حال قطر

الأوقاف: «كفالة».. نموذج مستدام لرعاية الأيتام

الأوقاف: «كفالة».. نموذج مستدام لرعاية الأيتام

الدوحة - سيف الحموري - تمثل وقفية «كفالة يتيم» أحد النماذج المعاصرة الرائدة التي تعكس جوهر الوقف الإسلامي القائم على استدامة العطاء وتنمية الأثر عبر الزمن، من خلال استثمار الأصول الوقفية وتنمية ريعها، بما يحوّل كفالة الأيتام من دعم مؤقت إلى منظومة رعاية ممتدة عبر الأجيال.
وأوضح فضيلة الشيخ محمد حمد الغياثين، الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن الوقف في المفهوم الإسلامي لا يُنظر إليه كعمل خيري عابر، بل بوصفه نظامًا متكاملًا يقوم على حفظ الأصل وتنميته، ثم توجيه عوائده بانتظام وفق شرط الواقف، وهو ما يضمن استمرارية النفع، ويحقق استقرارًا حقيقيًا في حياة المستفيدين، ولاسيما الأيتام، الذين يحتاجون إلى رعاية طويلة الأمد تشمل الجوانب المعيشية والتعليمية والتربوية.

وأشار الغياثين إلى أن هذا النموذج الوقفي الذي تشرف عليه الإدارة العامة للأوقاف يعزز مفهوم التكافل الاجتماعي بأكثر صوره نضجًا، إذ ينتقل بالمجتمع من المساهمات المؤقتة إلى التخطيط طويل الأمد، ويمنح الواقفين فرصة المشاركة في صناعة أثر مستدام يمتد إلى ما بعد حياتهم، ويسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالة.
وبيَّن أن الاستثمار الوقفي يُعد الركيزة الأساسية لضمان هذا الاستمرار، سواء كان في الأصول العقارية، أو الأسهم، أو المشاريع الاقتصادية، أو حتى الأصول غير الملموسة، مثل الملكية الفكرية، وبراءات الاختراع، والحقوق المعنوية، مؤكدًا أن الوقف بطبيعته آلية مرنة تفتح آفاقًا واسعة لتنوع مجالات العطاء بما يتواكب مع مستجدات العصر، منوهًا إلى أهمية استحضار النية عند الوقف، بأن يجدد الواقف قصده بأن يبارك الله في هذا العمل، وأن يُخرج من بين هؤلاء الأيتام علماء وقادة وصناع نهضة، يسهمون في خدمة دينهم وأوطانهم، ويكون للواقف نصيب من هذا الأثر المتجدد، فالوقف في حقيقته استثمار في الإنسان والمجتمع وبناء لمستقبل الأمة ورعاية الأجيال القادمة.
وحول أهمية الوقف في الإسلام، أوضح أن الوقف يُعد من أعظم صور الصدقة الجارية؛ لكونه يقوم على مبدأ الاستمرارية والامتداد الزمني، ولا يتوقف أثره عند لحظة بعينها، بل يستمر ما دام الأصل قائمًا والعائد متدفقًا، وهذه الميزة تجعله مختلفًا عن غيره من صور العطاء، إذ يتحول إلى مورد دائم يخدم المستفيدين عبر سنوات طويلة.
ولفت إلى أن الأوقاف أسهمت تاريخيًا في بناء مؤسسات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وشكّلت أحد أعمدة الاستقرار المجتمعي من خلال توفير مصادر تمويل ثابتة تقلل من الاعتماد على الحلول الآنية.
وحول الفرق بين الوقف والعطاء المباشر في كفالة الأيتام، أوضح أن العطاء المباشر يلبي احتياجًا آنيًا، وله أجره العظيم، لكنه غالبًا ما ينتهي بانتهاء أثره، في حين أن الوقف يقوم على نظام رعاية مستقر يستثمر الأصل ويوجّه عوائده بشكل دوري، بما يضمن للطفل اليتيم استمرارية الدعم في التعليم والتربية والصحة والمعيشة، ويُحدث فرقًا نوعيًا في جودة حياته ومستقبله.
