ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 4 أكتوبر 2026 11:51 مساءً - حين يُذكر اسم الاقتصادي والمصرفي البنغالي الدكتور محمد يونس يحضر معه مباشرة اسم «بنك غرامين» أو «بنك القرية»، المؤسسة التي ارتبطت بتجربة رائدة في تقديم القروض الصغيرة للفقراء، وتحولت من مبادرة محلية إلى نموذج انتشر في دول عديدة حول العالم، وأسهم في حصول يونس على جائزة نوبل للسلام.
وُلد يونس في يونيو 1940 بقرية باثوا بمدينة شيتاغونغ في البنغال الشرقية، وكان الثالث بين تسعة إخوة في أسرة ميسورة الحال؛ إذ كان والده يعمل صائغاً، لكن نشأته لم تبعده عن معاناة الفقراء.
فقد كانت والدته صفية خاتون حاضرة بقوة في تشكيل شخصيته، بعدما شاهدها تساعد المحتاجين، الذين كانوا يقصدون منزل الأسرة، لتصبح مساعدتهم بالنسبة إليه رسالة تتجاوز العمل والمهنة.
انتقلت الأسرة إلى شيتاغونغ عام 1944، حيث أكمل يونس تعليمه، قبل أن يلتحق بجامعة دكا لدراسة الاقتصاد، ويتخرج عام 1961، وفي العام نفسه بدأ التدريس في كلية شيتاغونغ.
كما خاض تجربة في قطاع الأعمال، من خلال تأسيس مصنع للتعبئة والتغليف، وبعد أربع سنوات حصل على منحة «فولبرايت»، التي مكنته من مواصلة دراساته العليا في الاقتصاد بجامعة فاندربيلت في الولايات المتحدة.
لكن التحول الأكبر في مسيرته جاء بعد سنوات، وتحديداً عام 1974، عندما ضربت المجاعة بنغلاديش، وأودت بحياة أعداد هائلة من السكان. شكلت تلك الأزمة نقطة فاصلة في حياة الاقتصادي الشاب، الذي بدأ يتساءل عن جدوى النظريات الاقتصادية إذا لم تستطع تغيير حياة الناس الأكثر فقراً.
من هنا بدأت تجربة القروض الصغيرة، إذ حاول يونس إقناع البنوك بإقراض الفقراء من دون ضمانات، لكنه اصطدم برفض المؤسسات المصرفية، التي اعتبرت الفقراء غير مؤهلين للحصول على التمويل.
وبدلاً من التراجع قرر اختبار فكرته بنفسه، فتوجه إلى القرى المحيطة بالجامعة، والتقى الأسر الفقيرة، ولاحظ بشكل خاص معاناة النساء اللواتي يعملن في صناعات بسيطة، مثل صناعة الأثاث من الخيزران، بينما تلتهم تكلفة الاقتراض جزءاً كبيراً من أرباحهن.
مبادرة رائدة
بدأ يونس بتقديم قروض صغيرة جداً، وكانت إحدى التجارب الأولى إقراض 42 امرأة قروية نحو 27 دولاراً لكل منهن من دون فوائد، على أن يتعاونّ في مشروع، يحقق دخلاً لهن، ومع اتساع التجربة ارتفع عدد المقترضين إلى نحو 28 ألفاً بحلول عام 1982، ما دفع يونس إلى تطوير المشروع، وتحويله إلى مؤسسة مصرفية مستقلة.
وفي أكتوبر 1983 تحول المشروع التجريبي في قرية جوبرا إلى «بنك غرامين»، بهدف تمكين الفقراء من الحصول على التمويل من دون الضمانات التقليدية. وكانت النساء يمثلن النسبة الأكبر من المستفيدين، في تجربة وضعت التمويل متناهي الصغر في قلب النقاش العالمي حول مكافحة الفقر، وتمكين المجتمعات المهمشة.
برنامج خاص
ومع مرور السنوات توسع البنك بصورة كبيرة، وانتشرت فروعه في عشرات المناطق، ليخدم ملايين المقترضين في آلاف القرى، ولم تقتصر برامجه على القروض التقليدية، بل شملت التمويل التعليمي وريادة الأعمال والمنح الدراسية، إلى جانب برامج موجهة للفئات الأشد احتياجاً، ومنها برنامج خاص استهدف مساعدة هذه الفئة ببدء أنشطة تدر عليهم دخلاً، وهو ما ساهم في مواجهة ظاهرة التسول والحد منها، كما امتدت تجربة البنك إلى مجالات أخرى، بينها مواجهة آثار الكوارث الطبيعية وتمويل الأسر.
إضافة إلى مبادرات بيئية، من بينها برنامج لزراعة الأشجار أسهم في زراعة أكثر من 206 ملايين شجرة حتى سبتمبر 2023.
ولم تتوقف تجربة «بنك القرية» عند حدود بنغلاديش، إذ امتد نموذج التمويل متناهي الصغر إلى دول آسيوية عدة، بينها ماليزيا والفلبين ونيبال والهند وفيتنام، كما وصل إلى الولايات المتحدة، حيث تأسست فروع تقدم خدماتها للفئات محدودة الدخل.
وهكذا تحولت فكرة بدأت من سؤال بسيط طرحه أستاذ اقتصاد أمام معاناة الفقراء إلى تجربة مصرفية عالمية، أعادت تعريف العلاقة بين التمويل والفقر، ورسخت لدى يونس قناعة بأن منح الفقراء فرصة للوصول إلى رأس المال قد يكون خطوة أولى نحو منحهم فرصة مختلفة للحياة.
