ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 5 مايو 2026 12:36 صباحاً - خمسون عاماً من العزة والإباء، سطّرت فيها القوات المسلحة الإماراتية واحداً من أبرز المسارات الوطنية في تاريخ الدولة، مسيرة امتدت عبر عقود من البناء والتطوير والتحديث، انتقلت خلالها المؤسسة العسكرية من مرحلة التأسيس الأولى إلى مرحلة التمكين الشامل، وصولاً إلى موقع متقدم بين أكثر الجيوش تطوراً واحترافية على مستوى العالم.
وقد جاءت هذه المسيرة امتداداً لرؤية قيادية استشرافية، وضعت الإنسان في قلب التنمية، وآمنت بأن بناء القوة العسكرية الحديثة لا يقوم فقط على السلاح والتقنية، بل على منظومة متكاملة من التعليم والتأهيل والانضباط، وأن الأمن والاستقرار يمثلان الأساس الصلب لكل نهضة تنموية واقتصادية واجتماعية.
وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، تحتفي الدولة غداً الأربعاء بالذكرى الخمسين لتوحيد القوات المسلحة، والتي توافق السادس من مايو عام 1976، وهو اليوم الذي مثّل نقطة تحول تاريخية كبرى في مسيرة الدولة. فقد جاء قرار التوحيد ليؤسس لقوة عسكرية اتحادية موحدة، قادرة على حماية الوطن وصون سيادته، وتعزيز مسيرة الاتحاد، ودعم خطط التنمية الشاملة، وترسيخ مكانة الدولة على المستويين الإقليمي والدولي.
تطور مؤسسي شامل
منذ لحظة التوحيد التاريخية، انطلقت دولة الإمارات في مسار تطوير متكامل لبناء قواتها المسلحة على أسس حديثة ومتقدمة، حيث شهدت المؤسسة العسكرية تحولات جذرية نقلتها من إمكانات تقليدية مرتبطة بمرحلة التأسيس إلى منظومة دفاعية حديثة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
وقد شملت هذه المسيرة إعادة هيكلة شاملة للمنظومة العسكرية، وتوحيد العقيدة القتالية، وتطوير البنية التنظيمية والإدارية، إلى جانب إنشاء مؤسسات تدريب وتعليم عسكري متقدمة، أسهمت في إعداد وتأهيل أجيال متلاحقة من الكوادر الوطنية، القادرة على التعامل مع متغيرات الحروب الحديثة ومتطلبات الأمن المعاصر.
وفي موازاة ذلك، أولت الدولة اهتماماً كبيراً بتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، حيث تم العمل على بناء قاعدة صناعية متنامية، تهدف إلى تعزيز القدرات المحلية في مجالات التصنيع العسكري.
وقد أسهم هذا التوجه في تطوير وإنتاج عدد من الأنظمة والمعدات الدفاعية، بما في ذلك المركبات المدرعة، والطائرات بدون طيار، والأنظمة البحرية المتقدمة، إلى جانب تعزيز مجالات الصيانة والتطوير والتحديث المستمر، بما يدعم الاستقلالية التقنية ويرفع كفاءة الجاهزية الدفاعية.
كما جاءت هذه الجهود ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية الدولية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتطوير القدرات الوطنية في مجالات البحث والتطوير الدفاعي.
رؤية استراتيجية
وانطلقت مسيرة القوات المسلحة من رؤية استراتيجية متكاملة، أدركت مبكراً أن الأمن لا يتحقق كرد فعل للأحداث، بل من خلال بناء منظومة جاهزية دائمة واستعداد استباقي شامل.
ومن هذا المنطلق، تبنت المؤسسة العسكرية نهجاً قائماً على التكامل بين مختلف أفرعها البرية والبحرية والجوية، بما يضمن بناء قوة مرنة وقادرة على التكيف مع مختلف التحديات والسيناريوهات.
كما أولت القيادة الرشيدة أهمية خاصة لربط منظومة الدفاع الوطني بمسار التنمية الشاملة، حيث أصبح الأمن والاستقرار عنصرين أساسيين في دعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز استدامة التنمية، وترسيخ مكانة الدولة بيئة آمنة وجاذبة.
