ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 31 مارس 2026 12:21 مساءً - في الوقت الذي يُفترض أن تدفع فيه الحروب الأسواق نحو الملاذات الآمنة، جاءت تطورات التوترات المرتبطة بالحرب في إيران بنتائج أكثر تعقيدًا، حيث لم يتحرك الذهب وفق القواعد التقليدية كملاذ آمن، بينما تصاعدت قوة الدولار، وازدادت حساسية النفط للتقلبات الجيوسياسية.
تشير المعطيات الحالية إلى أن السيولة أصبحت الخيار الأول للمستثمرين، خاصة في ظل بيئة نقدية مشددة وتثبيت أسعار الفائدة، بينما تحول الذهب إلى ملاذ مؤجل ينتظر لحظة وضوح أكبر. وشكلت الحيرة في اتخاذ القرار حصاد الباحثين عن الملاذ الآمن للاستثمار بعد موجة خارجة عن سياق السوق.
أداء متقلب بعد صعود قياسي
وفق بيانات الأسواق، سجل الذهب ارتفاعات قوية خلال الفترة من مارس 2025 إلى مارس 2026، متجاوزاً مستويات تاريخية في يناير ليصل إلى 5500 دولار للأونصة (31.1 جراما)، قبل أن تتراجع إلى 4590 مع تداولات اليوم الثلاثاء، بنحو 14% إلى 16%، رغم أن الذهب سجل ارتفاعاً بلغ 51% خلال الفترة من مارس 2025 إلى مارس 2026، ونسبة زيادة بلغت 83 % في نهاية يناير 2026 مقابل مارس 2025.
قراءة المؤسسات العالمية
أطلقت المؤسسات العالمية مطلع العام الجاري توقعات بمزيد من المسار الصاعد لأسعار الذهب فوق مستويات 6000 آلاف دولار خلال 2026. وقال دويتشه بنك الألماني: "وفقا لسيناريوهات بديلة، ربما يكون سعر الذهب عند 6900 دولار في الواقع أكثر انسجاما مع الأداء القوي للغاية على مدى العامين الماضيين".
وقدرت مؤسسة مورغان ستانلي الأمريكية سعر أونصة الذهب بنحو 5700 دولار خلال النصف الثاني من 2026. أما بنك غولدمان ساكس الأمريكي فتوقع السعر عند حدود 5400 دولار للأونصة في ديسمبر المقبل.
وتوقع مجلس الذهب العالمي وصول السعر إلى 5000 دولار بنهاية عام 2026، وسط تفاؤل بزيادة الطلب والمشتريات من قبل البنوك المركزية.
واستندت توقعات البنوك العالمية إلى بيانات مجلس الذهب العالمي التي أظهرت أن إجمالي الطلب على الذهب في عام 2025 ما يجاوز 5002 طن لأول مرة.
وفي ظل موجة التوقعات المتفائلة وقبيل الحرب، ذكرت تحليلات أخرى أن مستوى 3900 دولار قد يعد مستوى دعم قوي للذهب حال تراجعت الأسعار.
رؤية الخبراء
أكد الخبير الاقتصادي رضا مسلم أن الذهب لا يزال من السلع المرتبطة بعوامل متعددة، في مقدمتها قوة الدولار والأحداث الجيوسياسية، إلا أن الأسواق تعيش حالة من الارتباك الشديد نتيجة تداخل التصريحات السياسية والتطورات الميدانية.
وأوضح أن هذا الارتباك دفع المتداولين إلى التردد بين البيع والشراء، متوقعًا مزيدًا من الضغوط على أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة، خصوصاً في ظل غياب وضوح الرؤية.
وأضاف مسلم: السوق تمكن سابقًا من التكيّف مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية نظرًا لبدئها بشكل مباشر وواضح، بخلاف المشهد الحالي الذي يتسم بتعقيد وتشابك أكبر، ما يزيد من حدة التذبذب في أسعار الذهب. وتوقع استمرار الضغوط على الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وذكر مسلم أن الذهب كان الملاذ الأول في الأزمة المالية العالمية في عام 2008 ما أدى لارتفاع سعره من 800 دولار الى 1000 دولار للأونصة بنسبة 25%. وفي عام الجائحة، ارتفع الذهب من 1500 دولار مطلع 2020 متجاوزاً 2000 دولار في أغسطس ليختتم عام الجائحة بسعر 1900 دولار جراء التيسير النقدي غير المسبوق، وعودة البنوك المركزية بقوة إلى الذهب.
وفي مارس 2025، بلغ سعر الذهب 3000 دولار جراء تآكل الثقة في استدامة العولمة. وصعد في أكتوبر 2025 إلى 4000 دولار مع رهانات خفض الفائدة. وسجل الذهب في أول أيام تداول مارس الجاري سعر 5395 لينخفض مع نهاية الشهر الى 4590 دولار للأونصة بتراجع شهري بلغ 15%.
وفي سياق التقلبات التي شهدها الذهب خلال الربع الأول، ساهمت عمليات تسييل الاحتياطيات من قبل بعض الدول لتوفير السيولة في زيادة الضغوط البيعية على المعدن النفيس. وفي مقدمة هذه الحالات تركيا، التي أعلنت عن ضخ نحو 58 طنًا من الذهب بقيمة تقارب 8 مليارات دولار، ما عزز من موجة التصحيح الهبوطي، خاصة خلال شهر مارس.
الدولار… الملاذ الجديد المؤقت
وفي تطور لافت للأسواق جراء الحرب في إيران، يتجه المستثمرون نحو الدولار الأمريكي باعتباره أداة سيولة فورية، خاصة مع استمرار سياسات نقدية حذرة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، ما يعزز جاذبية الأصول المدرة للعائد وذلك على حساب الذهب.
