بأسعار تتراوح بين 200 درهم و3.7 ملايين.. ماذا تخبئ مسابيح العالم في دبي؟

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 8 نوفمبر 2026 01:36 مساءً - بين مسابيح لا يتجاوز سعرها 200 درهم، وأخرى تدخل سريعاً في نطاق عشرات ومئات الآلاف، تبدو جولة واحدة في معرض المسابيح في دبي 2026 كافية لاكتشاف أن ما يراه البعض هواية أو مقتنى تراثياً، تحول إلى سوق دولية لها تجارها وحرفيوها وموردوها وعملاؤها، وبعض قطعها النادرة تنافس في أسعارها المجوهرات والتحف.

Advertisements

وفي نسخته الأولى بدبي، جمع المعرض تجاراً وحرفيين وهواة من 21 دولة عبر 86 منصة، في فندق الريتز كارلتون بمركز دبي المالي العالمي خلال الفترة من 6 إلى 8 نوفمبر، مع مجموعات من المسابيح والكهرمان الطبيعي والقطع النادرة، إلى جانب أكبر مزاد حضوري للمسابيح في العالم. 

لكن حجم هذه السوق يظهر بصورة أوضح بعيداً عن واجهات العرض، في حديث التجار أنفسهم.

مُرجانة، وهي تاجرة صينية تزور دبي للمرة الرابعة، جاءت إلى المعرض ومعها نحو 100 كيلوغرام من البضائع، والمفاجأة بالنسبة إليها أن نصف هذه الكمية تقريباً كان قد بيع بالفعل عبر طلبات مسبقة قبل وصولها إلى المعرض.

وتقول إنها باعت نحو 50% من مخزونها، فيما فاق الإقبال توقعاتها إلى درجة دفعتها للحديث منذ الآن عن العودة في الدورة المقبلة بمساحة أكبر، وبالنسبة إليها، لم تعد دبي مجرد محطة للمشاركة في معرض، وإنما سوق تجد فيها مشترين قادمين من مناطق مختلفة.

هذا الإقبال لم يقتصر على المشترين والهواة، فيقول أبو محمد لـ«حال الخليج»، وهو تاجر سعودي، إن المعرض خلق حركة بيع بين التجار أنفسهم، موضحاً: «أصبحنا نبيع للتجار أكثر»، ليعيد هؤلاء بيع القطع بدورهم إلى هواة ومقتنين آخرين.

ويختصر المشهد بالقول إن المعرض «ربط التاجر بالهاوي، والهاوي بالتاجر، والتاجر بالتاجر»، وهي حركة تعطي مؤشراً إلى أن تجارة المسابيح لا تعتمد فقط على البيع المباشر للمستهلك، وإنما ترتبط أيضاً بسوق إعادة البيع وتداول القطع بين التجار والمقتنين.

أما الأسعار، فتفسر جانباً آخر من طبيعة هذه التجارة، فبحسب أبو محمد، تبدأ بعض المسابيح المعروضة لديه من نحو 200 درهم، ثم ترتفع الأسعار تدريجياً بحسب الخامة والعمر والخراطة والندرة، لتصل في بعض الحالات إلى مئات الآلاف.

ويقول الحرفي الكويتي علاء فريد، الذي يعمل في صناعة وتشكيل المسابيح منذ نحو 15 عاماً، إن قطعة الكهرمان تمر بنحو ست أو سبع مراحل قبل أن تصبح مسباحاً جاهزاً، بدءاً من تقطيع الحجر الخام، ثم تشكيله إلى أجزاء أصغر، وصولاً إلى الخرز والخراطة والتلميع.

لكن الحرفة وحدها لا تفسر الأسعار المرتفعة، ففي سوق الكهرمان، قد تكمن قيمة القطعة داخل الحجر نفسه.

ويعرض فريد قطعة يتجاوز سعرها 150 ألف درهم رغم أن وزنها يزيد قليلاً على 35 غراماً، موضحاً أن ألوانها وتموجاتها طبيعية بالكامل، وأن العثور على قطعة مماثلة أمر بالغ الصعوبة، ويقول إن بعض الخامات النادرة قد تظهر مرة واحدة فقط بين نحو ألف حجر، فيما تصل أسعار قطع أخرى إلى 250 و300 ألف درهم.

