حال الإمارات

السجائر الإلكترونية.. نكهات ملونة وأخطار خفية

السجائر الإلكترونية.. نكهات ملونة وأخطار خفية

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 1 مارس 2026 12:06 صباحاً - تحقيق - مرفت عبدالحميد وجميلة إسماعيل

لم يعد مشهد الأجهزة الصغيرة التي تطلق سحباً بيضاء أو ملونة غريباً في المقاهي والجامعات، بل امتد إلى بعض المدارس وحتى داخل السيارات.

«الفيب»، أو السجائر الإلكترونية، يسوق غالباً بوصفه بديلاً أقل ضرراً من التدخين التقليدي، غير أن تقارير علمية وتحذيرات صحية متزايدة تكشف أن هذه الصورة تخفي وراءها مخاطر حقيقية، خصوصاً على فئة الشباب والمراهقين.

وتعتمد السجائر الإلكترونية على تسخين سائل يحتوي غالباً على النيكوتين ومواد منكهة ومركبات كيميائية أخرى، ليتحول إلى بخار يُستنشق إلى الرئتين، ورغم غياب عملية الاحتراق الموجودة في السجائر التقليدية فإن عملية التسخين قد تطلق مركبات سامة أو مهيجة للجهاز التنفسي.

وتشير أبحاث صادرة عن جهات صحية عالمية مثل World Health Organization إلى أن السجائر الإلكترونية ليست خالية من المخاطر، وأن الادعاءات المتعلقة بأمانها لا تستند إلى أدلة كافية، خصوصاً على المدى البعيد.

إدمان

ويؤكد أطباء وخبراء لـ«حال الخليج» أن أحد أخطر أوجه «الفيب» هو احتواؤه على نسب متفاوتة من النيكوتين، المادة المسببة للإدمان، وتشير تقديرات إلى أن بعض عبوات السوائل قد تحتوي على تركيزات عالية تعادل أو تتجاوز ما يوجد في علبة سجائر كاملة.

وقالوا: قد يبدو «الفيب» في ظاهره أقل خطراً لغياب الدخان الناتج عن الاحتراق، لكنه يحمل مزيجاً من المواد الكيميائية والنيكوتين التي تهدد الصحة العامة، لا سيما بين الشباب والمراهقين.

وأكدوا أن الوقاية خير من العلاج، وأن الخيار الأكثر أماناً هو تجنب التدخين بكل أشكاله حفاظاً على صحة الفرد وسلامة المجتمع، محذرين من أن النيكوتين لا يؤثر فقط في القلب وضغط الدم والرئتين، بل يمتد تأثيره إلى الدماغ، خصوصاً لدى المراهقين، حيث يمكن أن يعيق نموه الطبيعي، ويزيد احتمالات القلق واضطرابات المزاج وضعف التركيز، لافتين إلى أن التعرض المبكر له يرفع احتمالية إدمان مواد أخرى مستقبلاً.

وقالوا إنه في السنوات الأخيرة سجلت حالات إصابات رئوية حادة مرتبطة باستخدام السجائر الإلكترونية، عرفت طبياً باسم EVALI، وهو مرض تنفسي حاد قد يسبب الوفاة في بعض الحالات، ويرتبط باستنشاق مواد كيميائية وزيوت مضافة إلى سوائل «الفيب» تسبب التهابات حادة أو تلفاً في أنسجة الرئة.

كما أشارت دراسات إلى احتمال احتواء الأبخرة على معادن ثقيلة مثل الرصاص والنيكل ومركبات عضوية متطايرة قد تؤثر سلباً في الجهاز التنفسي على المدى الطويل.

موضة العصر

ويؤكد الدكتور شريف فايد، استشاري الأمراض الصدرية في مستشفى الزهراء دبي، أن السجائر الإلكترونية أصبحت «موضة العصر»، لكنها تحمل خطورة بالغة لاحتوائها على الجليسرين كمادة زيتية، إضافة إلى النيكوتين الذي يسبب تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، وقد يؤدي إلى جلطات مستقبلية.

