الدوحة - سيف الحموري - استضاف الصالون الثقافي بمعرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين، ندوة بعنوان "نظرية الفنون وحوار المعنى"، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالفنون البصرية والفكر النقدي.
وتناولت الندوة، التي أدارها الكاتب محمد يوسف العركي، التحولات التي يشهدها العالم في مجال الثقافة البصرية، وعلاقة الفن بإنتاج المعنى والوعي، إلى جانب موقع الفنون التشكيلية داخل الثقافة العربية الحديثة، وما تعانيه من تهميش مقارنة بحضور الأدب والخطاب القائم على الكلمة.
وأكد الدكتور نزار شقرون المستشار بوزارة الثقافة، خلال الندوة، أن الصورة لم تعد مجرد عنصر جمالي أو وسيط بصري، بل تحولت إلى لغة مركزية في تشكيل المعرفة والوعي المعاصر، موضحا أن الإنسان اليوم يعيش داخل عالم تحكمه الصورة والإيقاع البصري أكثر من أي وقت مضى، سواء عبر الإعلام الرقمي أو وسائل التواصل أو الفنون الحديثة.
وأشار إلى أن المجتمعات العربية لا تزال متأخرة في بناء ثقافة بصرية حقيقية، نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية كرست مركزية الكلمة على حساب الصورة، وهو ما انعكس على موقع الفنون في الوعي العام، وعلى طبيعة المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية التي منحت الأدب والخطابة أولوية شبه مطلقة.
وتوقف الناقد والأكاديمي الدكتور نزار شقرون عند ما وصفه بـ "القطاع الهامشي" في الثقافة العربية، مبينا أن الفنان التشكيلي أو البصري ظل لفترة طويلة أقل حضورا وتأثيرا من الكاتب أو الشاعر أو المفكر المرتبط بالنص، رغم أن التحولات العالمية المعاصرة تؤكد أن الصورة أصبحت أحد أهم أدوات التأثير وصناعة الوعي.
وأوضح أن هذا الواقع لا يرتبط فقط بالمؤسسات الثقافية، بل أيضا بطريقة التربية والتنشئة، حيث تغيب التربية الجمالية عن المناهج التعليمية، ولا ينظر إلى الفن باعتباره مكونا أساسيا في بناء الإنسان، بل نشاطا ثانويا أو ترفيهيا.
ودعا إلى مراجعة عميقة للسياسات الثقافية والتربوية بما يعيد الاعتبار للفنون البصرية، ويؤسس لوعي نقدي جديد قادر على التعامل مع الثورة الرقمية والتحولات الكبرى في عالم الصورة، مؤكدا أن المجتمعات التي لا تنتج وعيا بصريا متقدما تصبح عرضة للاستهلاك السلبي للصور والمعاني القادمة من الخارج.
وفي سياق حديثه عن التراث العربي الإسلامي، تناول المحاضر قضية العلاقة بين السماع والبصر في الثقافة العربية، مشيرا إلى أن الثقافة الشفاهية هيمنت تاريخيا على طرق إدراك العالم وتفسيره، الأمر الذي أسهم في تراجع حضور الصورة والفنون البصرية داخل المجال الثقافي.
كما تطرق إلى فن المنمنمات العربية الإسلامية، متوقفا عند مدرسة بغداد ودور الفنان يحيى الواسطي، باعتبارها من أبرز التجارب الفنية التي منحت الصورة بعدا معرفيا وثقافيا داخل الحضارة العربية الإسلامية.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن تحرير العين العربية من الجمود والتهميش يمثل ضرورة ثقافية وحضارية، باعتبار العين ليست مجرد أداة حسية، بل حاملا للذاكرة والمعنى والخيال، وأن أي مشروع نهضوي معاصر لا يمكن أن يكتمل من دون إعادة الاعتبار للفنون والجماليات بوصفها جزءا من الحياة العامة ومن تكوين الإنسان العربي المعاصر.
