الدوحة - سيف الحموري - بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على انطلاقة قناة الجزيرة في الأول من نوفمبر 1996، أكد أكاديميون وإعلاميون وخبراء أن القناة مثّلت محطة مهمة وفارقة في تاريخ الإعلام العربي، وأسهمت في إحداث تحولات جوهرية في الممارسة الصحفية، سواء على مستوى التغطية الإخبارية الميدانية، أو تعددية الآراء، أو توسيع مساحة النقاش العام.
وقال في تصريحات لـ«العرب» إن تجربة الجزيرة تجاوزت حدود نقل الأخبار إلى إعادة صياغة علاقة الجمهور بالمعلومة، من خلال الاقتراب من الأحداث، وطرح الأسئلة، وفتح الملفات التي تشغل الرأي العام، وإبراز البعد الإنساني للقضايا. ونوهوا بأن شعار «الرأي والرأي الآخر» شكّل أحد أبرز ملامح هويتها المهنية، فيما أسهم انتشارها الدولي وتطور منصاتها الرقمية في توسيع دائرة تأثيرها والوصول إلى أجيال جديدة. واعتبروا أن الاحتفاء بمرور ثلاثة عقود على انطلاقتها يمثل فرصة لتقييم تجربة إعلامية تركت بصمتها في المشهدين العربي والدولي، واستشراف تحديات مستقبل الإعلام.
أ.د. خالد آل شافي: ثلاث ثورات إعلامية لـ «الجزيرة»
قال الأستاذ الدكتور خالد آل شافي، أستاذ الإعلام ورئيس تحرير صحيفة «ذا بيننسولا»، إن تجربة شبكة الجزيرة، التي تحتفل في الأول من نوفمبر بمرور 30 عامًا على انطلاقتها عام 1996، أحدثت تحولًا جوهريًا في الممارسة الإعلامية العربية، وأسهمت في تغيير قواعد العمل الصحفي على مستوى التغطية الإخبارية والبرامج الحوارية والتحقيقات الاستقصائية.
وأوضح آل شافي في تصريح لـ «العرب» أن الإضافة الأبرز للجزيرة تمثلت في إحداث ثلاث ثورات إعلامية؛ أولها في التغطية الإخبارية، حيث نقلت الإعلام العربي من الاعتماد على البيانات والتصريحات الرسمية إلى التغطية الميدانية المباشرة، وكسر احتكار الصورة، من خلال نقل الأحداث من مواقعها المختلفة وإتاحة المجال لرؤية أطراف متعددة، فضلًا عن تكريس مفهوم البث الإخباري المتواصل على مدار 24 ساعة، وتوسيع شبكة المراسلين لتشمل العواصم والمدن والمناطق التي لم تكن تحظى بحضور إعلامي كافٍ. كما أسهمت في توسيع مفهوم المشاركة الإعلامية، من خلال إتاحة المجال أمام الجمهور للمساهمة في نقل الأحداث بالصورة والمادة المصورة.
وأضاف أن الثورة الثانية تجسدت في البرامج الحوارية، التي نقلت الحوار العربي من الصيغة البروتوكولية القائمة على المجاملة والإجابات المحسوبة إلى المواجهة المباشرة وطرح الأسئلة الصعبة وبرز ذلك في برامج مثل «الاتجاه المعاكس» الذي قدمه الإعلامي فيصل القاسم، و«بلا حدود» الذي قدمه الإعلامي أحمد منصور، إلى جانب برنامج «شاهد على العصر»، الذي أسهم في ترسيخ المقابلات القائمة على الشهادة التاريخية واستضافة صناع الأحداث لسرد تجاربهم وقراءة محطات التاريخ المعاصر. وأشار إلى أن هذه التجربة أسهمت في توسيع مساحة الاختلاف العلني، وتعزيز قبول الرأي والرأي الآخر في النقاش العام.
وأشار آل شافي إلى أن الثورة الثالثة تمثلت في تطوير التحقيقات الاستقصائية، والانتقال من مجرد نقل الخبر إلى البحث فيما وراءه، من خلال توظيف الوثائق والتحليل والتحقق والأدوات الصحفية المتخصصة، وتقديم تحقيقات معمقة تناولت قضايا وملفات ذات أهمية. كما أسهمت المنصات الوثائقية في توسيع حضور الفيلم الوثائقي العربي، وفتح آفاق جديدة أمام الإنتاج الإعلامي المتخصص.