ويشير الدكتور فايد إلى أن المادة الزيتية والمنكهات الكيميائية قد تتسبب في التهابات رئوية شديدة وتهيُّج القصبات الهوائية وزيادة احتمالات الحساسية والانسداد الشعبي المزمن.

فقاعات رئوية

بدوره يحذر الدكتور معتز لبيب، استشاري أمراض الرئة والعناية المركزة في مستشفى كليمنصو الطبي بدبي، من أن «الفيب» قد يؤدي إلى فقاعات رئوية ينتج عنها الاسترواح الصدري، إضافة إلى أمراض النسيج الرئوي والنزيف الرئوي والتهابات جرثومية.

ولفت إلى خطر انفجار بعض الأجهزة بسبب مكوناتها الكيميائية، مؤكداً أن الاعتقاد بأنها أقل ضرراً عارٍ عن الصحة تماماً.

أما الدكتور محمد أسلم، أخصائي أمراض الرئة واستشاري أمراض القلب والشرايين، فيشير إلى أن خطورة السجائر الإلكترونية تكمن في سرعة امتصاص النيكوتين بتركيزات مرتفعة، ما يؤدي إلى تضييق الأوعية الدموية ورفع ضغط الدم وزيادة معدل ضربات القلب وتحفيز إفراز هرمونات التوتر، الأمر الذي يضع القلب تحت إجهاد متكرر.

كما حذر من أن الأيروسول الكيميائي قد يسبب خللاً في بطانة الأوعية الدموية، وهو ما يعد خطوة مبكرة نحو التصلب العصيدي وزيادة احتمالية الجلطات.

بخار بلا احتراق

بدوره يؤكد الدكتور هشام طايل أن الحديث عن السجائر الإلكترونية لا ينبغي أن يقتصر على كونها «بخاراً بلا احتراق»، بل يجب النظر إلى طبيعة ما يصل فعلياً إلى الرئة عبر هذا البخار. ويوضح أن الرئة تتعرض مباشرة لمزيج معقد من الجسيمات الدقيقة والمركبات الكيميائية الناتجة عن تسخين السوائل، وهي مواد قادرة على إحداث استجابة التهابية حادة داخل الشعب الهوائية والحويصلات الرئوية.

ويضيف أن بعض المنكهات المستخدمة في سوائل «الفيب»، رغم أنها قد تكون آمنة نسبياً عند تناولها غذائياً، تتحول عند تسخينها إلى مركبات جديدة قد تكون مهيجة أو سامة للجهاز التنفسي، ما يؤدي إلى تهيُّج مزمن في الشعب الهوائية واضطراب في وظيفة الحويصلات المسؤولة عن تبادل الأكسجين.

ويشير الدكتور طايل إلى أن ما عُرف عالمياً باسم EVALI شكّل جرس إنذار طبي، بعدما كشفت الحالات المسجلة عن إمكانية حدوث التهاب رئوي كيميائي مفاجئ قد يتطور خلال أيام قليلة إلى ضيق تنفس حاد ونقص في مستوى الأكسجين بالدم، ما يستدعي في بعض الأحيان إدخال المريض إلى العناية المركزة واستخدام أجهزة دعم تنفسي.

كما يحذر من أن الاستخدام المزمن للسجائر الإلكترونية قد يؤدي إلى تفاقم أمراض تنفسية قائمة مثل الربو، وزيادة نوبات الحساسية الصدرية، فضلاً عن احتمال إضعاف المناعة الموضعية داخل الجهاز التنفسي، الأمر الذي يجعل المستخدم أكثر عرضة للعدوى البكتيرية والفيروسية.

مضاعفات

وأكد أن الرئة لم تخلق لاستقبال مواد صناعية مسخنة بشكل يومي ومتكرر، وقد يكون الضرر حاداً وسريع الظهور في بعض الحالات، أو تدريجياً يتراكم بصمت حتى تظهر مضاعفاته في مرحلة متقدمة، لافتاً إلى أن الاعتقاد بأن «الفيب» خيار آمن هو تصور يحتاج إلى مراجعة علمية جادة.

