ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 24 يناير 2026 11:55 صباحاً - في قلب بعض من أكثر المناطق جفافا في العالم، يظهر ما يشبه نصف هلال من الحفر الترابية، ليعيد رسم مستقبل الزراعة بطريقة تقليدية وبسيطة، لكن تأثيرها بالغ القوة، هذه التقنية، التي يصفها السكان المحليون بأنها "منسية" و"خاصة بمجتمعاتهم"، حولت امتدادات من منطقة الساحل المغبرة إلى حقول منتجة، مانحة الأمل في زراعة الغذاء وإعادة شحن المياه الجوفية دون الحاجة إلى مشاريع ضخمة أو معدات متقدمة.
تقوم الفكرة على حفر خنادق على شكل نصف هلال، يفتح الجانب الأعلى لجمع مياه الأمطار ويُغلق الجانب المنحدر بسدة ترابية صغيرة، ما يسمح للمياه بالتجمع والبقاء على الأرض بدل الجريان السريع، ومع مرور الوقت، يترسب الطمي والبذور والمواد العضوية في هذه الحواجز، فتتحول التربة المتصلبة إلى إسفنج قادر على الاحتفاظ بالرطوبة لأسابيع بعد هطول المطر، وفقا لموقع Morning Overview.
ويؤكد المزارعون والمهندسون أن هذه الحواجز الهلالية لا تساهم فقط في التقاط المياه، بل تبطئ التعرية وتعيد الأعشاب والمحاصيل المحلية إلى مناطق كانت قاحلة بالكامل، مما يجعلها منافسا تقنيا فعّالا لمشاريع ضخمة تقليدية من الصين إلى بوليفيا، ففي مقاطع فيديو توثق مشاريع إعادة التحريج، تتحول المنحدرات المغبرة إلى فسيفساء من الحقول الخضراء التي تعكس تحسنا بيئيا ملحوظا خلال عامين فقط.
وما يميز هذه التقنية أيضا هو بساطتها وحجمها المناسب لتطبيقها يدويا، حيث يبلغ قطر كل هلال حوالي 4 أمتار، ويمكن لشخص واحد حفره خلال يوم واحد، هذا يسمح للعائلات والمجتمعات بتكرار النموذج عبر التلال بأكملها دون الحاجة إلى آلات باهظة الثمن، مع الحفاظ على المناخ الجزئي الذي يحمي الشتلات من الرياح الحارقة ويعزز نمو النباتات المحلية.
تؤكد تقارير برنامج الأغذية العالمي أن نجاح المشروع لا يعتمد فقط على الشكل الفيزيائي للحواجز، بل على التخطيط المجتمعي التشاركي، حيث يشارك المزارعون والشيوخ والفنيون في تحديد مواقع الحقول ومسارات الجريان المائي لضمان توزيع الفوائد بين الجميع، وتجنب احتكار الأراضي من قبل بعض الأفراد.
ويشير الخبراء إلى أن هذه الطرق التقليدية، رغم بساطتها، تتماشى مع مبادئ الهندسة القديمة التي كانت تُستخدم لإدارة المياه بشكل مستدام، كما يظهر في مشاريع مشابهة في بوليفيا، حيث أعادت الحفارات الكبيرة المستندة إلى معرفة محلية بناء مستنقعات قديمة لتعزيز الوصول إلى المياه الريفية.
وفي سياق عالمي، تتوافق هذه التجارب مع جهود التحريج الصحراوي في الصين وشمال آسيا، حيث ساعدت مشاريع كبيرة في تثبيت الكثبان الرملية وزراعة مساحات واسعة على عكس أضرار الجفاف، مع التأكيد على أن التربة والنباتات تعتبر جزءا من البنية التحتية للبيئة، وهو نفس المبدأ الذي يطبقه سكان الساحل الإفريقي على نطاق محلي.
وفي غرب إفريقيا، أثارت هذه التقنية اهتماما عالميا، حيث أصبحت مثالا على أن المرونة المناخية لا تحتاج إلى تدخل خارجي مكلف، بل إلى أدوات بسيطة ومعرفة محلية وعمل جماعي، فالهلاليات، كما يصفها السكان، تحوّل الأراضي القاحلة إلى حقول منتجة، مع إمكانية إعادة شحن المياه الجوفية وحماية المجتمع من آثار التصحر والهجرة القسرية.
هذا المشروع يمثل نموذجا حيا للزراعة المستدامة في مواجهة التغير المناخي، ويثبت أن الحلول التقليدية والبسيطة يمكن أن تكون فعالة بقدر مشاريع البنية التحتية المعقدة، مؤكدا على أن التغيير البيئي يبدأ من الأرض، ومن تعاون المجتمعات المحلية.
أخبار متعلقة :