ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 27 يناير 2026 11:51 مساءً - كشف الرائد المهندس خبير محمد عبدالله الشامسي، رئيس قسم فحص آثار الأسلحة والآلات في الإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة في شرطة دبي، أن القسم ينفذ 11 فحصاً جنائياً متخصصاً في مجال الأسلحة والآلات، موضحاً أن هذه الفحوص تقوم على تطبيق العلوم الجنائية في تكييف الوقائع وربطها بالإطار القانوني المعتمد.
وأوضح أن من أبرز هذه الفحوص، فحص آثار الأسلحة النارية، حيث يمكن من خلال الطلقة أو فوارغها تحديد السلاح المستخدم، مؤكداً أن لكل سلاح بصمته الخاصة، حتى وإن تعددت الأسلحة من النوع نفسه، إذ يترك كل سلاح علامات فردية مختلفة ناتجة عن خصائصه الميكانيكية الداخلية. وأشار إلى أن القسم ينفذ كذلك فحوص إعادة بناء مسارح جرائم إطلاق النار، حيث ينتقل خبراء الأسلحة إلى موقع الحادث، ويقومون بقياس زوايا الطول والعرض، ومسار الطلقة، ونقاط الدخول والخروج، بهدف تحديد مصدر الإطلاق بدقة علمية.
وأوضح أن القانون يجرّم استخدام الأسلحة الهوائية بحسب قوتها، حيث لا يتطلب السلاح الذي تقل قوته عن 8 جول ترخيصاً، فيما يحتاج ما يزيد على ذلك إلى ترخيص قانوني، ويُجرّم استخدامه دون الحصول عليه. وأضاف أن هذه الأسلحة كانت منتشرة سابقاً في المنازل لأغراض الترفيه أو الصيد البسيط، إلا أن تغير الظروف الأمنية واعتبارات السلامة أدى إلى تشديد التشريعات المرتبطة بها، مع تسجيل بيانات أسلحة الصيد الهوائية.
وفيما يتعلق بتتبع الأسلحة، قال إن الأرقام التسلسلية تخضع لنظام حوكمة دقيق على مستوى الدول والشركات المصنعة، لضمان عدم تكرارها، مشيراً إلى أن الفرق المختصة تعتمد على 5 عناصر أساسية في البحث تشمل الرقم التسلسلي، والطراز، وسنة الصنع، والعيار، وبلد المنشأ. وأضاف أن البحث يتم عبر قواعد البيانات المحلية المرتبطة بتراخيص الأسلحة، إضافة إلى التعاون مع منظمات دولية مثل الإنتربول، في حال الاشتباه بأن السلاح مفقود أو مسروق من دولة أخرى، وذلك عبر القنوات الرسمية لوزارة الداخلية.
وأوضح أن القسم يمتلك فحوصاً متقدمة لإظهار الأرقام المطموسة، باستخدام تقنيات ظاهرية ومغناطيسية وكيميائية، سواء على الأسلحة أو الطائرات المسيّرة أو غيرها من الأدوات. واستعرض قضية سرقة سلاح مرخص، حيث قام الجاني بطمس الرقم التسلسلي وتهديد شخص آخر به. وبعد ضبط السلاح وإخضاعه للفحص، أظهرت النتائج أن الجزء العلوي من السلاح يحمل علامة تجارية تختلف عن الجزء السفلي.
وأشار إلى أن هذه النتيجة دفعت الخبراء في البداية إلى الاعتقاد بأن السلاح جرى تركيبه من سلاحين مختلفين، ما أدى إلى توسيع نطاق الفحص والاشتباه في وجود سلاح آخر مسروق. وعلى ضوء ذلك، جرى تتبع مكونات السلاح والتحقق مما إذا كانت قد دخلت الدولة بطرق رسمية. وأضاف أن التحليل الفني المتعمق والتواصل الرسمي مع الجهات المختصة والشركة المصنعة كشف أن السلاح صُنع بهذه المواصفات من الأصل، وأن اختلاف العلامات التجارية يعود لطبيعة التصنيع وليس لعملية تركيب غير مشروعة.
