أخرى.
أما في الأمريكتين فقد استخرج السكان الأصليون النحاس، وعثر على مكتشفات أثرية تعود إلى ما بين 800 و1600 سنة للميلاد، بينت أنهم استطاعوا سبك النحاس والذهب في سبيكة عرفت باسم «تمْباغا». وفيما بعد كان منجم «فالون» بالسويد مصدراً رئيساً لاستخراج النحاس في أوروبا كلها (أكثر من الثلثين)، وبدأ التعدين فيه منذ القرن العاشر، إلى أن توقف عن العمل سنة 1992.
صناعات حديثة
من التطبيقات الأولى للنحاس في العصر الحديث استخدامه في الأشكال الأولى من التصوير المعروف باسم فن النقش على النحاس، وكذلك في سك العملة؛ كما شاع استخدامه في إنشاء التماثيل، وأشهرها تمثال الحرية بالولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى استخدامه في كسوة سقوف وقبب العمارات، وكذلك في الإنشاءات.
وفي عصر الكهرباء - أواخر القرن التاسع عشر - ازداد الطلب بشكل كبير على النحاس، بسبب استخدامه في التمديدات الكهربائية؛ وكانت الولايات المتحدة الأمريكية من الدول الرائدة في إنتاجه.
وتشير مصادر إلى أن وزن أكبر كتلة من النحاس الطبيعي قد بلغ 420 طناً، وعثر عليها سنة 1857 في ولاية ميشيغان، ومن أشهر المواقع الغنية بالنحاس منجم وادي بينغهام في ولاية يوتا ومنجم تشينو في نيو مكسيكو.
بديل الذهب
يدمج النحاس بشكل شائع في سبائك الفضة والذهب، وخصوصاً في صياغة الحلي والمجوهرات، إذ يسهم في التحكم في العيار ودرجة اللون ونقطة انصهار السبيكة، ويكثر في اليابان استخدام سبيكة «شاكودو».
وقد يكون النحاس بديلاً عن الذهب أحياناً، ومثالاً لذلك ما يعرف باسم سبيكة «الذهب النوردي»، وهي سبيكة خالية تماماً من الذهب، إذ تتكون من 89 % من النحاس، إضافة إلى 5 % من الألمنيوم و5 % من الزنك و1 % من القصدير، وتستخدم غالباً في سك العملات، ومن أشهرها قطعة الـ 50 سنتاً من اليورو.
ويقدر الاحتياطي من النحاس في القشرة الأرضية بعمق كيلومتر واحد قرابة 1014 طناً، وتشير بعض التقديرات إلى أنه بالنظر إلى معدلات الاستهلاك ومعدلات النمو الحالية فإن احتياطيات النحاس قابلة للنضوب.
وأنها قد تكفي لفترة لا تتجاوز 60 سنة فقط؛ ما دعا إلى تبني مفهوم «إعادة تدوير النحاس»، وتسبب في عدم استقرار سعره، الذي سجل في يونيو 1999 آنذاك انخفاضاً لم يشهده منذ ستين سنة، وفي أبريل 2007 سجل ارتفاعاً قياسياً، ثم لم يلبث أن انخفض بسبب الأزمة المالية العالمية في العام التالي 2008 مباشرة.