برامج توعية

وفي استطلاع لآراء عدد من طلبة المدارس والجامعات، أقر بعضهم بتجربة «الفيب» بدافع الفضول أو ضغط الأصدقاء، فيما عبّر آخرون عن قلقهم من مخاطره الصحية.

وقفة تربوية

وتقول إيمان حسين، تربوية، إن انتشار السجائر الإلكترونية بين الطلبة لم يعد سلوكاً عابراً، بل بات ظاهرة تتطلب وقفة تربوية جادة، مشيرة إلى أن بعض الطلاب يقبلون على تجربة «الفيب» بدافع الفضول أو تقليد الأصدقاء دون إدراك حقيقي لحجم مخاطره الصحية والسلوكية. وتوضح أن خطورة الأمر لا تقتصر على الأثر الصحي فحسب، بل تمتد إلى التأثير في انضباط الطالب وتركيزه داخل الصف، إضافة إلى ترسيخ سلوك اعتيادي قد يتطور إلى إدمان يصعب التخلص منه لاحقاً.

وتؤكد أن دور المدرسة لا يقتصر على المنع أو فرض العقوبات، بل يقوم أساساً على التوعية المستمرة ودمج الرسائل الصحية ضمن الأنشطة والبرامج الإرشادية، إلى جانب تعزيز مهارات اتخاذ القرار لدى الطلبة وتمكينهم من رفض ضغط الأقران بثقة. وتشدد على أهمية تكامل الجهود بين الأسرة والمدرسة، لأن الوقاية الحقيقية تبدأ بالحوار الواعي وبناء الثقة مع الأبناء قبل تفاقم المشكلة.

وفي الإطار يوضح الدكتور جاسم المرزوقي، مستشار نفسي وأسري في جمعية النهضة النسائية، أن سهولة إخفاء أجهزة السجائر الإلكترونية وصغر حجمها يسهمان في انتشارها بين الطلبة، ما يستدعي تكثيف برامج التوعية داخل المدارس والجامعات.

وأكد أن انتشار «الفيب» لا يرتبط بالفضول فقط، بل بحاجات نفسية واجتماعية لدى المراهقين، مثل الرغبة في القبول والانتماء، محذراً من أن النيكوتين قد يمنح شعوراً مؤقتاً بالاسترخاء، لكنه يعزز التعلق النفسي ثم الجسدي، داعياً إلى حوار أسري قائم على التوعية وبناء الثقة، إلى جانب دور المدارس والجامعات في تنمية مهارات اتخاذ القرار ومقاومة ضغط الأقران.

قاعدة فقهية

أكد الدكتور أحمد الحداد، كبير المفتين مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، أن السجائر الإلكترونية تأخذ حكم التدخين التقليدي في جميع الأحكام، فإذا ثبت ضررها الصحي فإن الضرر يزال كما تقول القاعدة الفقهية أخذاً من الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، فكل ما ثبت ضرره حرم على المسلم تناوله، وقد ثبت طبياً بتقرير الخبراء أن التدخين بجميع أنواعه ومنه الإلكتروني ضار بالإنسان، فضلاً عن إتلاف المال من غير حاجة، والشريعة الإسلامية جاءت بحفظ النفس والعقل والمال، وقد نهى الله تعالى عن إلقاء النفس إلى التهلكة، والسجائر الإلكترونية وإن اختلفت في الشكل عن التقليدية، إلا أن أثرها الضار ثابت طبياً كما قرره الخبراء بما لا يخفى، وبالتالي فإن استعمالها لا يجوز شرعاً.

وأضاف أن مسؤولية الأسرة والمجتمع تكمن في توعية الأبناء بخطورة هذه السلوكيات، وتعزيز القيم التي تحض على صون الجسد باعتباره أمانة.

Advertisements

قد تقرأ أيضا