الرياض - ياسر الجرجورة في الأحد 30 نوفمبر 2025 02:48 مساءً - انطلقت المملكة في مشروع هندسي ضخم جعل تحلية المياه في السعودية محورًا استراتيجيًا لتأمين مدنها وتحويل بيئتها الجافة إلى منظومة مائية متطورة.
اعتمدت المملكة خلال العقدين الأخيرين على توسيع قدراتها في تحلية المياه في السعودية، من خلال إنشاء شبكات نقل عملاقة تمتد من السواحل إلى عمق الصحراء، لتغذية المدن والتجمعات السكنية بكميات غير مسبوقة من المياه العذبة. ومع صعود تقنيات التحلية الحديثة، ظهرت ما يصفه الخبراء بـ“الأنهار الصناعية” التي تُنقل عبر الأنابيب إلى ارتفاعات شاهقة، لتشكّل تحولًا جذريًا في البنية المائية داخل البلاد.
جذور التحلية وتطور البنية المائية الحديثة
شهدت تحلية المياه في السعودية بدايات مبكرة مع إنشاء وحدة التكثيف الأولى عام 1905 لتوفير مياه الشرب لسكان جدة والحجيج. وخلال العقود التالية، واصلت الدولة دعم هذا القطاع حتى أصبحت تمتلك اليوم واحدة من أوسع شبكات المياه في العالم، حيث تتجاوز أطوال خطوط التوزيع 14 ألف كيلومتر في شبكات رئيسية و130 ألف كيلومتر في الشبكة العامة، إضافة إلى امتداد شبكات الصرف الصحي لأكثر من 50 ألف كيلومتر.
إنتاج ضخم يجعل المملكة في صدارة الدول المُحلّية للمياه
أصبح إنتاج تحلية المياه في السعودية يتجاوز 11 مليون متر مكعب يوميًا، تتولى هيئة المياه إنتاج الجزء الأكبر منه، بينما يساهم القطاع الخاص بما يقرب من ثلث الإمدادات. وتُعد محطة رأس الخير ركيزة هذا الإنتاج، لكونها أكبر منشأة تحلية بالعالم بطاقة تفوق مليون متر مكعب يوميًا، كما تولد أكثر من 2400 ميجاوات من الكهرباء عبر تقنيات التقطير المتعدد المراحل والتناضح العكسي.
أنهار صناعية تتحدى الجغرافيا وتخفض الانبعاثات
ساهمت مشاريع تحلية المياه في السعودية في دفع تدفقات مائية ضخمة إلى ارتفاعات تصل إلى ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، بضغط يتجاوز 90 بارًا، وهو مستوى لا يُستخدم في أي دولة أخرى لنقل المياه المحلاة بهذه الكثافة. ونتيجة التحول نحو الطاقة المتجددة والتناضح العكسي، انخفضت الانبعاثات الكربونية بأكثر من 37 مليون طن متري سنويًا، إضافة إلى تشغيل أول محطة تحلية تعمل بالطاقة الشمسية في مدينة الخفجي.
تعزيز الاستدامة وفق رؤية 2030
تستند تحلية المياه في السعودية إلى رؤية وطنية تركز على تأمين مصادر المياه المستدامة، وتقليل الهدر، وتشجيع القطاع الخاص على الابتكار. وتهدف هذه الرؤية إلى دعم الأمن المائي، والحفاظ على البيئة، وتفعيل حلول إعادة استخدام المياه المعالجة، خصوصًا في القطاع الزراعي. وقد لاقت هذه الجهود تقديرًا دوليًا، حيث اختارت الجمعية الدولية لتحلية المياه المملكة لاستضافة المؤتمر العالمي للتحلية وإعادة الاستخدام عام 2026.
آفاق مستقبلية تضع المملكة في صدارة الابتكار المائي
تعتبر السعودية أن منظومة تحلية المياه في السعودية أصبحت اليوم أصلًا استراتيجيًا لا غنى عنه، مع اعتماد أكثر من 35 مليون نسمة عليها، ومع توقعات بنمو سكاني مستقبلي كبير. وما بدأ قبل أكثر من قرن كوحدة تكثيف بسيطة تحول الآن إلى شبكة مائية هائلة تعيد تشكيل المشهد البيئي، وتدعم التنمية العمرانية، وتمهد لمرحلة جديدة من الريادة العالمية في إدارة الموارد المائية.
أخبار متعلقة :