وحول تحديد ما إذا كانت الواقعة انتحاراً أو قتلاً عمداً أو حادثاً عرضياً، قال الشامسي إن فحص تحديد مسافة الإطلاق يعد من أهم الفحوص الجنائية. واستشهد بحالة ورد فيها بلاغ عن انتحار شخص عُثر عليه مصاباً بطلقة نارية في وجهه والسلاح بيده، إلا أن الفحص أثبت أن المسافة بين فوهة السلاح والهدف تجاوزت مترين، وهو ما يستحيل معه حدوث الانتحار، ما قاد إلى إعادة توصيف الواقعة جنائياً.
وأوضح أن تحديد المسافة يعتمد على تحليل نمط احتراق البارود، إذ ينتج عن الإطلاق جزيئات محترقة وغير محترقة تشكل نمشاً معيناً يختلف باختلاف المسافة، ما يسمح بالتمييز بين الإطلاق المتلامس أو شبه المتلامس أو البعيد.
وتطرق في حديث لبودكاست شرطة دبي إلى فحص أعطال الأسلحة، موضحاً أن بعض حالات الإطلاق غير المقصود تنتج عن تآكل الأجزاء الداخلية نتيجة الاستخدام الطويل، في حين أن حالات أخرى تكون ناتجة عن تلاعب متعمد، كقص أجزاء من السلاح لتحويله إلى وضع الإطلاق الآلي، ما يجعله شديد الخطورة. وأكد أن هذه الحالات تُحسم عبر الفحص الدقيق للأجزاء الداخلية.
واستعرض الشامسي قضية قتل وقعت في ساحة رملية مظلمة وبعيدة، حيث عُثر على شخص من الجنسية الإفريقية مقتولاً، وضُبط 6 مشتبهين من جنسية آسيوية. وأقر أحدهم بارتكاب الجريمة، بينما أنكر الآخرون. وبعد ضبط الأدوات، التي شملت 5 سيوف وفأساً، وإخضاعها للفحص، تبيّن وجود الحمض النووي لأحد المنكرين على إحدى الأدوات، كما تطابقت آثار إحدى الأدوات مع طعنة في جسد المجني عليه، ما ربط الأداة بالجريمة بشكل قاطع، وأحال التقرير إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراءات القانونية.
وعن التحديات، قال إن أصعب مراحل العمل تكون في مسرح الجريمة، نظراً لما تتطلبه من دقة عالية، إلى جانب ما تتركه بعض القضايا من آثار نفسية، مشيراً إلى قضية غرق طفل في مسبح منزل، حيث أُثيرت شبهات حول العاملة المنزلية. وأظهرت الفحوص الفنية أن باب المسبح كان تالفاً نتيجة الاستهلاك، وأن الطفل تمكن من فتحه بنفسه، ما أكد أن الحادث كان عرضياً ولا ينطوي على قصد جنائي.
تعاون
وأكد الرائد المهندس خبير محمد عبد الله الشامسي أهمية التعاون الدولي في تطوير منظومة الأدلة الجنائية، لافتاً إلى مشاركة شرطة دبي في أعمال مجلس وزراء الداخلية العرب، من خلال المجلس التخصصي المعني بالأدلة الجنائية، إضافة إلى المشاركة في المؤتمر العربي لرؤساء أجهزة المباحث والأدلة الجنائية، مشيراً إلى أن شرطة دبي قدمت خلال المؤتمر مقترحين رئيسيين، تمثّل الأول في إنشاء شبكة عربية لمختبرات الأدلة الجنائية، تهدف إلى ربط المختبرات المتخصصة في الدول العربية، وتبادل الخبرات والبيانات الفنية ضمن أطر مؤسسية منظمة. أما المقترح الثاني، فتمثل في إطلاق منصة إلكترونية متخصصة لتسهيل التواصل المباشر بين المختبرات، وتسريع إجراءات التعاون الفني في القضايا العابرة للحدود.
وأشار إلى أن المقترحين حظيا باستحسان المشاركين، وتمت إحالة تنفيذهما إلى لجنة مختصة تتابع العمل على تحويلهما إلى مشاريع قابلة للتطبيق على مستوى الدول الأعضاء، في إطار تعزيز التكامل العربي في المجالات الشرطية والفنية.
وأضاف الشامسي أن هذا التعاون يمتد أيضاً إلى جهاز الأمن الخليجي لدول مجلس التعاون، الذي يعتمد على النطاق الجغرافي والمجال التخصصي، فضلاً عن المنظمات الدولية المعنية بفحص آثار الأسلحة النارية والآلات، والتي تضم خبراء من مختلف دول العالم وتعمل عبر لجان وفرق عمل متخصصة.
