الأمير الوالد حسم قرار تسليم السلطة قبل موعده بعامين ونصف.. حمد بن جاسم: فقيد الوطن كان يعتبر قطر عائلته الكبيرة

الدوحة - سيف الحموري - طموح الأمير الوالد وضع الإنسان القطري في أحسن دخل وتعليم وصحة

Advertisements

أوصى قبل وفاته باستمرار المساعدات الإنسانية من ماله الخاص

بعدما ترك السلطة سحب نفسه تماما من المشهد 

كان يذهب في رمضان بالليل لشرب الكرك من محل بجوار استاد الدوحة

 

أكد معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الأسبق، أن المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان قائدا استثنائيا جمع بين الحزم والإنسانية، وكرس حياته لخدمة دولة قطر وبناء نهضتها الحديثة، مشيرا إلى أن ما تحقق خلال عهده يمثل تسجيلا نادرا في التاريخ الحديث.
وقال معاليه في مقابلة مع تلفزيون قطر: إن الأمير الوالد لم يكن يفكر في بناء مرحلة حكمه فحسب، بل كان يخطط لمستقبل الدولة لعقود قادمة، وهو ما تجسد في مشروع النهضة الشاملة التي شملت مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية، وصولا إلى القرار التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في خطوة وصفها بأنها تعكس رؤية قائد يخطط لوطنه لا لنفسه.

واستهل معالي الشيخ حمد بن جاسم حديثه بالتأكيد على أن الأمير الوالد كان يعتبر قطر عائلته الكبرى، وقال: «أنا أعزي عائلته الكبيرة قطر، فهو كان دائما يعتبر قطر عائلته، وهذه كانت من الأساسيات عنده».
وأضاف أن شخصية الأمير الوالد جمعت بين القيادة والإنسانية، موضحا: «هو قائد وإنسان في نفس الوقت، قائد عندما يكون هناك لزوم لهذا الموقف، فتجده واقفا في مواقف كثيرة، وعندما تجد المواقف الإنسانية تجده أيضا في المقدمة، في المواقف الإنسانية والاجتماعية».
وأشار إلى أن الأمير الوالد كان قائدا متعدد المواهب، كرس نفسه لخدمة الوطن، وكان ينظر دائما إلى المستقبل، مضيفا: «كان يوزع الأدوار كقائد في الميدان، وكان يثق بمن يعمل معه، ويتألم إذا خذله أحد، أما الأخطاء فكان دائما يتصدرها هو، ولا يضعها على أحد، ويكون هو كبش الفداء، وهذه ميزة كانت مهمة جدا عند الشيخ حمد».
وأضاف أن أكثر ما كان يؤلمه ليس الخطأ، وإنما خذلان الأشخاص الذين منحهم ثقته، مشيرا إلى أنه كان يتعامل مع فريق العمل بروح القائد الذي يقود الميدان بنفسه.

أحلام أكبر
وأكد معالي الشيخ حمد بن جاسم أن الأمير الوالد كان يؤمن بالأحلام الكبيرة، حتى عندما كانت الإمكانات المتاحة لا تبدو كافية لتحقيقها.
واستذكر بدايات مشروع الغاز الطبيعي المسال، قائلا إن الفريق كان يتحدث عن إنتاج ستة ملايين طن فقط، بينما كان الأمير الوالد يريد أن تجاوز ثلاثين مليون طن، رغم أن الدولة في ذلك الوقت كانت تواجه تحديات مالية كبيرة، مضيفا «كان يقول: لا... نجيب فلوس ونعملها».
وأوضح أن الأمير الوالد راهن مبكرا على الغاز، في وقت لم يكن يمثل سلعة استراتيجية كما هو اليوم، لكن رهانه كان مبنيا على رؤية اقتصادية بعيدة المدى.
وتابع بالقول: «كان الأمير الوالد عنده طموح معين، أنه يريد أن يضع الإنسان القطري في الأعلى في كل شيء، وأريد أحسن دخله، وأريد أحسن تعليمه، وأريد أحسن الصحة.»
وأضاف أن هذه الرؤية كانت تتطلب أموالا كبيرة ولذلك كان الأمير الوالد يتحدث دائما عن «حرق المراحل»، عبر تنفيذ أكثر من مشروع في الوقت نفسه لتسريع عملية التنمية.
وأشار إلى أن النهضة التي شهدتها قطر شملت مختلف القطاعات، من تطوير صناعة الطاقة، إلى إنشاء المطار الجديد، وميناء حمد، والمدينة التعليمية، والمستشفيات، وتوسعة البنية التحتية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطن القطري.

