10 آلاف نوع من الدولار… كيف عاشت أمريكا فوضى نقدية قبل توحيد العملة؟

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 8 فبراير 2026 09:36 صباحاً - كانت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر تعيش اضطراباً نقدياً كبيراً حيث كان يتداول فيها أكثر من 10 آلاف نوع من الأوراق النقدية ولكل منها قيمة مختلفة وعشوائية إلى حد كبير، تعتمد على مكان وزمان إنفاقها.

Advertisements

كان أعضاء الكونغرس الأوائل يعرفون حجم المشكلة حيث كانت الأوراق النقدية في الولايات المتحدة تُتداول وتُصدر دون أي ضوابط بشأن مصدرها أو قيمتها.

كتب المؤرخ جوشوا غرينبيرغ في كتابه الصادر عام 2020 بعنوان " الأوراق النقدية والسيوف: الهوس بالعملة الورقية في بدايات الجمهورية ": "كانت المشكلة حادة في جميع أنحاء نيو إنجلاند. فقد أصدرت إدارة منتخبة حديثًا في رود آيلاند، مؤيدة للعملة الورقية، كميات هائلة من الأوراق النقدية الحكومية عام 1786".

قام واضعو الدستور بمنع الولايات من "سك العملة"، ومنحوا هذا الحق بدلاً من ذلك للبنك الأول (ثم الثاني لاحقاً) للولايات المتحدة، ثم انتشرت بنوك لا حصر لها، مرخصة أو خاضعة لتنظيم الولايات، في جميع أنحاء البلاد وصل إلى أكثر من 2000 بنك بين عامي 1782 و1860، وعانى الأمريكيون من فوضى نقدية عارمة، تتألف من نحو 10000 نوع مختلف من الأوراق النقدية، صادرة عن مئات البنوك، بموجب لوائح حكومية عديدة متنافسة، بل ومتناقضة أحيانًا" وفق iflscience.

العيش في الجنون

وعن فوضى النقود كتب مسافر في مذكراته عام 1840 : "انطلقت من فرجينيا ومعي نقود فرجينيا؛ وصلت إلى نهر أوهايو؛ استبدلت ورقة نقدية من فرجينيا بقيمة 20 دولاراً بضمادات للساق وورقة نقدية من بنك ويست يونيون بقيمة 3 دولارات. أنفقت الـ 3دولارات على وجبة إفطار؛ وصلت إلى تينيسي؛ استلمت ورقة نقدية من تينيسي بقيمة 100 دولار؛ عدت إلى كنتاكي؛ اضطررت هناك إلى استبدال ورقة تينيسي بـ88 دولاراً من نقود كنتاكي؛ انطلقت عائداً إلى المنزل ومعي نقود كنتاكي."

قيمة الأوراق النقدية

كانت قيمة الأوراق النقدية تعتمد على مجموعة كاملة من المعلومات الداخلية: المكان الجغرافي الذي صدرت فيه الأوراق النقدية - فغالباً ما تنخفض قيمتها كلما ابتعدت عن مكان إصدارها؛ ومن أصدرها - فالأوراق النقدية الصادرة عن بنك يعتبر أكثر استقراراً قد تجلب المزيد، وربما حتى قيمتها الاسمية، بينما يجب رفض تلك الصادرة عن شركة مشبوهة رفضاً قاطعاً؛ والقوانين واللوائح المحلية، وما إلى ذلك.

ولم يقتصر الاضطراب على تفاوت القيم فقط، بل شمل أيضاً انتشار التزوير، إذ كانت بعض الأوراق المزيفة تبدو أكثر فخامة من الحقيقية، ما صعّب مهمة التمييز بينها. ووصل الأمر إلى طباعة أوراق نقدية تحمل صوراً غريبة، مثل صورة بابا نويل، في محاولة لكسب ثقة المتعاملين.

وظل هذا النظام الفوضوي قائماً حتى اندلاع الحرب الأهلية الأميركية عام 1861، حين واجهت الحكومة الفيدرالية أزمة مالية حادة، جعلتها عاجزة عن دفع رواتب الجنود وتأمين الإمدادات. وأمام هذا الوضع، لجأت الحكومة إلى خطوة حاسمة عام 1862، تمثلت في إصدار عملة موحّدة عُرفت باسم «الأوراق الخضراء».

وللمرة الأولى، أصبحت الأوراق النقدية صادرة عن الحكومة الفيدرالية، ومعترفاً بها في جميع الولايات الشمالية بالقيمة نفسها، ما أنهى تدريجياً فوضى العملات المحلية، وقلّص الاضطراباً في الأسواق.

وبالتزامن مع ذلك، تم إنشاء نظام البنوك الوطنية الخاضعة للرقابة الفيدرالية، ما عزز الثقة بالعملة الجديدة، وربطها بالسندات الحكومية، وضمن استقرارها على المدى الطويل.

وبمرور الوقت، أصبح الدولار الموحّد أساس النظام المالي الأمريكي، وانتقلت البلاد من عصر الفوضى النقدية إلى مرحلة أكثر استقراراً وتنظيماً. ولم يكن هذا التحول نتيجة تخطيط طويل، بل جاء مدفوعاً بضرورات الحرب، التي فرضت على الحكومة اتخاذ قرارات غيرت شكل الاقتصاد الأمريكي إلى الأبد.

وهكذا، أنهت الولايات المتحدة مرحلة تاريخية اتسمت باضطراب مالي غير مسبوق، لتؤسس نظاماً نقدياً موحداً ما زال يشكل العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي حتى اليوم.

أخبار متعلقة :