حال المال والاقتصاد

نخبة تكنولوجية تبني "مدينة آمنة" من "اضطرابات" الذكاء الاصطناعي

نخبة تكنولوجية تبني "مدينة آمنة" من "اضطرابات" الذكاء الاصطناعي

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 23 سبتمبر 2026 09:51 مساءً - نال الذكاء الاصطناعي حصة غير قليلة من مناقشات وخطابات القادة في الأمم المتحدة، ويبدو أن لا أفق قريباً لموقف موحد تجاه آليات السيطرة البشرية أو ضمانها. لكن في المقابل، يتقدم عالم موازٍ مدعوم بمليارات الدولارات للهروب من العالم الذي يبدو أنهم متأكدون تماماً أنه سيدفع ثمناً باهظاً، وقريباً، بسبب الذكاء الاصطناعي. شيء كنا نسمع عنه في السابق على شكل مجموعات صغيرة ومعزولة وغير ثرية تستعد لنهاية العالم من حقبة لأخرى. المجموعة الجديدة لا تبدو من هذا النمط، فهي تضم أعضاء يتجاوز عددهم 150 ألف شخص، وأبدى أكثر من 2500 منهم استعدادهم للانتقال الفوري بمجرد اكتمال عمليات البناء التي بدأت بالفعل في الأورغواي للاستقرار في مدينة استثنائية.

قبل الدخول في تفاصيل هذا المشروع الذي وضع حجر أساسه هذا الشهر، من المهم توضيح مم يهرب هؤلاء؟ وما الحدث الذي يستعدون له؟

في الأنماط السابقة التخيلية والواقعية كان الهروب يكون من التطور التقني والحياة الحديثة، إلى الطبيعة البشرية الأقرب إلى الفطرة السليمة كما يقال. حالياً الهروب عكسي، ليس من الذكاء الاصطناعي، بل الهروب بالذكاء الاصطناعي إلى مكان آمن! يتوقع هؤلاء أن يواجه تطور الذكاء الاصطناعي قيوداً وصراعات، بين مؤيد ومعارض، وهو ما بدأ بالفعل ظهر ذلك حتى على منبر الأمم المتحدة حالياً. واللافت أن هذه الحركة التي تريد العيش وكأنها "الفئة الناجية" من الصراع على الذكاء الاصطناعي، مدعومة من شركات كبيرة في مقدمتها قطاع العملات المشفرة ورأس المال المغامر.

بحسب تحقيق موسع نشرته «نيويورك تايمز»، انتهت رحلة البحث الطويلة أخيراً في أوروغواي، حيث وقعت «براكسيس»، وهي شركة و«أمة رقمية» مقرها نيويورك ومدعومة بأموال من قطاع العملات المشفرة، اتفاقاً يمهد لإقامة مدينة فعلية بالقرب من كولونيا ديل ساكرامنتو، على الضفة المقابلة تقريباً لبوينس آيرس.

البحث عن مكان

أمضى الطوباويون التقنيون الأميركيون (أو حالمو التكنولوجيا) سنوات وهم يبحثون في أنحاء العالم عن مكان يبنون فيه مدينتهم المستقبلية. وقد درس مؤسسو «براكسيس» — وهي شركة ومجتمع إلكتروني يحظى بتمويل بمئات الملايين من الدولارات من شركة للعملات المشفرة — منطقة البحر المتوسط، لكنهم قالوا إنها قريبة أكثر مما ينبغي من مناطق النزاعات النشطة. كما قالوا إنهم بحثوا إمكانية شراء غرينلاند، إلا أنهم واجهوا معارضة شعبية.

والآن، يقولون إنهم عثروا أخيراً على موطن لمشروعهم الرامي إلى إعادة إحياء الثقافة الغربية، على ضفاف أحد أنهار أوروغواي.

قال درايدن براون، الرئيس التنفيذي لـ«براكسيس»، في مقابلة: «الجولة العالمية انتهت: اخترنا أوروغواي. إنه أروع شيء على الإطلاق».