قرار التنحي
وأكد معالي الشيخ حمد بن جاسم أن قرار الأمير الوالد بتسليم السلطة لم يكن وليد لحظته، مضيفا «هو عندما استلم السلطة قال لي: أنا بترك وأنا قوي، عندما أجد الكفاءة في ولي العهد».
وكشف معالي الشيخ حمد بن جاسم أن الأمير الوالد حسم قراره بتسليم السلطة «قبل التغيير بسنتين ونصف تقريبا فتح معي الموضوع، وقال لي إنه قرر، وحدد التاريخ قبلها بسنتين وشهرين». 
وأوضح أن الإعلان تأخر نحو ثلاثة أشهر بسبب ظروف إقليمية مرتبطة بتداعيات الربيع العربي وبعض الاعتبارات الصحية، إلا أن القرار ظل ثابتا، مضيفا: «كان الخط واضحا قبلها، واستمر في أن أي موضوع يأتينا يذهب إلى الأمير القادم».
وأكد أن الأمير الوالد سلّم السلطة وهو في حالة من الارتياح والفخر، بعدما لمس قدرة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على إدارة شؤون الدولة بكفاءة عالية، ثم ابتعد تماما عن المشهد، وقال: «بعد ما ترك السلطة سحب نفسه تماما من المشهد».
وأضاف أن الأمير الوالد كان يحرص بعد كل أزمة على الإشادة بأسلوب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في إدارتها، وكان يقول له: «شوف كيف الآن عالج الموضوع بهدوء، ولكن بنفس الثبات، بدون تغيير».
وأكد أن الأمير الوالد كان سعيدا بما تحقق للدولة في سنوات ما بعد انتقال السلطة، وأن هذا الشعور بالطمأنينة كان يرافقه حتى أيامه الأخيرة، في ظل التفاف العائلة حوله وحرص سمو الأمير المفدى على متابعته باستمرار.
وفي تقييمه لإرث الأمير الوالد، قال معالي الشيخ حمد بن جاسم: «أعتقد أن التاريخ سينصف حمد بن خليفة كثيرا، لأنه ترك الحكم منذ 13 سنة، وكأنه اليوم عندما توفي تأثر الناس كأنه أب لهم».
وأضاف أن حجم التفاعل الشعبي والحزن الذي عمّ البلاد يعكس المكانة الاستثنائية التي احتلها الأمير الوالد في قلوب القطريين.

مشاريع البنية التحتية
وعن الملفات التي أوكلها الأمير الوالد إلى صاحب السمو الشيخ تميم عندما كان وليا للعهد، أوضح معاليه أن معظم مشاريع البنية التحتية الكبرى اكتمل تنفيذها بعد انتقال السلطة، وعلى رأسها توسعة مطار حمد الدولي، واستكمال ميناء حمد، وشبكات الطرق، والمستشفيات، والمنشآت الرياضية، موضحا: «كل هذه المشاريع تمت وأنجزت في مرحلة الشيخ تميم».
وأضاف أن هذا يؤكد أن «المسيرة واحدة والخط واحد»، وأن ما تحقق لاحقا كان امتدادا طبيعيا للرؤية التي وضع أسسها الأمير الوالد، مع إضافات جديدة قادها صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد.
وأكد معاليه أن أحد أعظم إنجازات الأمير الوالد تمثل في تحويل قطر من دولة محدودة الحضور إلى لاعب معروف على الساحة الدولية.
وقال: «في السابق إذا كنت في الخارج وقلت إنك قطري، كنت تحتاج أن تشرح أين تقع قطر، أما اليوم فالمنطقة تُعرف بقطر، وليس العكس».
 قال معالي الشيخ حمد بن جاسم إن الأمير الوالد «كان قليل النوم، والعمل بالنسبة له جزء من متعته، وكان يخرج ليتابع المشاريع بنفسه، ويرى من أنجز ومن لم ينجز»، معتبرا أن «هذا شخص قائد صعب تكرار شخص مثله».

