الدوحة - سيف الحموري -
إن رعاية الموهوبين والمتفوقين ليست مجرد مسؤولية تعليمية، ولا برنامج ينتهي بانتهاء المرحلة الدراسية، وإنما هي استثمار وطني طويل المدى في الإنسان، وفي مستقبل الوطن وقدرته على بناء اقتصاد المعرفة وصناعة الإنجاز والابتكار.
ومن هذا المنطلق، فإن دولة قطر تستحق الإشادة بما توليه من اهتمام بالطلبة الموهوبين والمتفوقين، وما تقدمه لهم من فرص وبرامج تسهم في اكتشاف مواهبهم، وتنمية قدراتهم، وإبراز إنجازاتهم، ودعمهم خلال مراحل التعليم المختلفة وحتى المرحلة الجامعية.
وهذه الجهود محل تقدير، وهي دليل على أن بناء الإنسان وتنمية قدراته يمثلان أولوية مهمة في مسيرة التنمية الوطنية.
ولكن، مع كل هذا الاهتمام، يبقى سؤال مهم يستحق أن نطرحه للمستقبل:
ماذا يحدث للموهوب بعد التخرج الجامعي؟
هل تنتهي رحلة رعايته عند حصوله على الشهادة؟
أم أن هناك مرحلة أخرى ينبغي أن تكتمل بها منظومة رعاية الموهوبين، وهي متابعته وتوجيهه وتمكينه من الوصول إلى المجال المهني الذي يتناسب مع موهبته وتخصصه وقدراته؟ هنا تكمن أهمية الخطوة الأخيرة في رحلة الموهوب.
فقد نكتشف طالبًا موهوبًا في سن مبكرة، ونساعده على تطوير قدراته، ونوفر له البرامج التدريبية والمسابقات والفرص التي تصقل مهاراته، ثم يختار تخصصًا جامعيًا يتناسب مع ميوله وموهبته، ويحقق إنجازات متميزة خلال دراسته.
ولكن ماذا لو وصل إلى نهاية الرحلة التعليمية ولم يجد من يتابع مساره المهني؟ ماذا لو كانت موهبته في مجال يحتاجه الوطن، ولكن انتهى به المطاف إلى وظيفة بعيدة عن تخصصه أو قدراته؟ وماذا لو ضاعت سنوات الرعاية والتطوير لأن الموهوب لم يجد الطريق الذي يقوده إلى المكان الذي يمكن أن يقدم فيه أفضل ما لديه؟
إن اكتشاف الموهبة هو البداية، ورعايتها مرحلة مهمة، لكن استثمارها هو الهدف النهائي. الموهبة لا ينبغي أن تتوقف عند بوابة الجامعة، من المهم أن ننظر إلى الطالب الموهوب باعتباره مشروعًا وطنيًا للمستقبل، وليس مجرد طالب متفوق في مرحلة تعليمية معينة فالطالب الذي أظهر موهبة في البحث العلمي قد يصبح باحثًا متميزًا. والذي برز في التكنولوجيا والبرمجة والذكاء الاصطناعي قد يكون أحد صناع التحول الرقمي. والذي امتلك قدرات قيادية استثنائية قد يصبح قائدًا واعدًا في مؤسسات الدولة، والذي تميز في الهندسة أو الطب أو الاقتصاد أو الإعلام أو الأدب أو الرياضة أو غيرها من المجالات، قد يمتلك طاقات كبيرة يمكن أن تتحول إلى إنجازات وطنية إذا وجد المكان المناسب والفرصة المناسبة.
إن السؤال يجب ألا يكون فقط: كيف نكتشف الموهوب؟ بل يجب أن نضيف إليه: كيف نتابعه؟ وكيف نوجهه؟ وأين نضعه؟ وكيف نضمن أن يستثمر الوطن موهبته بأفضل صورة؟
من هنا تأتي فكرة إنشاء أو تطوير مسار وطني متكامل لرعاية الموهوبين، يبدأ من المدرسة ويستمر إلى الجامعة، ثم يمتد إلى سوق العمل، مسار يجعل لكل موهوب رحلة واضحة: اكتشاف، تقييم، رعاية، تطوير، توجيه، تخصص، تدريب، ترشيح، توظيف، متابعة، ويمكن أن يكون للموهوب ملف وطني أو سجل موهبة يرافقه منذ اكتشاف موهبته، ويضم إنجازاته ومشاركاته ومهاراته واهتماماته وتخصصه الجامعي وطموحاته، بحيث تكون لدى الجهات المعنية صورة متكاملة عن قدراته ومسيرته.
