ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 17 أغسطس 2026 08:51 مساءً - في ظل طفرة غير مسبوقة تضع التكنولوجيا المتقدمة في صدارة اهتمامات الأسواق العالمية، تُجري شركة "يوتري" -التي تُعد أشهر صانعة روبوتات بشرية في الصين بتقييم هائل يبلغ 9 مليارات دولار- اكتتاباً عاماً أولياً في سوق "ستار" بشنغهاي المخصص للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا لجمع نحو 904 ملايين دولار.
ومن المتوقع أن تبدأ تداولات أسهمها هذا الأسبوع. وبعد ذلك، وفي وقت لاحق من هذا الأسبوع نفسه، ستطلق منصة الأزياء السريعة "شي إن" اكتتابها العام الأولي في هونغ كونغ، وفقاً لما ذكرته رويترز، حيث قد تبدأ الأسهم في التداول في أقرب وقت من الثامن والعشرين من أغسطس.
ويفوق اكتتاب "شي إن" اكتتاب "يوتري" حجماً بكثير، إذ يأمل عملاق الأزياء السريعة في جمع ما يصل إلى3 مليارات دولار، وهو ما يعادل تقريبا ثلاثة أضعاف المبلغ الذي تستهدفه "يوتري".
ورغم ذلك، فإن اكتتاب "يوتري" يستحوذ على الجزء الأكبر من الاهتمام: حيث يتسابق مستثمرو التجزئة لشراء أسهم الشركة، وتتوقع الأسواق الثانوية قفزة هائلة في تقييم الشركة بعد ظهورها الأول.
وقد تكون "يوتري" أصغر حجماً وأحدث عهداً مقارنة بـ"شي إن" التي تمتلك خبرة تمتد لعقد كامل من التوسع العالمي. ولكن في عيون المستثمرين، تُعد شركة صناعة الروبوتات رهاناً أكثر إثارة، في ظل تحول شهيات المستثمرين نحو الذكاء الاصطناعي والأجهزة، وبعيداً عن التجارة الإلكترونية ومنصات الإنترنت.
ثورة الروبوتات
أصبحت شركة "يوتري"، التي أسسها وانغ شينغشينغ في عام 2016، عنصراً أساسياً في ثقافة البوب الصينية، بفضل رقصات روبوتاتها في حفل مهرجان ربيع شبكة تلفزيون الصين المركزي، وهو البث التلفزيوني الأكثر مشاهدة في الصين.
و تسعى لجمع 6.1 مليار يوان صيني من خلال طرحها، وهو مبلغ يُقدر بنحو 904 ملايين دولار أمريكي. من خلال اكتتابها العام، بقيمة سوقية تُقدر بنحو9 مليارات دولار. وكانت الشركة قد أعلنت الأسبوع الماضي أن شريحة التجزئة في طرحها شهدت إقبالاً تجاوز ثمانية آلاف ضعف الحجم المتاح.
وسجلت الشركة إيرادات بلغت 1.7 مليار يوان (152 مليون دولار) العام الماضي، وهو ما يمثل أربعة أمثال إيراداتها في عام 2024. وجاء ما يقرب من 45% من إيرادات الشركة من المبيعات الخارجية.
وعلى عكس العديد من منافسيها، فإن "يوتري" شركة مربحة أيضاً، حيث بلغ صافي دخلها 600 مليون يوان (89 مليون دولار) في عام 2025.
ويذهب أكثر من 70% من روبوتات "يوتري" البشرية إلى المؤسسات الأكاديمية والبحثية، على الرغم من أن بعض الشركات الصينية المملوكة للدولة وكبرى المصانع بدأت في تجربة استخدام روبوتات من "يوتري" وغيرها من الشركات الناشئة في مجال الروبوتات.
أما شركة الروبوتات المنافسة "يو بي تيك"، والمدرجة بالفعل في هونغ كونغ، فقد سجلت صافي خسارة بلغ 104 ملايين دولار العام الماضي؛ كما أن المختبرات الأمريكية مثل "بوسطن دايناميكس" و"فيغشر إيه آي" غير مربحة أيضاً.
وتُعد "يوتري" جزءاً من موجة أوسع من مصنعي الروبوتات الصينيين الذين يهيمنون على الصناعة، ليس فقط في مجال الروبوتات البشرية بل وفي الروبوتات رباعية الأرجل، والروبوتات المنزلية، والآلات الصناعية.
حظر أمريكي
وقد حسبت شركة "سمارت أناليتيكس غلوبال"، وهي شركة أبحاث كاليفورنية، أن الشركات الصينية كانت مسؤولة عن 77% من إجمالي شحنات الروبوتات البشرية في النصف الأول من العام.