وأكد أن تأثير الجزيرة تجاوز حدود المنافسة بين القنوات، ليترك انعكاسات بنيوية على المشهد الإعلامي العربي؛ إذ أسهمت تجربتها في رفع سقف التغطية والنقاش، ودفع مؤسسات إعلامية أخرى إلى تطوير لغتها وأساليبها التحريرية وتوسيع مساحة الحوار، كما شكلت مدرسة مهنية أسهمت في إعداد أجيال من الإعلاميين والصحفيين الذين انتقلوا إلى مؤسسات وقنوات عربية مختلفة.
ولفت إلى أن الجزيرة ساعدت كذلك في بناء سوق إعلامية عربية أكثر اتساعًا، من خلال تعزيز الاستثمار في الإنتاج الإخباري والبرامجي واستقطاب الكفاءات المهنية، فضلًا عن تدويل الخطاب الإعلامي العربي عبر إطلاق قناة الجزيرة الإنجليزية عام 2006، ثم المنصات الرقمية، وفي مقدمتها «AJ+»، بما أتاح تقديم الرواية العربية إلى جمهور عالمي بلغات متعددة، وتعزيز حضورها في النقاشات الإعلامية الدولية.
واختتم الأستاذ الدكتور خالد آل شافي تصريحه بالقول إن «الجزيرة» لم تأتِ لتضيف قناة جديدة إلى المشهد الإعلامي العربي، بل لتغير قواعد هذا المشهد نفسه، من حيث من يمتلك حق الحديث، ومن يملك القدرة على نقل الصورة، ومن يستطيع طرح الأسئلة ومساءلة الروايات السائدة، وهو ما يجعل مرور ثلاثين عامًا على انطلاقتها مناسبة لاستحضار أثرها في تشكيل الإعلام العربي المعاصر.
إيمان الكعبي: رسّخت تعددية الأصوات
أكدت الإعلامية إيمان الكعبي، مدير الملتقى القطري للمؤلفين، أن سر ريادة قناة الجزيرة يكمن في قدرتها على إحداث تحول في علاقة المشاهد بالخبر، فلم يعد المتلقي مجرد مستمع للمعلومة، بل أصبح شريكًا في طرح الأسئلة والبحث عن الإجابات وفهم ما يجري حوله، مشيرة إلى أن شعار «الرأي والرأي الآخر» الذي ارتبط بانطلاقة القناة مثّل رؤية مهنية قائمة على تعدد الأصوات وإتاحة مساحة أوسع للحوار والنقاش، واحترام حق الجمهور في الوصول إلى المعلومة من زوايا مختلفة. وقالت الكعبي بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على انطلاقة الجزيرة، إن الحضور الميداني والاقتراب من الحدث كانا من أبرز عناصر قوة القناة، فالمراسل الذي ينقل الصورة من قلب الميدان لا يقدم مجرد خبر، بل ينقل تفاصيل المشهد الإنساني والسياسي والاجتماعي، ويمنح المتلقي فرصة لفهم أبعاده بصورة أكثر عمقًا. وأضافت أن اهتمام الجزيرة بالإنسان، وتسليط الضوء على قصصه ومعاناته وتطلعاته، أسهما في بناء علاقة وثيقة مع الجمهور، تجاوزت حدود المتابعة التقليدية، وجعلت قضاياه جزءًا أساسيًا من التغطية الإعلامية. وأوضحت أن ما عزز مصداقية الجزيرة لدى قطاعات واسعة من الجمهور هو قدرتها على طرح الأسئلة الصعبة، وفتح الملفات التي تستحق النقاش، وعدم الاكتفاء بنقل الحدث، بل العمل على وضعه في سياقه السياسي والتاريخي والاجتماعي، وتناول تداعياته وأبعاده المختلفة. فالمصداقية، بحسب رأيها، لا تُبنى بنقل المعلومات فحسب، وإنما بالتحقق منها، وتقديم وجهات النظر المتعددة، والالتزام بالمعايير المهنية في معالجة القضايا. وحول امتداد تأثير الجزيرة إلى المستوى العالمي، أشارت الكعبي إلى أن ذلك يرتبط بقدرتها على تقديم قضايا المنطقة من منظور قريب من مجتمعاتها، وإيصال أصواتها إلى جمهور دولي أوسع، إلى جانب مواكبة التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام، والتوسع في المنصات الرقمية.
محمد المري: حافظت على ريادتها بوضوح الرسالة والقيم المهنية
أوضح الإعلامي محمد بن سلعان المري أن شبكة الجزيرة حافظت على ريادتها الإعلامية على مدى ثلاثة عقود، بفضل الجمع بين وضوح الرسالة والقدرة المستمرة على التجدد، مشيرًا إلى أن الشبكة انطلقت من رؤية تؤمن بأهمية الإعلام وحق الإنسان في المعرفة، وأتاحت مساحة واسعة للكفاءات العربية لبناء تجربة إعلامية تجاوز تأثيرها حدود المنطقة.