براون، البالغ من العمر 30 عاماً، كان راكب أمواج محترفاً سابقاً، وترك آخر وظيفة له عندما كان في الـ23، وتعهد منذ ذلك الحين ببناء «حضارة جديدة». وقد واجه شكوكاً مستمرة وأثار جدلاً بسبب ترويجه لرؤية للمجتمع تتمحور حول الغرب وتمجّد القوة الجسدية. وهو يخطط الآن لبناء مركزه داخل مدينة ناشئة أخرى تعمل شركة أرجنتينية على إنشائها بالقرب من مدينة كولونيا ديل ساكرامنتو في جنوب أوروغواي.

ويحمل ذلك المشروع اسم «+Colonia»، ويقوده إدواردو باستيتا، وهو رجل أعمال عيّنه الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي مستشاراً له. وحتى الآن، لم توقع «براكسيس» سوى اتفاق غير ملزم إلى حد كبير مع شركة باستيتا، ولا تزال أسئلة كثيرة مطروحة بشأن ما إذا كان وعدها ببناء مدينة من الصفر سيتحول يوماً إلى مبانٍ حقيقية.

ومع ذلك، يشير الاتفاق إلى تزايد جاذبية أقصى جنوب الأميركتين بوصفه ملاذاً تكنولوجياً، بعد انتقال الملياردير بيتر ثيل أخيراً إلى المنطقة. كما يقدم لمحة عما قد تبدو عليه واحدة من أكثر التجمعات الطوباوية التقنية غرابة في وادي السيليكون.

ويعتزم براون الانتقال إلى أوروغواي في وقت مبكر قد يكون ديسمبر، وهو أمر قال إنه «سيكون رائعاً»، فيما يُتوقع أن ينتقل عدد أكبر من أعضاء مجتمعه إلى المباني الأولى في «+Colonia» العام المقبل.

وسيكون ذلك بحد ذاته خطوة كبيرة لمجتمع ظل وجوده حتى الآن في معظمه افتراضياً، وكان أعضاؤه يجتمعون في حفلات بمدينة نيويورك مرتدين صفائح تعريف عسكرية كتب عليها: «قابلني في المدينة الأبدية».

وبموجب اتفاق «براكسيس» في أوروغواي، ستبدأ الشركة شراء الأراضي بحلول نهاية العام المقبل داخل ممتلكات «+Colonia» — وهي رقعة خالية تتخللها كثبان متموجة، وتقع على بعد نحو ساعة بالعبّارة من بوينس آيرس.

من هم سكان المدينة؟ 

أما سكان المدينة الجديدة في المستقبل، والذين وصفهم براون بأنهم «أكثر المفكرين موهبة وحدة في العالم»، فسيعملون على إطلاق أنظمة ثقافية واقتصادية ونظم حكم جديدة لعالم ما بعد الذكاء الاصطناعي.

تقول نيويورك تايمز إن التفاصيل شحيحة، لكن الطموح هائل. يقول براون إن المدينة ستكون مختبراً لابتكار ثقافة جديدة تستلهم الجماليات اليونانية والرومانية والكلاسيكية وعصر النهضة، إلى جانب فضائل الحقيقة والجمال والبطولة كما يجسده الأسطورة اليونانية أبولو، المفضلة لدى «براكسيس».

وتندرج خطة براون ضمن توجه أوسع بين رواد الأعمال في وادي السيليكون لبناء ملاذات صديقة للتكنولوجيا تُدار على غرار الشركات الربحية.

ويستلهم هذا التوجه مفهوم «الدولة الشبكية»، الذي اشتهر على يد بالاجي سرينيفاسان، المدير التقني السابق لمنصة العملات المشفرة «كوين بيس». وفي تصور سرينيفاسان، تبدأ المسألة بمجتمعات على الإنترنت تجمعها قيم مشتركة، ثم تجمع الأموال لشراء أراضٍ فعلية، وتشكل دويلات صغيرة بقوانينها الخاصة، قبل أن تسعى للحصول على اعتراف دبلوماسي من الدول القائمة.