وبيّن الغياثين آلية عمل الوقف عمليًا في وقفية «كفالة يتيم»، موضحًا أن الأصل الوقفي لا يُستهلك، بل يُستثمر في مشروعات مستدامة تدر عوائد منتظمة تُصرف على الأيتام وفق شروط الواقفين، وأضاف أن هذا النموذج يضمن تجدد دائرة النفع، حيث يُعاد توجيه العوائد إلى أيتام جدد كلما استغنى مستفيدون سابقون، ما يجعل الوقف نظامًا متجددًا للكفالة يتوسع أثره بمرور الزمن.
ولتوضيح ذلك بشكل عملي: إذا قام شخص بوقف عقار، فإن هذا العقار يُؤجَّر أو يُستثمر، ويُستخدم ريعه السنوي لكفالة عدد من الأيتام، قد يصل إلى 100 يتيم أو أكثر. هذه الكفالة لا تتوقف عند فترة زمنية محدودة، بل تستمر في حياة الواقف وبعد مماته. ومع مرور الوقت، عندما يكبر بعض الأيتام ويحققون الاستقلالية بالعمل، ويستغنون عن الكفالة، يُعاد توجيه الريع وفق شرط الواقف إلى أيتام آخرين، وهكذا تتجدد دائرة النفع بشكل مستمر، لتشمل مئات بل آلاف الأيتام عبر الأجيال.
وهنا يتجلى الفرق الحقيقي: الوقف لا يكفل يتيمًا واحدًا فقط، بل يخلق نظامًا متجددًا للكفالة، يتوسع مع الزمن ويضاعف أثره.
وأكد أن ما يميز وقفية «كفالة يتيم» هو اعتمادها على نموذج مؤسسي احترافي يجمع بين الاستثمار والإدارة الرشيدة والتوجيه الشرعي، بما يعزز الثقة لدى الواقفين، ويضمن توجيه الموارد وفق أولويات واضحة وبأثر أكثر استقرارًا واتساعًا.
وتطرق إلى دور الوقف في تحقيق التنمية المستدامة، موضحًا أن الوقف التعليمي يضمن استمرار التعليم، والوقف الصحي يؤمّن العلاج، ووقف كفالة اليتيم يكفل الرعاية الاجتماعية، بما يؤسس لمنظومة مجتمعية متكاملة تقلل من الاعتماد على المساعدات الطارئة، وتدعم الاكتفاء والاستقرار.
وأكد الغياثين أن كفالة اليتيم مسؤولية إنسانية عميقة، وأن الوقف يمنحها بُعدًا استراتيجيًا يحوّلها إلى مشروع مستدام يعزز اليتيم في مختلف مراحل حياته، ويفتح الباب أمام الواقفين لترك أثر ممتد عبر الزمن.
واستشهد بما ورد في النصوص الشرعية من تأكيد على رعاية اليتيم، مؤكدًا أن الوقف يُجسد هذه التوجيهات عمليًا من خلال نظام دائم للرعاية، يضمن للطفل اليتيم حياة كريمة ومستقرة، كما أشار إلى نماذج تاريخية لأيتام كان لهم أثر بالغ في مسيرة الأمة، وفي مقدمتهم النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابي الجليل الزبير بن العوام رضي الله عنه، بما يبرهن أن اليتيم متى وجد الرعاية والتوجيه، يمكن أن يكون عنصرًا فاعلًا في نهضة المجتمع.
وذكر أن الإدارة العامة للأوقاف تتولى الإشراف الكامل على وقفية «كفالة يتيم» من حيث جمع الأوقاف واستثمارها وتوجيه عوائدها وفق الضوابط الشرعية، بالتنسيق مع الجهات المختصة، إلى جانب توفير قنوات متعددة للمساهمة، تشمل الوسائل الرقمية والميدانية. 
ونوه بأن الوقف فرصة عظيمة لصناعة أثر لا ينقطع، وباب واسع للأجر المستمر، ووسيلة لبناء مستقبل أفضل للأيتام، وتحقيق التكافل الحقيقي في المجتمع، حيث يتحول العطاء إلى منظومة مستدامة تصنع الفرق عبر الزمن.

Advertisements

قد تقرأ أيضا