ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 4 فبراير 2026 06:21 مساءً - أكد عدد من الخبراء والمختصين أن العالم يشهد تحولات ديموغرافية متسارعة، حيث أصبح انخفاض معدلات الإنجاب تحدياً يؤثر بشكل مباشر على نمو الاقتصادات واستقرار المجتمعات، جاء ذلك خلال الجلسة الحوارية التي عقدت ضمن فعاليات القمة العالمية للحكومات تحت شعار: "هل يمكن للسياسات الحكومية مواكبة التحولات السكانية؟"، مؤكدين أن هذا التحدي لا يمكن حله عبر سياسة واحدة تناسب جميع الدول، نظراً لاختلاف الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لكل مجتمع.
وركزت الجلسة على تداعيات انخفاض الخصوبة على الناتج المحلي الإجمالي، واستحقاقات الضرائب، وقوة العمل، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بارتفاع نسبة كبار السن. وناقش المشاركون الحاجة إلى استراتيجيات شاملة تشمل التعليم، تعزيز المهارات المستقبلية، وتحفيز المجتمع على تبني سياسات أسرية مستدامة تتماشى مع خصوصية كل دولة.
واستعرضت الجلسة تجربة دبي كنموذج رائد في التخطيط المستقبلي للأجيال القادمة، حيث ركزت المدينة على بناء اقتصاد مستدام ومجتمع متوازن، مع ضمان فرص متساوية وتعليم متطور يواكب احتياجات المستقبل ويضمن رفاهية الأجيال المقبلة. كما شددت الجلسة على أهمية الاستفادة من الابتكار والتكنولوجيا، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، كجزء من الحلول المستقبلية للتكيف مع التحولات الديموغرافية بطريقة فعّالة ومستدامة.
وأكد نيكولاس ريدمان، مدير التحليل ورئيس أكسفورد للتحليلات، أن انخفاض الخصوبة عالمياً مقارنة بأفريقيا يؤثر على السياسات الحكومية المستقبلية، خاصة مع تحدي زيادة عدد كبار السن في المجتمع، مشيراً إلى أن وضع الخطط للاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي يمكن أن يسد بعض الاحتياجات في قطاعات حيوية مثل الصحة، إلا أن تأثير انخفاض الخصوبة يمتد أيضاً إلى تراجع استحقاقات الضرائب.
وشدد ريدمان، على أن التعليم يمثل أولوية لتعزيز المهارات المستقبلية، مؤكداً أن "خطط الحكومة يجب أن تنسجم مع رؤية شعوبها، وهو ما شهدناه في دول مثل هنجاريا وبلغاريا التي نفذت برامج لرفع معدلات الخصوبة.
وأوضح بول مورلاند، الخبير الديموغرافي، أن انخفاض أعداد دافعي الضرائب في الفئة العمرية من 20 إلى 60 عاماً يؤدي إلى اختلال في السياسات والخطط الاستراتيجية، مؤكداً أنه لا يمكن الاعتماد فقط على التكنولوجيا في الرعاية الصحية، ويجب البحث عن وسائل وقاية منخفضة التكلفة لتعزيز معدلات الإنجاب. كما شدد على أهمية تعزيز ثقافة الأسرة في المجتمع، قائلاً: "لا يمكن أن تقتصر المدارس على تعليم الثقافة الجنسية دون تعليم الأولويات المتعلقة بتكوين الأسرة ودور الأب والأم، ويجب فتح حوار مستمر بين المسؤولين والأسر لضمان وعي الأجيال القادمة.
وأشار إلى أن السياسات الحكومية ليست حلولاً موحدة، فقد تنجح خطة في دولة ولا تناسب أخرى، وحتى الخطط الحالية قد تصبح غير مناسبة بعد 50 عاماً، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة شهدت تراجعاً في معدلات الخصوبة خلال الخمسين عاماً الماضية دون أن يتحمل رئيس وزرائها المسؤولية، بينما اعترفت فرنسا منذ السبعينيات بمتابعة هذا التحدي كجزء من سياساتها الوطنية.
وأكدت كارول هيلتون، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمعهد اقتصادات الشعوب الأصلية، على الدور الريادي لدبي في مجال التعليم وتمكين الأجيال القادمة، مشيرة إلى أن زيارتها للمدينة تكشف قدرة القيادة الرشيدة على وضع خطط واستراتيجيات تؤثر مباشرة على المستقبل. وقالت: "الاقتصاد هنا مصمم لتحقيق استدامة طويلة الأمد، مع مراعاة مصالح الأجيال المقبلة.
وأشارت إلى أهمية التعاون مع المجتمع في تحديد أولويات المستقبل، مؤكدة أن التفريق بين الحكمة والذكاء أساسي عند وضع استراتيجيات مستقبلية لضمان فعاليتها واستدامتها، حيث أن التحولات السكانية تتطلب سياسات مرنة تتكيف مع خصوصية كل دولة، مع التركيز على التعليم، الثقافة الأسرية، واستشراف المستقبل الاقتصادي والاجتماعي، كما أن الحلول لا يمكن أن تكون موحدة، بل يجب أن تعكس رؤية الشعوب وخصوصية كل مجتمع لضمان بناء مستقبل مستدام ومزدهر.
