ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 12 أكتوبر 2026 12:36 صباحاً - تتحول العاصمة التايلاندية بانكوك، اعتباراً من غد الاثنين، إلى مركز لصناعة القرار الاقتصادي العالمي، مع انطلاق الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر الجاري، وسط ظروف اقتصادية وجيوسياسية استثنائية، تتشابك فيها تحديات تباطؤ النمو العالمي مع تصاعد أعباء الديون السيادية، وارتفاع تكاليف الطاقة، واستمرار الضغوط التضخمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على مواجهة موجة جديدة من الاضطرابات المالية.
وتستقطب الاجتماعات أكثر من 15 ألف مشارك، يمثلون نحو 190 دولة، بينهم وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية ومسؤولون حكوميون وقادة مؤسسات مالية وشركات عالمية، لبحث السياسات الكفيلة باستعادة زخم النمو، وتعزيز الاستقرار النقدي والمالي، ودعم الاقتصادات الناشئة والنامية في مواجهة التحديات المتراكمة.
وتكتسب اجتماعات هذا العام أهمية خاصة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما ترتب عليها من اضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، بالتزامن مع ارتفاع مستويات الدين العام، واستمرار الضغوط على الموازنات الحكومية، الأمر الذي يضع المؤسسات المالية الدولية أمام اختبار جديد لقدرتها على تنسيق الاستجابات الاقتصادية لمواجهة الأزمات.
الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب
وتتصدر تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط والغاز، وتزايد مخاطر التضخم، مناقشات الاجتماعات، خصوصاً مع انعكاس هذه التطورات على تكاليف الإنتاج والنقل والتجارة الدولية. ووفقاً لتقرير نشرته وكالة «رويترز»، فإن اضطرابات إمدادات الطاقة وارتفاع الديون العامة إلى مستويات تاريخية يشكلان اثنين من أبرز الملفات المطروحة أمام صناع السياسات الاقتصادية في بانكوك.
وتزداد خطورة هذه التحديات مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع المساحة المالية المتاحة أمام الحكومات لتمويل برامج التنمية والبنية التحتية والحماية الاجتماعية، لا سيما في الاقتصادات منخفضة الدخل.
وتواجه البنوك المركزية بدورها معادلة معقدة، تتمثل في ضرورة السيطرة على التضخم دون التسبب في إضعاف النشاط الاقتصادي، في وقت لا تزال فيه الأسواق المالية شديدة الحساسية لتحركات أسعار الفائدة وعوائد السندات الحكومية.
ترقب لتوقعات النمو العالمي
وتتجه أنظار المستثمرين والحكومات إلى يوم الثلاثاء 13 أكتوبر، حين يعقد صندوق النقد الدولي مؤتمراً صحفياً لعرض تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، الذي سيقدم تقييماً محدثاً لمسار النمو والتضخم والمخاطر الاقتصادية.
ومن المقرر أيضاً عرض تقرير «الاستقرار المالي العالمي» في اليوم نفسه، بينما يصدر تقرير «الراصد المالي» يوم الأربعاء 14 أكتوبر، لتقييم أوضاع المالية العامة وتطورات المديونية والسياسات الضريبية والإنفاق الحكومي.
وتمثل هذه التقارير مرجعاً رئيسياً لصناع السياسات والمستثمرين، نظراً لما تتضمنه من تقديرات بشأن اتجاهات النمو العالمي، واستقرار الأنظمة المالية، وقدرة الحكومات على التعامل مع الالتزامات المالية المتزايدة.
وتأتي هذه التوقعات بعد تحذيرات أطلقتها كريستالينا جورجييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من أن الاقتصاد العالمي يواجه صدمات متزامنة، تشمل ارتفاع أسعار الطاقة وتضخم أعباء الديون، إلى جانب التحولات الاقتصادية والمالية الناجمة عن التوسع السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
18 ألف مشارك مسجل في الاجتماعات
وفي أحدث تطور، كشفت كريستالينا جورجييفا، في تصريحات لوكالة «رويترز» الأحد، أن عدد المسجلين للمشاركة في الاجتماعات وصل إلى 18 ألف شخص، بزيادة 4 آلاف مشارك مقارنة بالاجتماعات السنوية التي استضافها المغرب في أكتوبر 2023.
وتعكس هذه المشاركة الواسعة أهمية الاجتماعات في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى تنسيق السياسات المالية والنقدية، خصوصاً مع اتساع تأثير الأزمات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي.
الديون السيادية تتصدر المناقشات
وتحتل أزمة الديون السيادية موقعاً متقدماً على جدول الأعمال، بعدما حذر صندوق النقد الدولي من أن الدين العام العالمي بلغ أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية، مع توقعات بتجاوزه 100% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي قبل عام 2030.
وتواجه الدول النامية ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع فوائد الاقتراض وتراجع تدفقات رؤوس الأموال، إذ تشير البيانات التي أوردتها «رويترز» إلى أن هذه الدول تواجه مدفوعات ديون خارجية تبلغ نحو 400 مليار دولار خلال 2026، فيما تستحوذ مدفوعات الفوائد على أكثر من 10% من الإيرادات الحكومية في المتوسط.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن قدرة الدول الأكثر مديونية على مواصلة الإنفاق التنموي، دون الدخول في دورات جديدة من التقشف أو إعادة هيكلة الديون.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب النقاش
ولن تقتصر الاجتماعات على الملفات المالية التقليدية، إذ يحضر الذكاء الاصطناعي بقوة ضمن المناقشات، باعتباره أحد المحركات المحتملة للنمو والإنتاجية، وفي الوقت نفسه مصدراً لمخاطر جديدة تتعلق بالتوظيف والاستقرار المالي والتفاوت الاقتصادي.
ويتضمن البرنامج جلسات تناقش تأثير الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل الآسيوية، ومستقبل البنية التحتية المالية، والضرائب في العصر الرقمي، إضافة إلى المخاطر السيبرانية المصاحبة للتوسع في استخدام التقنيات الذكية.
وكانت جورجييفا قد حذرت من أن الارتفاع الكبير في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يخلق اختلالات مالية إذا لم تتحقق العوائد الاقتصادية المتوقعة، مشيرة في الوقت نفسه إلى إمكان مساهمة هذه التقنيات في رفع معدلات النمو والإنتاجية على المدى الطويل.
غياب وزير الخزانة الأمريكي
وتشهد الاجتماعات غياب وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي قرر عدم المشاركة بسبب ارتباطات داخلية، وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية. وفي المقابل، من المقرر أن يشارك رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش، الذي سيعقد حواراً مع جورجييفا يوم الجمعة 16 أكتوبر، لمناقشة قضايا اقتصادية ونقدية في ظل تقلبات الأسواق العالمية. ويأتي الغياب الأمريكي على مستوى وزير الخزانة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى التنسيق بين الاقتصادات الكبرى بشأن الديون والتجارة وأسعار الفائدة.
الأسواق الناشئة تنتظر حلولاً
وتولي الدول الناشئة اهتماماً خاصاً بنتائج الاجتماعات، خصوصاً ما يتعلق بتسهيل الوصول إلى التمويل الدولي، وإصلاح آليات معالجة الديون، وتعزيز قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على توفير الدعم المالي خلال الأزمات.
ومن المتوقع أن تشهد الاجتماعات نقاشات حول تعبئة رؤوس الأموال الخاصة لتمويل التنمية، وتطوير أدوات التمويل، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وتتضمن الأجندة الرسمية اجتماع لجنة التنمية في 15 أكتوبر، والجلسة العامة السنوية في 16 أكتوبر، واجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في 17 أكتوبر.