الدبلوماسية القطرية
وبشأن الدبلوماسية القطرية في عهد فقيد الوطن الكبير، أكد معالي الشيخ حمد بن جاسم أن «الوساطات بدأت، وكان فيه للأسف استهزاء من دول كثيرة ليش قطر تقوم بهذا الدور؟ وهذا الدور كان مبدأ لحمد بن خليفة، فاللجوء إلى قطر إذا كان فيه أحد مظلوم في أي مكان كان مبدأً رسخه».
وأضاف أن قطر بدأت وساطاتها في عدد من الملفات المعقدة، من بينها السودان، وإريتريا، وجيبوتي، ولبنان، إضافة إلى استضافة الاتصالات الأولى بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، موضحا أن «الهدف كان أن تكون قطر مصبا للدبلوماسية التصالحية بين الدول وحل المشكلات، وهذا أعطى هوية لقطر، حتى أصبحت اليوم لا تستطيع أن تتجاوز قطر إذا أردت حلا».
وأشار إلى أن العمل الدبلوماسي القطري تطور من جهود واجتهادات شخصية في البدايات إلى عمل مؤسسي متكامل، قائلاً: «في البداية كانت اجتهادات شخصية، أما الآن فأصبحت مؤسسة تعمل للتصالح ولحل القضايا الإقليمية والدولية».

وصايا الأمير الوالد
وحول أبرز الوصايا التي تركها الأمير الوالد، قال معالي الشيخ حمد بن جاسم إن الأمير الوالد «كان دائما يقول المقياس قطر... كل شيء قياسه على قطر»، مضيفا «كان لا يمانع أن تواجهه، وأن تتحدث معه، وأن تنتقده بشكل مباشر، لكن لا تهدم الدولة».
وتحدث معاليه عن شخصية الأمير الوالد في إدارة الملفات السياسية، مؤكدا أنه كان صريحا وثابتا في مواقفه حتى مع قادة الدول الكبرى.
وأوضح أن هذه الصراحة كانت سببا في بعض الخلافات السياسية، لكنها كانت دائما تنطلق من الحرص على الإصلاح، والدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن الأمير الوالد ظل قبل وفاته يوصي باستمرار المساعدات الإنسانية من ماله الخاص، إلى جانب الجهود الرسمية التي تبذلها الدولة.

المواطن أولا
ومن المواقف التي استعرضها معالي الشيخ حمد بن جاسم، حرص الأمير الوالد على صرف رواتب الموظفين في موعدها، حتى في أصعب الظروف الاقتصادية، قائلا «كان يقول: ادفعوا الرواتب في وقتها، لأن تأخيرها يوما واحدا قد يسبب مشكلة للناس، وهذا لا أقبله».
واستعرض معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني جانبا من شخصية الأمير الوالد بعد تركه الحكم، قائلا: «كنا في رمضان نطلع ونروح لحياة قطر القديمة، وفجأة قال لي: فيه واحدة عجوز هناك داخل البيت عندها ممرضة على كرسي. قلت له: أنا ما شفت. قال: لا... ارجع بالسيارة».
وأضاف أن الأمير الوالد عاد بنفسه إلى المنزل، وطلب من مرافقيه عدم الدخول، وقال: «قال لي: ادخل، وبلغوا اللي ورانا محد يدخل، بس أنا وسيارتي».
وأوضح أن الأمير الوالد دخل على السيدة المسنة، وسلّم عليها وسألها عن أحوالها، قائلاً: «قال لها: يما... أنتِ محتاجة شيء؟» فأجابته: «لا والله، ما يقصرون، أنا الحمد لله، حاطين لي ممرضة وأنا مرتاحة».
وأشار معالي الشيخ حمد بن جاسم إلى أن الأمير الوالد، فور مغادرته المنزل، وجه بتقديم مساعدة مالية لها، مضيفا: «تفاجأت بالمبلغ، وذكر لي أحد أحفادها بعد ذلك أنها كانت فعلا بحاجة إليه، ووصلها من دون أن تطلب شيئا».
وأكد أن مثل هذه المواقف كانت تتكرر باستمرار، مستذكرا حرص الأمير الوالد على زيارة الأماكن الشعبية، وقال: «كنا لسنوات طويلة نروح في الليل، خصوصا في رمضان، إلى محل صغير بجانب استاد الدوحة، عند واحد هندي يسوي كرك». 
وأشار إلى أن اهتمام الأمير الوالد بإرسال المساعدات إلى غزة، موضحا «يقول أرسلوا لحوما طازجة، وأقول له يا طويل العمر يوقفوها على الحدود أسبوع وتخرب»، مضيفا «كان يبغي أحسن اللحوم، وكان لازم نرسل «شيء معلب»، لأنه كان يحرص أنه إذا يعطي شي، يكون شي زين، أجود شي، وأحسن حاجة، فدائما كان عنده الدقة».

أخبار متعلقة :