وقبل التخرج الجامعي، تبدأ مرحلة مهمة من التوجيه والربط المهني، من خلال دراسة العلاقة بين: موهبة الطالب، تخصصه الجامعي، مهاراته، إنجازاته، ميوله، احتياجات سوق العمل، الأولويات الوطنية، ومن ثم يمكن توجيهه أو ترشيحه للجهة التي تتناسب مع قدراته، وإتاحة فرص التدريب والتأهيل العملي له، بحيث لا يبدأ حياته المهنية من نقطة الصفر، وإنما يدخل سوق العمل وهو يعرف أين يستطيع أن يكون أكثر عطاءً وإبداعًا.
إن الهدف ليس وظيفة للموهوب بل المكان المناسب، ولابد من التأكيد أن المقصود ليس منح الموهوب وظيفة لمجرد امتلاكه موهبة، وإنما مساعدته على الوصول إلى المجال الذي تتوافق فيه موهبته مع تخصصه وقدراته واحتياجات الوطن، وفق معايير واضحة وعادلة.
فالنجاح الحقيقي ليس أن يحصل الموهوب على وظيفة فحسب، وإنما أن يحصل على الفرصة التي تمكنه من تقديم أفضل ما لديه.
وهنا تتحول رعاية الموهوب من مجرد برنامج تعليمي إلى استثمار وطني مستدام في الكفاءات البشرية.
شراكة وطنية
إن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب تعاونًا وتكاملًا بين الجهات المعنية بالتعليم والجامعات والتوظيف والموارد البشرية والجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية والقطاع الخاص، فالمدرسة تكتشف، والجامعة تطور وتصقل، والجهات المتخصصة تتابع وتوجه، ومؤسسات الدولة وسوق العمل توفر الفرصة، وبهذا تتكامل حلقات الرحلة، ولا تسقط الحلقة الأخيرة.
رسالة تقدير وطموح للمستقبل
إن طرح هذا الموضوع لا يعني بأي شكل من الأشكال التقليل من الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة والمسؤولون في مجال رعاية الموهوبين، بل يأتي انطلاقًا من تقدير هذه الجهود والرغبة في استكمالها والبناء عليها.
لقد قطعنا شوطًا مهمًا في اكتشاف الموهوبين ورعايتهم وتنمية قدراتهم والطموح الآن أن نقطع الشوط الأخير: من رعاية الموهبة إلى تمكينها ومن اكتشاف الموهوب إلى استثمار قدراته. ومن الاحتفاء بإنجازاته إلى وضعه في المكان الذي يستطيع فيه أن يصنع إنجازًا جديدًا لوطنه.
إن الوطن الذي يستثمر في موهبة طالب لسنوات طويلة، جدير بأن يحرص على ألا تضيع هذه الموهبة بعد التخرج، فكل طالب موهوب هو قصة نجاح محتملة، وكل موهبة يمكن أن تكون مشروعًا لإنجاز وطني، وكل إنجاز يمكن أن يضيف لبنة جديدة في بناء المستقبل.
وفي الختام
ربما يكون الوقت مناسبًا لأن ننتقل من السؤال: “كيف نكتشف الموهوب؟ إلى سؤال أكبر: كيف نضمن أن يصل الموهوب إلى المكان الذي يحتاجه الوطن، ويستطيع فيه أن يقدم أفضل ما لديه؟
فالموهوب ليس مجرد طالب متفوق نحتفي به اليوم، وإنما ثروة وطنية ينبغي أن تمتد رعايتها من مقاعد الدراسة إلى ميادين العمل، وإذا اكتشفناه مبكرًا، ورعيناه، ونمّينا قدراته، وساعدناه على اختيار تخصصه، ثم تابعناه حتى يصل إلى العمل الذي يناسبه؛ فإننا نكون قد أكملنا دائرة الاستثمار في الإنسان وعندها فقط تكتمل رحلة الموهبة: من الاكتشاف إلى الرعاية، ومن الرعاية إلى التمكين، ومن التمكين إلى الإنجاز، ومن الإنجاز إلى خدمة الوطن.
وهذه هي الغاية الأسمى التي نطمح إليها جميعًا. حفظ الله قطر، وأدام عليها نعمة الأمن والعطاء، ووفق أبناءها الموهوبين ليكونوا ذخراً لوطنهم وقادة لمستقبل.