وقال المري إن هذه الرؤية، التي اقترنت بالجرأة المهنية وتعدد الآراء، أسهمت في بناء علاقة مختلفة مع الجمهور، الذي وجد في الجزيرة شاشة تقترب من قضاياه، وتتيح له فهم الأحداث ومقارنة الروايات وتكوين موقفه بصورة مستقلة. وأضاف أن هذا النهج تعزز بحضور ميداني قوي، واستثمار في الصحفيين والمراسلين، والقدرة على الوصول إلى مواقع الأحداث وتقديم أبعادها الإنسانية والسياسية، إلى جانب مواكبة التحولات التقنية وتطوير المنصات الرقمية لمخاطبة أجيال تتغير أنماط متابعتها للأخبار.
وأكد أن من أبرز إضافات الجزيرة للممارسة الإعلامية العربية تطوير العلاقة بين الجمهور والخبر، ومنح المشاهد مساحة أوسع للفهم والنقاش والمساءلة؛ ففي التغطية الإخبارية عززت مكانة المراسل الموجود في قلب الحدث، ووسعت نطاق التغطيات المباشرة والشهادات الإنسانية، ما أسهم في تعزيز قدرة الإعلام العربي على تقديم روايته للأحداث وإيصال قضايا المنطقة إلى الجمهور العالمي.
وفي مجال البرامج الحوارية، أشار إلى أن الجزيرة أتاحت مساحة لمواجهة الآراء المتباينة، وأسهمت في ترسيخ حق المشاهد في الاستماع إلى وجهات نظر متعددة، وطرح الأسئلة الصعبة على أصحاب القرار، بما عزز ثقافة الحوار والنقاش في المشهد الإعلامي العربي.
أما في مجال التحقيقات الاستقصائية، فأوضح المري أن برامج مثل «سري للغاية» و«ما خفي أعظم» قدمت نماذج مهنية للبحث في الوثائق وتتبع الأدلة والاستماع إلى الشهود ومواجهة المعنيين بالوقائع، معتبرًا أن هذه التجربة تجاوزت تحقيق السبق الصحفي إلى إنتاج معرفة موثقة.
د. إبراهيم إسماعيل: احترمت عقل المشاهد
قال الدكتور إبراهيم إسماعيل، الخبير الثقافي والإعلامي بوزارة الثقافة سابقاً، إن قناة الجزيرة استطاعت الحفاظ على ريادتها الإعلامية على مدى ثلاثين عاماً، بفضل احترامها لعقل المشاهد، والتزامها بالمصداقية في نقل الأخبار، وإتاحة مساحة للرأي والرأي الآخر، فضلاً عن جرأتها في تناول القضايا السياسية العربية والدولية وفتح ملفات ظلت بعيدة عن اهتمام كثير من وسائل الإعلام العربية. وأوضح أن من أبرز عوامل تميز الجزيرة إتاحة المجال أمام أصوات واتجاهات سياسية مختلفة لم تكن تجد مساحة للظهور في وسائل الإعلام، لتصبح منبراً لعرض وجهات النظر المتعددة، فضلاً عن جرأتها في تجاوز الخطوط الحمراء إعلامياً، وفتح ملفات لا تزال بعض المؤسسات الإعلامية تتجنب تناولها. وأشار إلى أن الجزيرة حققت سبقا صحفياً في تغطية أحداث دولية كبرى، وسبقت في بعض الأحيان قنوات أمريكية وأوروبية، من بينها شبكة CNN، التي نقلت عنها بعض التغطيات، معتبراً أن ذلك أسهم في كسر احتكار الإعلام الغربي للمعلومات ومصادر الأخبار.
ولفت إلى أن الانتشار الفضائي والتوسع في البث بلغات متعددة أسهما في انتقال الجزيرة من كونها قناة عربية إلى شبكة إعلامية دولية بهوية عربية وروح قطرية، إلى جانب توظيف أحدث التقنيات في البث والإنتاج الإعلامي.
وأكد أن الاستثمار في العنصر البشري كان من أبرز ركائز نجاح الشبكة، من خلال استقطاب إعلاميين عرب بارزين.
واستذكر الدكتورإسماعيل شهداء الشبكة الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم المهني ونقل الحقيقة، مترحماً على أرواحهم، ومؤكداً أنهم قدموا حياتهم ثمناً لحرية الكلمة وصدق المعلومة. وقال: «نترحم على أرواح شهداء الجزيرة الذين قدموا حياتهم من أجل أن تصل الحقيقة إلى العالم».
أخبار متعلقة :