وفي هذا السياق، فإن توجهات الاحتياطي الفيدرالي نحو الإبقاء على الفائدة دون خفض سريع، تمثل عاملًا رئيسيًا في كبح صعود الذهب خلال الفترة الحالية. وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عقب الاجتماع الثاني للفيدرالي الأمريكي الأربعاء 18 الجاري: "إن البنك يركز على تثبيت توقعات التضخم عند 2%، في ظل سلسلة من الصدمات الاقتصادية المتتالية، بما في ذلك اضطرابات الطاقة، ما يعزز توجه السياسة النقدية الحذرة".
وقام الفيدرالي الأمريكي بتثبيت معدلات الفائدة، محافظاً على مستوياتها بين 3.5% و 3.75%، وقد جاء القرار بتصويت شبه جماعي على القرار بتأييد 11 عضواً، مقابل اعتراض عضو واحد على قرار التثبيت، مؤكداً أن التضخم ما زال أعلى من المستهدف وأن حالة عدم اليقين الاقتصادي ارتفعت مع اندلاع الحرب في إيران.
من جهته، قال أسامه آل رحمة الخبير الاقتصادي: "شهد الذهب ربعًا قوياً لكنه عالي التقلب إذ ارتفعت الأسعار إلى مستويات قياسية فوق 5500 دولار للأونصة في يناير، مدفوعة بالطلب على الملاذات الآمنة، وعمليات الشراء القوية من البنوك المركزية، وعدم اليقين الجيوسياسي".
وتابع: "ومع ذلك، انعكس الزخم بشكل حاد في مارس، حيث انخفض الذهب بنحو 14% إلى 16% خلال الشهر، مسجلًا واحدة من أكبر التصحيحات قصيرة الأجل في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى قوة الدولار الأمريكي وتراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة. وعلى الرغم من هذا التصحيح، أنهى الذهب الربع الأول على ارتفاع طفيف بنحو 5% إجمالاً".
وتوقع آل رحمة أن يظل الذهب متقلباً في بداية الربع الثاني بسبب استمرار ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار الأمريكي، مما يحد من فرص الصعود. ومع ذلك، فإن الدعم الأساسي من طلب البنوك المركزية والمخاطر الجيوسياسية من شأنه أن يحافظ على استقرار الأسعار.
ويعتقد آل رحمة أن النطاق الأساسي المتوقع للربع الثاني هو بين 4300 و4700 دولار للأونصة، مع مخاطر هبوط نحو 4000 دولار إذا استمرت الفائدة المرتفعة لفترة أطول. ومن المرجح حدوث تعاف في الجزء الأخير من الربع الثاني، خاصة إذا أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى التيسير النقدي. وختم باحتمالية توفر فرص صعود أقوى في النصف الثاني من الربع الثاني من العام الجاري.
ارتباك غير متوقع
وتبدو أسواق النفط الأكثر حساسية تجاه الحرب في إيران، حيث تتفاعل سريعاً مع أي تهديد لإمدادات الطاقة، إلا أن حالة عدم اليقين تجعل التحركات متقلبة وغير مستقرة، مرتبطة بشكل مباشر بالأخبار والتصريحات.
من جانبه، أشار طالب الحليلي الخبير الاقتصادي إلى أن الذهب كان قد دخل بداية العام في مسار صعودي قوي مدفوعًا بتوقعات خفض الفائدة وزيادة الطلب على الملاذات الآمنة إلا أن أحداث الحرب في إيران أدت إلى ارتباك غير متوقع في الأسواق، مما أوقف الزخم الصعودي، ودفع الأسعار نحو التذبذب.
وأوضح أن ارتفاع الطلب على السيولة، إلى جانب احتمالات صعود الدولار، قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في أسعار الذهب، مشيراً إلى أن الاستثمارات الكبرى تمتلك القدرة على امتصاص الصدمات، على عكس المستثمرين الأفراد الذين يتأثرون بشكل أكبر بالتقلبات.
التحول الحقيقي
وقال الحليلي:" لم تعد الأسواق تتحرك وفق المعادلة التقليدية: حرب = ارتفاع الذهب، بل أصبحت: حرب + فائدة مرتفعة تنتج سيولة + دولار + تراجع في الذهب".
وأشار الحليلي إلى أن تأثير هذه التقلبات يختلف باختلاف حجم الاستثمار، حيث تتمتع المؤسسات الاستثمارية الكبرى بقدرة أعلى على امتصاص الصدمات واستعادة الخسائر، في حين يتأثر المستثمرون الأفراد بشكل أكبر بالتذبذبات الحادة.
احتمالات الربع الثاني
وتوقع الخبراء استمرار التذبذب أو التراجع في أسعار الذهب على المدى القصير وبقاء الدولار قويًا كملاذ نقدي مع تقلبات حادة في النفط مرتبطة بالأحداث وتحركات مفاجئة مدفوعة بالتصريحات السياسية. وأما على المدى المتوسط: يبقى الذهب مدعومًا كملاذ آمن في حال تفاقم المخاطر الجيوسياسية.
وقالوا: "يبقى الذهب في المرحلة الحالية بين قوتين متعارضتين دوافع الصعود المرتبطة بالمخاطر العالمية، وضغوط التراجع الناتجة عن قوة الدولار والسيولة لشراء النفط المؤهل للارتفاع، ما يجعل المعدن الأصفر في حالة ترقّب حذر بانتظار اتضاح اتجاهات المرحلة المقبلة".
أخبار متعلقة :