وفي الطرف الأعلى من السوق، عرض المعرض قطعة من «الفاتوران» يزيد عمرها على 120 عاماً وتقدر قيمتها بأكثر من مليون دولار، إلى جانب قطعة كهرمان ألمانية تعود إلى عام 1880 تقدر قيمتها بنحو مليون دولار أيضاً. 

من بحر البلطيق إلى دبي

وراء المسباح المعروض في دبي رحلة تجارية وحرفية أطول مما قد تبدو عليه، إسماعيل الكمالي، تاجر إماراتي متخصص في الكهرمان منذ نحو خمس سنوات، يختار بنفسه الأحجار التي يعمل عليها، ويقول لـ«حال الخليج» إن الخامات تأتي من منطقة كالينينغراد الروسية ومنطقة بحر البلطيق، قبل أن يتم قصها وتشكيلها وتحويلها إلى مسابيح.

ويصف شراء الأحجار الخام بأنه عملية تحمل قدراً من المخاطرة، لأن جودة الحجر الحقيقية لا تظهر دائماً من الخارج، وقد تكشف عملية القص عن مشكلات أو عيوب داخله، ومع الوقت، كما يقول، أصبحت الخبرة في اختيار الخام جزءاً أساسياً من عمله.

ومن هذه الهواية، تمكن الكمالي من بناء علامة خاصة وصلت منتجاتها إلى دول خليجية وعربية، فيما جاءت مبيعاته خلال المعرض أعلى مما كان يتوقع، رغم أنه دخل المشاركة أساساً بهدف عرض القطع التي عمل عليها والتعريف بمنتجاته.

أما آدم أبو نوح، وهو تاجر قادم من السويد ولديه متجر في ، فيقول إن مشاركته في المعرض هي الأولى له في الإمارات، رغم عمله في هذا المجال ومروره بتجارب في أسواق دولية عديدة، وبالنسبة إليه، فاق حجم الزوار ما كان يتوقعه، واصفاً التجربة بأنها ناجحة إلى درجة جعلته يفكر في تكرار المشاركة سنوياً.

ويعمل أبو نوح أيضاً في استيراد الكهرمان الخام من الدول المطلة على بحر البلطيق وبيعه أو تشكيله محلياً، وهي حلقة أخرى تكشف كيف تجمع تجارة المسابيح بين الاستيراد والتصنيع والحرفة والتجزئة في سوق واحدة.

عندما تصبح الأصالة جزءاً من السعر

ومع وصول الأسعار إلى هذه المستويات، تصبح مسألة معرفة ما إذا كان الكهرمان طبيعياً أم معالجاً أو صناعياً جزءاً أساسياً من عملية الشراء.

ولهذا شارك مختبر دبي المركزي بمنصة لفحص الكهرمان والأحجار الكريمة والمعادن الثمينة وتقديم خدمات فورية ومجانية للجمهور. 

ويقول خالد البلوشي من بلدية دبي لـ«حال الخليج» إن بإمكان أي زائر يشتري مسباحاً في المعرض التوجه مباشرة للفحص لمعرفة ما إذا كانت القطعة من الكهرمان الطبيعي أو المعالج أو المضغوط أو مادة أخرى، في خطوة تمنح المشترين درجة أكبر من الثقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصفقات قد تصل إلى عشرات أو مئات الآلاف من الدراهم.

وهنا تتضح الصورة التي قدمتها الدورة الأولى، فالمعرض لم يجمع مجرد مجموعات نادرة وهواة يبحثون عن قطع جديدة، إنما جمع سلسلة تجارية كاملة في مكان واحد: خام يأتي من بحر البلطيق، وحرفيين يحولونه إلى مسابيح، وتجاراً من أسواق مختلفة، ومختبراً يفحص الأصالة، ومقتنين مستعدين للدفع مقابل قطعة يصعب أن تتكرر.

ويضع منظمو معرض المسابيح في دبي أصلاً تنمية هذا القطاع وتعزيز فرص التجارة والاستثمار ضمن أهداف الحدث، إلى جانب السعي إلى ترسيخ موقع دبي كوجهة عالمية لتجارة الكهرمان. 

وبين تاجرة جاءت إلى دبي بمئة كيلوغرام وباعت نصفها، وتاجر إماراتي بنى علامة تصل إلى أسواق المنطقة، وقطع تبدأ بمئات الدراهم وتنتهي بملايينها، يبدو أن المسباح، رغم صغر حجمه، يقف خلفه سوق أكبر كثيراً مما يبدو للوهلة الأولى.

أخبار متعلقة :