الدوحة - سيف الحموري - أكد متحدثون في الجلسة الثانية من أعمال المؤتمر العالمي السادس للتحكيم الدولي، أهمية تعزيز دور الوساطة باعتبارها إحدى أبرز الآليات البديلة لتسوية المنازعات، لما توفره من مرونة وسرعة وفاعلية في الوصول إلى حلول توافقية، بما يسهم في اختصار الوقت والتكاليف، والحفاظ على العلاقات التجارية والتعاقدية بين أطراف النزاع.
وناقشت الجلسة، التي أدارها المهندس سعد حجازي، أمين مجلس الأمناء في المعهد الملكي للمحكمين المعتمدين لمنطقة الشرق الأوسط، تطور منظومة الوساطة في دولة قطر، وأثر التشريعات المنظمة لها في تعزيز ممارستها، إلى جانب التحديات الثقافية والمهنية التي تواجه انتشارها، وفرص التكامل بينها وبين التحكيم، بما يدعم تطور منظومة متكاملة لبدائل تسوية المنازعات.
أنيليس فلكنشتاين: الوساطة تختصر الطريق أمام تسوية المنازعات
أكدت أنيليس فلكنشتاين، المستشار القانوني الأول في المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID)، أن اللجوء إلى التحكيم في المنازعات التي تنتهي بالتسوية قد يفرض على الأطراف مساراً طويلاً ومكلفاً، في حين كان من الممكن الوصول إلى النتيجة ذاتها من خلال آليات أكثر مباشرة ومرونة، وفي مقدمتها الوساطة.
وأوضحت أن ذلك لا يعني أن التحكيم يمثل خياراً غير ناجح، وإنما يؤكد أهمية توفير مسارات موازية تتيح للأطراف تسوية خلافاتهم بصورة توافقية، وفقاً لطبيعة كل نزاع واحتياجات أطرافه.
وأشارت إلى اعتماد مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم قواعد الوساطة الخاصة به في يوليو 2022، في خطوة تعكس الاهتمام بتوسيع نطاق الخيارات المتاحة أمام المتنازعين، وتعزيز ثقافة الحلول الودية.
ولفتت إلى أهمية التجربة القطرية في هذا المجال، خاصة أن دولة قطر كانت من أوائل الدول التي صادقت على اتفاقية سنغافورة بشأن الوساطة، بما يعزز حضورها في الجهود الدولية الرامية إلى تطوير آليات تسوية المنازعات التجارية.
أحمد الأنصاري: ضرورة توسيع تطبيق الوساطة في القطاع العام
من جانبه، أكد المهندس أحمد الأنصاري، مؤسس شركة لاغون قطر ومحكم بمركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم، أن الوساطة تمثل خياراً مهماً لتسوية المنازعات، لا سيما في القطاع الخاص، لما توفره من فرص للحفاظ على العلاقات التعاقدية واستمرار الأعمال، والوصول إلى حلول تحقق مصالح الأطراف وتحد من الخسائر الناتجة عن النزاعات الطويلة.
وفي المقابل، وصف تجربة تطبيق هذا النهج في القطاع العام بأنها لا تزال محدودة، مشيراً إلى أن بعض ممثلي الجهات الحكومية لا يتقبلون حتى مبدأ التفاوض للوصول إلى تسويات ودية، رغم وجود خيارات وإجراءات تعاقدية تتيح معالجة الخلافات بعيداً عن المسارات القضائية والتحكيمية.
وشدد الأنصاري على ضرورة تعزيز مشاركة القطاع العام في منظومة الوساطة، والعمل على إدراجها بصورة أوسع ضمن العقود والخيارات المتاحة لتسوية المنازعات، بما يرسخ ثقافة الحلول التوافقية ويحد من تصعيد الخلافات إلى إجراءات التقاضي أو التحكيم.
جيمس ماكفيرسون: الحلول بيد أطراف النزاع والوسيط يهيئ الطريق
بدوره، أوضح جيمس ماكفيرسون، الوسيط الدولي في مؤسسة الخليج للوساطة المحدودة، أن جوهر الوساطة يقوم على استقلالية أطراف النزاع وامتلاكهم القدرة على صياغة الحلول التي تتناسب مع مصالحهم، مؤكداً أن دور الوسيط لا يتمثل في فرض تسوية معينة، وإنما في تيسير الحوار وتهيئة البيئة المناسبة للتفاوض واتخاذ قرارات مستنيرة تستند إلى معايير موضوعية.
وأشار إلى أن الوساطة تساعد على الكشف عن المصالح الحقيقية والمواقف غير المعلنة للأطراف، وفتح قنوات التواصل بينهم، بما يسهم في بناء الثقة وإعادة ترميم العلاقات التجارية التي قد تتأثر نتيجة النزاعات.
ورأى أن جمع الأطراف في غرفة واحدة يمثل الخيار الأمثل في كثير من الحالات، مع إمكانية اللجوء إلى جلسات منفصلة عندما تقتضي طبيعة النزاع ذلك، مشيداً بتجربة دولة قطر في تبني الوساطة وتعزيز حضورها على المستويات المؤسسية والقانونية والمجتمعية.
كما نوه بدور مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم والمحاكم في دعم هذا المسار، وتوفير البيئة المناسبة لتوسيع نطاق اللجوء إلى الوساطة باعتبارها أداة فعالة لتسوية المنازعات.
الدكتور محمد أبوالفرج: قانون الوساطة لعام 2021 أسس لمرحلة جديدة في قطر
من جهته، استعرض الدكتور محمد سالم أبوالفرج، أستاذ القانون التجاري المشارك في جامعة قطر، تطور ممارسة الوساطة في دولة قطر قبل صدور القانون رقم 20 لسنة 2021 بشأن الوساطة في تسوية المنازعات المدنية والتجارية وبعده، موضحاً أن الوساطة كانت تمارس سابقاً بصورة غير منظمة، من خلال تدخلات ودية لتقريب وجهات النظر بين الشركات وتسوية الخلافات، قبل الانتقال إلى التحكيم في حال تعذر التوصل إلى اتفاق.
وأوضح أن صدور القانون أسهم في معالجة عدد من الفراغات التشريعية، من خلال وضع إطار قانوني ينظم إجراءات الوساطة، ويعزز سرية جلساتها، ويوفر الحماية للأطراف والوسيط، فضلاً عن منح اتفاقات التسوية قوة تنفيذية، بما يعزز الثقة في هذه الآلية ويشجع على استخدامها.
وتناول أبوالفرج الركائز الأساسية التي يقوم عليها القانون، وفي مقدمتها الطوعية والسرية وحماية إجراءات الوساطة، مستعرضاً تطور المسار المؤسسي والقضائي لتطبيقها في قطر، والدور الذي يؤديه مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم ومحكمة الاستثمار والتجارة في دعم هذه المنظومة.
وأشار إلى أن انتشار الوساطة لا يزال يواجه تحديات ثقافية وإجرائية ومهنية، الأمر الذي يتطلب مواصلة الجهود التوعوية والتشريعية، وتعزيز التأهيل المهني للوسطاء، بما يسهم في ترسيخ الوساطة كخيار أصيل وفعال لتسوية المنازعات المدنية والتجارية.
