الرياض - ياسر الجرجورة في الاثنين 12 يناير 2026 05:48 مساءً - يكشف تحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو إخضاع إنتاج النفط الفنزويلي للنفوذ الأمريكي عن تحولات عميقة قد تعيد رسم خريطة سوق الطاقة العالمية، وتضع السعودية ودول الخليج أمام تحديات اقتصادية واستراتيجية غير مسبوقة. ويأتي استيلاء ترامب على نفط فنزويلا في توقيت حساس تعاني فيه الأسواق من فائض معروض، بينما تحاول منظمة أوبك الحفاظ على توازن الأسعار وسط ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة.
خطة أمريكية لإعادة هندسة نفط فنزويلا
بحسب مصادر مطلعة تحدثت لصحيفة وول ستريت جورنال، يعمل ترامب على خطة واسعة النطاق لإعادة تأهيل حقول النفط الفنزويلية المتدهورة، وتسويق إنتاجها بما يخدم المستهلك الأمريكي بالدرجة الأولى. ويهدف هذا التوجه إلى وضع أحد الأعضاء المؤسسين في منظمة أوبك تحت التأثير المباشر لواشنطن، ما يعزز النفوذ الأمريكي في سوق يشهد بالفعل فائضًا في الإمدادات وتراجعًا في الأسعار.
سعر 50 دولارًا هدف استراتيجي
ينسجم استيلاء ترامب على نفط فنزويلا مع دعوته المستمرة لزيادة الإنتاج العالمي وخفض الأسعار إلى حدود 50 دولارًا للبرميل. ويرى محللون أن دخول إمدادات فنزويلية إضافية، حتى بشكل تدريجي، قد يضغط على الأسعار ويقوض جهود أوبك في ضبط السوق، خصوصًا في ظل ضعف الطلب العالمي وتباطؤ الاقتصادات الكبرى.
فائض المعروض يهدد استقرار السوق
يحذر خبراء الطاقة من أن إعادة إحياء صناعة النفط الفنزويلية ستتطلب سنوات من العمل واستثمارات بمليارات الدولارات، إلا أن أي زيادة ولو محدودة في الإنتاج على المدى القصير قد تعمق فائض المعروض. وعلى المدى المتوسط والبعيد، قد يؤدي رفع الإنتاج إلى مستويات أعلى إلى هز استقرار السوق بشكل أكبر، ما يضع المنتجين التقليديين، وفي مقدمتهم دول الخليج، أمام خيارات صعبة.
مخاوف خليجية من فقدان الحصة السوقية
يعتقد بعض ممثلي دول الخليج داخل أوبك أن التعديلات التنظيمية التي قد تجذب الاستثمارات الأمريكية إلى فنزويلا يمكن أن ترفع إنتاجها إلى مليوني برميل يوميًا خلال فترة تتراوح بين عام وثلاثة أعوام، مقارنة بأقل من مليون برميل حاليًا. هذا السيناريو من شأنه أن يزيد الضغط على سوق تعاني بالفعل من فائض العرض، ويجبر المنتجين الخليجيين على المفاضلة بين حماية الأسعار أو الدفاع عن حصصهم السوقية.
السعودية بين الحذر والترقب
في هذا المشهد المعقد، تتبنى السعودية موقفًا حذرًا. فبحسب مطلعين، ترى الرياض أن أي انتعاش حقيقي في النفط الفنزويلي سيستغرق وقتًا طويلًا، خاصة مع حاجة الشركات الأمريكية إلى ضمانات قانونية وسياسية قوية قبل ضخ استثمارات ضخمة. كما أن طبيعة الخام الفنزويلي الثقيل عالي الكبريت تقلل من جاذبيته التجارية مقارنة بالنفوط الخفيفة التي تنتجها دول أخرى.
فرص بديلة لبعض منتجي الخليج
في المقابل، يرى منتجون خليجيون آخرون أن استيلاء ترامب على نفط فنزويلا قد يخلق فرصًا غير مباشرة. فإذا أدت هذه السياسة إلى تقليص صادرات فنزويلا إلى الصين، فقد تضطر بكين إلى زيادة اعتمادها على نفط الخليج، ما قد يعوض جزئيًا تأثير انخفاض الأسعار العالمية.
تزايد النفوذ الأمريكي عالميًا
تشير تقديرات محللي بنك جيه بي مورغان إلى أن الجمع بين احتياطيات فنزويلا وغيانا، حيث تهيمن الشركات الأمريكية، إلى جانب الإنتاج الأمريكي المحلي، قد يمنح واشنطن سيطرة غير مباشرة على نحو 30% من احتياطيات النفط العالمية. هذا التحول يعزز قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأسعار ويضعف الدور التقليدي لأوبك.
أوبك أمام تحدٍ تاريخي
يُعقّد استيلاء ترامب على نفط فنزويلا مهمة أوبك في إدارة الإمدادات، إذ تصبح كميات ضخمة من الاحتياطيات خارج نطاق تأثيرها المباشر. ومع تداول خام برنت قرب 63 دولارًا، وخام غرب تكساس حول 59 دولارًا، تتزايد الضغوط المالية على المنتجين، رغم خفض السعودية أسعارها للمشترين الآسيويين للشهر الثالث تواليًا.
ضغوط مالية تمتد من الرياض إلى تكساس
تؤثر الأسعار المنخفضة على ميزانيات الدول المنتجة عالميًا. ففي حين تستطيع السعودية الإنتاج بتكلفة منخفضة، إلا أنها تحتاج إلى أسعار أعلى لتغطية التزاماتها المالية المرتبطة برؤية 2030. أما منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة، فيواجهون تحديات ربحية قد تدفعهم إلى تجاهل دعوات ترامب لزيادة الإنتاج.
مستقبل غامض لنفوذ أوبك
في ظل تراجع نفوذ أوبك مع صعود الإنتاج الأمريكي والبرازيلي والغياني، يرى محللون أن تحرك ترامب تجاه فنزويلا قد يسرّع هذا التآكل، تاركًا المنظمة أمام سوق مشبعة بالنفط وأدوات تقليدية لم تعد كافية لضبط الأسعار.
خلاصة المشهد النفطي
يبقى استيلاء ترامب على نفط فنزويلا عاملًا محوريًا قد يعيد تشكيل توازنات الطاقة العالمية، ويضع السعودية ودول الخليج أمام مرحلة دقيقة تتطلب استراتيجيات أكثر مرونة لمواجهة عالم يفيض بالنفط ويتراجع فيه نفوذ اللاعبين التقليديين.