ويصف منتقدون محاولات بناء مثل هذه الدول بأنها مشاريع نخبوية يسعى من خلالها أباطرة التكنولوجيا إلى الانفصال عن المجتمع، أو أحلام غير قابلة للتحقق. لكن مؤيديها — ومن بينهم مستثمرون بارزون في رأس المال المغامر مثل مارك أندريسن وبيتر ثيل — يقولون إنها قد تصبح مختبرات ضرورية لتجربة أنماط جديدة من الحكم، تساعد على تجاوز البيروقراطية وتسريع الابتكار التكنولوجي.

ولعل أبرز محاولة حتى الآن لبناء مدينة ناشئة هي «بروسبرّا» في هندوراس، وهي مدينة-دولة شبه مستقلة تُدار بصورة خاصة، وأُنشئت بموجب قوانين مواتية للمدن ذات المواثيق الخاصة.

لكن المشروع تورط لاحقاً في نزاع تحكيم دولي بمليارات الدولارات، بعدما ألغت حكومة هندوراس الإطار القانوني الذي سمح بوجوده.

وقال براون إن الحكم المستقل ليس شرطاً فورياً بالنسبة إلى «براكسيس»، بعدما التزمت بالفعل بالعمل في إطار النظام القانوني القائم في أوروغواي.

ويعتزم الاجتماع هذا الأسبوع برئيس أوروغواي ياماندو أورسي، عندما يكون الرئيس في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وسيكون ذلك مشهداً مختلفاً تماماً عن البيئة التي أطلق فيها براون مبادرته.

فخلال جائحة «كوفيد»، يقول براون إنه بدأ يقرأ «أشياء غريبة نوعاً ما تنتمي إلى اليمين على الإنترنت»، ثم بدأ لاحقاً في دعوة «أشخاص يمينيين غريبين من عالم الإنترنت إلى حفلات» في نيويورك. وتطورت تلك الدائرة الاجتماعية إلى مجتمع رقمي يقول موقع «براكسيس» إنه يضم الآن أكثر من 2,500 شخص ملتزمين بالانتقال إلى المدينة الجديدة.

بدأت «براكسيس» جمع الأموال عام 2021. وبحلول 2023، كانت قد جمعت نحو 20 مليون دولار من جهات من بينها شركة «أبولو بروجكتس» لرأس المال المغامر التابعة لسام ألتمان، و«ألاميدا ريسيرش» التي أسسها رجل الأعمال في العملات المشفرة سام بانكمان-فريد، الذي سقط لاحقاً في فضيحة، وفقاً لموقع «كرانش بيس» المتخصص في تتبع الاستثمارات.

500 مليون دولار 

وفي عام 2024، أعلنت «براكسيس» أن شركة العملات المشفرة «Gem Digital» وفرت لها خط ائتمان بقيمة 500 مليون دولار. وبعدما قالت «براكسيس» في البداية إنها ستُبنى في مكان ما بمنطقة البحر المتوسط، درس براون خيار غرينلاند، وفقاً لما قاله. لكنه أبلغ موقع «تك كرانش» أن سكان غرينلاند «لديهم نوع من الشعور بالفخر يجعل فكرة شرائهم تبدو، نوعاً ما، متعالية ومهينة».

أما أوروغواي — وهي دولة صغيرة مستقرة سياسياً، توفر مسارات سهلة نسبياً للإقامة والجنسية وإعفاءات ضريبية للوافدين الجدد — فكانت تلبي بالفعل تقريباً جميع الشروط القانونية التي كان أعضاء «براكسيس» يأملون في إدخالها ضمن مدينتهم الجديدة.

وقال براون إن البلاد تتمتع أيضاً «بأجواء شبيهة بسويسرا في أميركا الجنوبية»، مع «أمواج رائعة» وقدر كافٍ من الجمال الطبيعي لجذب المحترفين المبدعين والمديرين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا الذين قد يصبحون بلا عمل، لأن «الذكاء الاصطناعي سيأخذ كل الوظائف».

