ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 09:51 صباحاً - أوروبا تفرض انضباطاً مالياً صارماً
تشهد الأسواق المالية العالمية والأسواق الاقتصادية الكبرى حالة من التوتر والترقب الحذر على وقع عاصفة متكاملة من التحديات الجيوسياسية والنقدية والتقنية، حيث تتشابك صدمات إمدادات الطاقة الناتجة عن التوترات المستمرة في الشرق الأوسط مع فورة الاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي وتداعيات سياسات التشديد النقدي للمصارف المركزية الكبرى مثل الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تلتئم الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك وسط قلق عالمي متصاعد إزاء أزمة الديون العامة والسيادية وتضخم تكاليف الطاقة، حيث حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا من أن الاقتصاد العالمي يعاني بين صدمة سلبية حادة في إمدادات الطاقة وصدمة إيجابية في الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يضع الدول النامية والأسر والشركات تحت ضغوط معيشية ومالية غير مسبوقة تهدد بإعادة ملايين البشر إلى دائرة الفقر وتفرض معضلات مستحيلة على الحكومات بين دعم شعوبها أو الاستثمار في التنمية المستدامة.
وعلى صعيد أسواق الأسهم، يراهن بنك غولدمان ساكس بقيادة الاستراتيجيين مثل كريستيان مولر غليسمان على استمرار قوة الأسواق مدفوعة بتوقعات نمو أرباح الشركات وتحسن جاذبية التقييمات، وسط توقعات بارتفاع أرباح شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 25% إلى ما يقارب 29.6% على أساس سنوي مع انطلاق موسم نتائج الربع الثالث، ومستفيدة من تراجع مضاعف الربحية المستقبلي للمؤشر من نحو 22 مرة إلى قرابة 19 مرة مقارنة ببداية العام، ما يمنح الأسهم فرصة إضافية للمكاسب رغم المخاطر الجسيمة المتمثلة في استمرار ارتفاع عوائد السندات الحكومية وأسعار الطاقة.
وفي المقابل، لا تخلو هذه النظرة الإيجابية من تهديدات حقيقية تؤكدها ضغوط أسعار النفط الخام المقتربة من مئة دولار للبرميل بفعل التوترات الإقليمية، وزيادة تكاليف الإنتاج والتشغيل التي قد تدفع البنوك المركزية للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، فضلاً عن تصاعد ديون شركات التكنولوجيا الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي والتي تنافس السندات الحكومية على السيولة المتاحة في الأسواق.
أما في أسواق السندات السيادية والديون العالمية، فتتجسد حالة الاضطراب بوضوح في تزايد الضغوط وعائدات السندات، حيث سجلت مزادات وزارة الخزانة الأمريكية لاكتتاب السندات الثلاثية بقيمة 58 مليار دولار طلباً في حدود المتوسط بعائد بلغ 4.932%، في حين تواجه أسواق الديون الأوروبية توترات إضافية نتيجة القلق حيال مستويات الديون العامة الطائلة.
وفي هذا السياق تسعى الحكومات الأوروبية لفرض انضباط مالي صارم لطمأنة الأسواق، مثل الخطط التي طرحتها مرشحة الرئاسة الفرنسية مارين لوبان لخفض عجز الموازنة الفرنسية إلى أقل من 3% بحلول عام 2032 لتهدئة مخاوف المستثمرين واضطرابات سندات الخزانة التي اقتربت عائدات سنداتها لأجل عشر سنوات من حاجز 5%.
وعلى الصعيد السيادي والوطني، تبرز مساعي الدول للسيطرة على البنية التحتية المالية الاستراتيجية، مثل دراسة الحكومة الإيطالية ورئيسة وزرائها جورجا ميلوني شراء منصة تداول السندات الأوروبية «إم.تي.إس» عبر بنك كاسا ديبوسيتي بريستيتي المملوك للدولة بقيمة تقديرية تبلغ 600 مليون يورو، وذلك بهدف الحفاظ على الرقابة الوطنية على تداول أدوات الدين والسيولة في سوق السندات الإيطالية وحماية السيادة الاقتصادية في وجه التكامل الأوروبي المفرط والاضطرابات المالية المتتالية.
