حال المال والاقتصاد

الفجيرة.. عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

الفجيرة.. عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 23 يوليو 2026 07:51 صباحاً - موقع الفجيرة تحول بفضل رؤية القيادة إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة

الموانئ في الاقتصاد الحديث منصات اقتصادية متكاملة ومراكز لإدارة سلاسل الإمداد

الجغرافيا هبة من الله، واختيارها أمر فوق قدرة الدول مهما كبر حجمها وعلا شأنها، أما كيفية استثمارها فهو مربط الفرس في نجاح البعض من عدمه، والإمارات التي لطالما آمنت بمعادلة: السياسة تفرض الوقائع والاقتصاد يصنع الفرص، قدمت نموذجاً فريداً في تحويل الموقع إلى ميزة، والبحر إلى فرصة، والتحديات إلى إنجازات، وهو ما تجسد على أرض الواقع بالإعلان عن تطوير ميناءي الرغيلات ودبا الفجيرة بالشراكة بين مجموعة موانئ دبي العالمية وهيئة موانئ الفجيرة.

قد يظن البعض أن المشروع تقتصر فحواه على كونه مجرد توسعة في البنية التحتية لموانئ الدولة، إلا أن الحقيقة تميط اللثام عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى أدركت مبكراً أن الأمن الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين يبدأ من الموانئ، وأن مرونة سلاسل الإمداد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.

المشروع يكتسب أهمية كبيرة إذ إن الإعلان عنه جاء في توقيت بالغ الدلالة، إذ أعادت توترات المنطقة، رسم أولويات التجارة العالمية، مؤكدة حقيقة طالما تعاملت معها دولة بواقعية ووعي، وهي أن الاعتماد على ممر بحري واحد، مهما بلغت أهميته، يمثل مخاطرة استراتيجية في عالم تتزايد فيه التحديات الجيوسياسية.

نعم، لقد أكدت الأحداث الراهنة في مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من تبعات على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ضرورة إيجاد طرق إضافية، وهو ما عملت عليه الإمارات منذ سنوات، كما تقوم اليوم بمشاريع جديدة تؤكد أن التخطيط الاستراتيجي هو أفضل استثمار في زمن الأزمات، ومن هنا تبرز الفجيرة، ليس بوصفها إمارة على الساحل الشرقي فحسب، بل باعتبارها الرئة البحرية لدولة الإمارات، والنافذة التي تطل مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي، بعيداً عن أي تعقيدات قد تفرضها التطورات داخل الخليج العربي، فالموقع الذي منحته الطبيعة للفجيرة تحول، بفضل رؤية قيادتنا الرشيدة، إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة.

ولا يمكن قراءة مشروع ميناءي الرغيلات ودبا بمعزل عن هذا السياق، فالمشروع ليس مجرد إضافة لقدرات مناولة الحاويات والبضائع العامة، وإنما هو استثمار في استدامة الاقتصاد الوطني، فميناء الرغيلات بطاقة تبلغ 2.5 مليون حاوية نمطية سنوياً، إلى جانب قدراته في مناولة البضائع والسيارات، وميناء دبا المتخصص في البضائع العامة، سيضيفان بعداً جديداً لقدرة الإمارات على استيعاب النمو في التجارة العالمية، وفي الوقت ذاته يمنحان الشركات العالمية خيارات تشغيلية أكثر مرونة في حال تعرض أي مسار بحري لضغوط استثنائية.

لقد تغير مفهوم الموانئ في الاقتصاد الحديث، فلم تعد مجرد أرصفة تستقبل السفن، بل أصبحت منصات اقتصادية متكاملة، ومراكز لإدارة سلاسل الإمداد، ومحركات للاستثمار والصناعة والخدمات، والدول التي تتصدر اليوم الاقتصاد العالمي ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الأسواق، وإنما التي تستطيع ضمان تدفق البضائع بأعلى درجات الكفاءة، حتى في أصعب الظروف.

ومن هذا المنطلق، فإن ربط الميناءين الجديدين بشبكة موانئ دبي العالمية، وربطهما بميناء جبل علي والمنطقة الحرة «جافزا»، يمنح الإمارات منظومة لوجستية متكاملة يصعب منافستها إقليمياً، فالتاجر أو المستثمر لن يرى موانئ منفصلة، بل سيرى شبكة واحدة قادرة على نقل البضائع بين البحر والمناطق الحرة والأسواق الداخلية والعالمية بكفاءة وسرعة ومرونة.

لكن القراءة الأهم لهذا المشروع تكمن في الفلسفة التي تقف خلفه، فمن يتابع مسيرة الإمارات خلال العقود الماضية يلحظ نمطاً ثابتاً في صناعة القرار؛ فكل تحدٍ يتحول إلى دافع للتطوير، وكل أزمة تصبح فرصة لإطلاق مشروع جديد، جائحة كورونا دفعت إلى تعزيز الأمن الغذائي وسلاسل التوريد، واضطرابات التجارة العالمية سرعت وتيرة الاستثمار في الخدمات اللوجستية، أما التوترات الإقليمية الأخيرة فقد أكدت مجدداً أهمية تنويع المنافذ البحرية وتعزيز القدرة على العمل في مختلف السيناريوهات.

هذه ليست سياسة رد فعل، بل ثقافة دولة تؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، وإنما يُبنى، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تصبح الإمارات واحدة من أهم المراكز اللوجستية في العالم، وأن تتحول موانئها إلى عقد رئيسية في شبكة التجارة الدولية، وأن تحافظ على مكانتها حتى في أكثر الفترات اضطراباً.

Advertisements

قد تقرأ أيضا