الهروب الكبير.. هل تصبح خزائن نيويورك خاوية من الذهب قريباً؟


ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 7 أبريل 2026 07:21 مساءً - تحت وطأة ثمانين متراً من صخور الجرانيت في مانهاتن، صمتت لغة الأرقام لتعلو رنة الذهب العائد إلى الديار؛ فبين يوليو 2025 ويناير 2026، نفذت باريس «هروباً مالياً» هادئاً، مستردةً آخر جرام من كنوزها المودعة خلف المحيط.
لم تعد تلك السبائك مجرد رصيد دفتري، بل تحولت إلى درع سيادي في حصن «لا سوتيرين» الباريسي، معلنة نهاية فصل طويل من التبعية اللوجستية للاحتياطي الفيدرالي. وبينما كانت فرنسا تحصي أرباحها الخيالية من هذا الانتقال، بدأت العواصم الأوروبية من برلين إلى روما تتلفت نحو خزائنها في أمريكا، لتتساءل: هل حان الوقت لفك الارتباط بـ «العم سام» قبل أن تتحول الأصول السيادية إلى أوراق ضغط في صراعات البيت الأبيض القادمة؟
فقد أكمل بنك فرنسا سحب آخر 129 طناً من الذهب المودع في نيويورك عبر 26 صفقة استراتيجية انتهت في يناير 2026. واستبدلت باريس سبائكها القديمة بسبائك حديثة مطابقة لمعايير «جمعية سوق لندن» بنقاوة 99.5% مخزنة بالكامل في باريس. وحققت فرنسا أرباحاً رأسمالية قدرها 12.8 مليار يورو نتيجة بيع الذهب بأسعار قياسية بلغت 5600 دولار للأوقية. وأسهمت هذه الأرباح في تحويل ميزانية البنك المركزي الفرنسي من خسارة 7.7 مليارات يورو في 2024 إلى ربح صافٍ 8.1 مليارات يورو.
ويطالب خبراء ألمان بسحب 37% من احتياطيات الذهب المودعة في أمريكا بسبب ما وصفوه بـ «عدم التنبؤ» بسياسات الرئيس دونالد ترامب.
وبدأ البنك المركزي الألماني، في عام 2013، إعادة كمية كبيرة من ذهبه الموجود في الخارج، ولا يزال يحتفظ بحوالي 1236 طناً في نيويورك و404 أطنان في إنجلترا نهاية عام 2025.
ويسعى البرلمان الإيطالي لإعلان أن 2452 طناً من الذهب هي ملك للشعب وليست للبنك المركزي، وهو ما أثار انتقادات داخل الاتحاد الأوروبي.
وأرسلت جمعية دافعي الضرائب في أوروبا رسائل إلى حكومتي ألمانيا وإيطاليا، تحث فيها صناع السياسات على إعادة النظر في اعتمادهم على الاحتياطي الفيدرالي جهة حافظة لذهبهم، في ظل انتقادات ترامب المستمرة للفيدرالي، خصوصاً أن نحو 43% من إجمالي احتياطيات بنك إيطاليا محفوظة في نيويورك.
وأدى تجميد 300 مليار دولار من الأصول الروسية إلى قناعة بأن الاحتياطيات خارج البلاد تخضع لسلطة الدولة المضيفة وليست «سيادية» فعلياً.
وتحول النظام المالي إلى «سلاح» جعل الدول تخشى من استخدام أصولها كأوراق ضغط في مفاوضات التعريفة الجمركية أو الخلافات السياسية.
إن المشهد في عام 2026 يشير إلى أن الذهب لم يعد مجرد احتياطي ساكن، بل تحول إلى «عملة مقاومة» في وجه نظام مالي أصبح يُدار بالعقوبات أكثر مما يُدار بالتجارة.
ومع استمرار الضغوط في برلين وروما، فإن الاحتياطي الفيدرالي يواجه تحدياً وجودياً يتمثل في إثبات قدرته على الفصل بين «الحفظ المالي» و«الابتزاز السياسي»؛ فالثقة التي بُنيت في قرن قد تتبخر في غضون شهور من سحوبات الذهب المتتالية.
ويبقى السؤال الذي يؤرق أروقة واشنطن: هل تكون استعادة السبائك هي المسمار الأخير في نعش «الهيمنة الدولارية»، أم ينجح الفيدرالي في ترميم بنيان الثقة قبل أن تخلو خزائن مانهاتن من كنوز القارة العجوز؟

Advertisements

أخبار متعلقة :