وقال ليوناردو كوستا، المحامي والأستاذ المتخصص في قانون الضرائب في أوروغواي، إن أعداداً متزايدة من الأوروبيين والأميركيين الشماليين اشتروا عقارات في أوروغواي خلال السنوات الأخيرة، مدفوعين جزئياً ببعدها عن الاضطرابات التي تشهدها مناطق أخرى من العالم.

دولة مشفّرة 

ويبدو أن الطريقة التي تصف بها «براكسيس» دولتها-المدينة المستقبلية تتغير باستمرار. فقد وصفها مؤسسوها في السابق بأنها «دولة مشفرة»، و«مجتمع من التجار البدناء والمحاربين مفتولي العضلات والكهنة شديدي النحافة»، وكيان يحتاج إلى «بيئة قانونية وتنظيمية خاصة».

أما الآن فيبدو أن براون خفف من حدة خطابه، وأصبح يصفها بأنها مكان يوفر «يوغا رائعة» و«منسقي موسيقى رائعين»، حيث «يذهب صديقك الذي يعمل، مثلاً، رساماً ويقيم، مثلاً، معرضاً هناك». وبسبب تأكيده على الجماليات الغربية، وإشاراته النيتشوية إلى الهرميات الاجتماعية والفضائل القتالية، وصف منتقدون حركة براون بأنها ثقافة فرعية إلكترونية تابعة لليمين البديل.

لكن براون، وإن كان يقول إنه «بالتأكيد ليس ديمقراطياً» و«بالتأكيد ليس من أنصار الصحوة»، يرفض تصنيفه يمينياً، ويعتبر إطار اليمين واليسار السياسي «عتيقاً جداً وينتمي إلى جيل الطفرة السكانية».

وربما يكون أكثر منتقدي براون حدة هم المشككون في إمكان تنفيذ المشروع أصلاً.

وقال ريموند كريب، أستاذ التاريخ في جامعة كورنيل ومؤلف كتاب عن محاولات بناء جيوب اقتصادية قائمة على السوق، إن المبادرات الطوباوية التقنية «لديها طموحات كبيرة: هناك أموال كثيرة خلفها، وهناك ذوات متضخمة هائلة، وقد استنتج أصحابها انطلاقاً من عالم العملات المشفرة أنهم يستطيعون الآن إنشاء نوع من الدول الجديدة». وأضاف: «حتى الآن، لم تسر هذه المحاولات بصورة جيدة على نحو خاص».

290 مليون دولار.. وصمت الجميع!

وعن «براكسيس» تحديداً، قال: «لا أستطيع أبداً معرفة ما إذا كانت محاولة لاستفزاز المنتقدين أم أنها حقيقية بالفعل».

أما باستيتا، رجل الأعمال القائم على مشروع «+Colonia»، والذي بنى شركة لوجستية ناجحة، فقد رفض تشكيك المنتقدين.

وقال إن مشروعه واجه في البداية اعتراضات من المتشككين، لكن الوضع تغير الآن، بعدما تم الالتزام باستثمارات قيمتها 290 مليون دولار، وبدأ إنشاء عدد من المباني وبيع مئات الشقق. وقال: «الآن صمت الجميع».

وفي العام الماضي، وصف رئيس أوروغواي، خلال زيارة إلى المشروع، «+Colonia» بأنها «مشروع مبتكر للغاية».

ويُقام المشروع على امتداد نحو 5 أميال من ساحل نهر ريو دي لا بلاتا، فوق قطعة أرض متموجة كان والد باستيتا قد اشتراها.

ويخطط باستيتا لإنشاء «مدينة بيئية ذكية» بتصميم عصري للعاملين في قطاع التكنولوجيا. ونظراً إلى موقعها على مسافة قصيرة من مونتيفيديو وبوينس آيرس، يرى باستيتا — وهو ليبرتاري — أن الموقع يمكن أن يشكل مركزاً استراتيجياً عابراً للحدود، يمنح السكان مرونة الاختيار بين الأطر القانونية والضريبية في أوروغواي والأرجنتين. وقال إن «براكسيس» ستشغل جزءاً كبيراً من المشروع. وأضاف باستيتا: «تعجبني رؤيتهم. قصتهم قوية جداً».

Advertisements

قد تقرأ أيضا