ويشير التقرير نفسه إلى أن "يوتري" لم تعد حتى رائدة السوق؛ بل يذهب هذا اللقب إلى "أجيبوت"، وهي منافسة مقرها شنغهاي تستعد حالياً للإدراج في هونغ كونغ في وقت لاحق من هذا العام.
وتثير هذه الهيمنة قلقاً في واشنطن. فقد حظرت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية في أواخر يوليو الواردات من الروبوتات البشرية ورباعية الأرجل المصنوعة في الخارج.
وقالت اللجنة في إعلانها: "يمكن أن تخلق هذه الأجهزة ثغرات في سلسلة الإمداد يمكن أن تعطل الأمن الاقتصادي والقومي للولايات المتحدة".
يُعد اكتتاب "شي إن" أكبر بكثير من اكتتاب "يوتري". وتشير التقارير الإعلامية الصادرة عن صحيفة "فايننشال تايمز" ووكالة "رويترز" إلى أن "شي إن" تستهدف تقييماً يتراوح بين خمسة وعشرين وثلاثين مليار دولار. ويمثل هذا الرقم خصماً عميقاً من تقييم الشركة البالغ 64 مليار دولار والذي حققته في عام 2024، ناهيك عن تقييمها البالغ 100 مليار دولار في عام 2022.
ووفقاً لنشرة إصدارها، حققت "شي إن" إيرادات بلغت 61.4 مليار دولارر العام الماضي، مرتفعة من 38.8 مليار دولارر في عام 2024. وقد حققت أرباحاً بقيمة نحو ملياري دولار.
وأصبحت أوروبا الآن أكبر سوق لشركة "شي إن"، حيث تشكل 35.4 % من إيراداتها، مقارنة بـ 24.1% من الولايات المتحدة.
ويعمل تنامي الحمائية التجارية على الضغط على أرباح "شي إن". فقد استفادت "شي إن" لفترة طويلة من قواعد الإعفاء الجمركي للطرود الصغيرة. وألغت الولايات المتحدة هذه الإعفاءات العام الماضي، وتبعتها أوروبا في يوليو.
واعترفت "شي إن" في نشرة اكتتابها بالقول: "على الرغم من أنه لا يزال من المبكر جداً التقييم بشكل كامل، فمن المحتمل أن تكون الاتجاهات في الاتحاد الأوروبي متماشية بشكل عام مع التأثير الملاحظ في الولايات المتحدة بعد إلغاء الإعفاء الجمركي الأمريكي أو متجاوزة له".
العمل القسري
وربما أدى مسار "شي إن" الطويل نحو الاكتتاب العام إلى الإضرار بقيمتها أيضاً. فقد سعت الشركة في البداية إلى الإدراج في نيويورك، على خطى عمالقة التكنولوجيا الصينيين الآخرين مثل "علي بابا" و"بايدو". ومع ذلك، أثار المسؤولون الأمريكيون مخاوف بشأن مزاعم العمل القسري في سلسلة إمداد "شي إن" وتعامل المنصة مع بيانات العملاء.
حتى أن "شي إن" نقلت مقرها الرئيسي إلى سنغافورة لتسهيل طريقها نحو الإدراج في الولايات المتحدة -في محاولة لما يُعرف بـ"الغسيل السغافوري"- دون جدوى.
ثم نظرت الشركة بعد ذلك في إجراء اكتتاب عام في لندن، إلا أن المنظمين الصينيين لم يمنحوا الموافقة أبداً على إدراج "شي إن" في الخارج. وقد ترك ذلك هونغ كونغ الخيار الأخير المتاح.
وقد يكون السبب أيضاً أن وقت "شي إن" قد مضى. فقد انتعشت التجارة الإلكترونية خلال الجائحة، عندما أنفق المتسوقون، المتخمون بأموال التحفيز، بسخاء على سلع جديدة. والآن، أدت متطلبات الحماية المتزايدة والتضخم إلى صعوبة تحقيق النمو لمنصات التجارة الإلكترونية العالمية.
وبدلاً من ذلك، يتحول اهتمام المستثمرين نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والأجهزة. وفي الشهر الماضي، جمعت شركة "تشانغشين ميموري تكنولوجيز" 8.6 مليار دولار في اكتتابها الخاص في سوق "ستار" بشنغهاي؛ حيث قفزت الأسهم بنسبة تصل إلى 530% في يوم تداولها الأول؛ وتُعد صانعة الرقائق، وهي رابع أكبر منتج في العالم لذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية، الشركة الصينية الأكثر قيمة متفوقة على "تنسنت".
وتدرس عدة شركات أخرى للذكاء الاصطناعي طرح أسهمها للاكتتاب العام إما في شنغهاي أو هونغ كونغ، بما في ذلك مطورو الذكاء الاصطناعي "ديب سيك" و"مونشوت إيه آي"، فضلاً عن صانعة الرقائق "يانتغزي ميموري تكنولوجيز كورب".