بناء الإنسان.. محور القوة
وفي قلب هذه المسيرة التطويرية الشاملة، يبرز الإنسان الإماراتي باعتباره الركيزة الأساسية التي تقوم عليها منظومة القوات المسلحة. فقد أدركت القيادة أن بناء القوة العسكرية يبدأ من بناء الإنسان، ولذلك تم الاستثمار بشكل مكثف في التعليم والتأهيل والتدريب العسكري والأكاديمي.
وشمل ذلك تطوير منظومة متكاملة من الكليات العسكرية والمؤسسات التعليمية داخل الدولة، إلى جانب برامج الابتعاث والتدريب المشترك مع جيوش دولية متقدمة، بما يضمن نقل الخبرات وتطوير المهارات وفق أعلى المعايير العالمية.
ولا يقتصر هذا التأهيل على الجوانب القتالية فحسب، بل يمتد ليشمل مجالات القيادة، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، واتخاذ القرار في البيئات المعقدة، إضافة إلى تعزيز القدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة والأنظمة الرقمية المتقدمة، بما يواكب طبيعة الحروب الحديثة القائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
كما شهدت القوات المسلحة مشاركة متزايدة وفاعلة للمرأة الإماراتية في مختلف التخصصات العسكرية، حيث أثبتت حضورها في مجالات متعددة تشمل الطب العسكري، والهندسة، والتقنية، والإدارة، والبحث العلمي، في إطار سياسة وطنية راسخة تهدف إلى تمكين المرأة وتعزيز دورها شريكاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني.
وفي هذا السياق، شكّلت الخدمة الوطنية التي أُطلقت عام 2014 محطة استراتيجية مهمة في إعداد وتأهيل الشباب الإماراتي، حيث أسهمت في تعزيز قيم الانضباط والالتزام والمسؤولية، وترسيخ الهوية الوطنية، وإعداد جيل واعٍ وقادر على الإسهام في حماية الوطن وصون مكتسباته.
منظومة متقدمة
ويُعد التدريب والتعليم العسكري أحد الأعمدة الرئيسية في تطوير القوات المسلحة، حيث تم بناء منظومة تعليمية متكاملة تعتمد على أحدث المناهج العلمية والتقنيات الحديثة، وتستند إلى أفضل الممارسات العالمية في التعليم العسكري.
وقد حرصت وزارة الدفاع على تطوير بيئة أكاديمية متقدمة تجمع بين الانضباط العسكري الصارم والتميز العلمي، وتستفيد من التجارب الدولية في تحديث المناهج وتطوير أساليب التدريب، بما يواكب طبيعة التحديات المستقبلية.
وأسهم هذا النهج في إعداد كوادر عسكرية تتمتع بدرجة عالية من الكفاءة والاحترافية، جعلت الجندي الإماراتي نموذجاً في الانضباط والدقة والجاهزية، وهو ما انعكس في مشاركة الدولة الفاعلة في مهام حفظ السلام الدولية، والعمليات الإنسانية والإغاثية في مختلف مناطق العالم.
كما تم الاستثمار في التحول الرقمي داخل المؤسسات التعليمية العسكرية، من خلال تطوير البنية التحتية الذكية، وتحديث المكتبات الإلكترونية، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث والتدريب، بما يعزز جودة المخرجات ويرتقي بالقدرات المستقبلية.
قدرات متكاملة
وفي إطار تعزيز القدرات الدفاعية الشاملة، عملت الإمارات على تطوير قواتها المسلحة بمختلف أفرعها البرية والبحرية والجوية، بما يضمن بناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على حماية الوطن ومقدراته الحيوية.
ففي المجال الجوي، تمتلك القوات المسلحة أسطولاً متقدماً من الطائرات المقاتلة متعددة المهام، مدعوماً بأنظمة دفاع جوي وإنذار مبكر متطورة، توفر أعلى درجات الجاهزية والحماية.
وفي المجال البحري، تم تطوير قدرات حديثة تهدف إلى تأمين السواحل والممرات البحرية الاستراتيجية، وحماية الشريان الاقتصادي للدولة، من خلال أساطيل بحرية متعددة المهام وأنظمة مراقبة متقدمة.
أما القوات البرية، فقد شهدت تطوراً كبيراً في أنظمة القيادة والسيطرة، واعتماد تقنيات الاستطلاع الحديثة، وتوظيف الأنظمة غير المأهولة، بما يعزز الكفاءة الميدانية ويقلل من المخاطر في بيئات العمليات المختلفة.
كما أولت الدولة اهتماماً متزايداً بمجال الأمن السيبراني والدفاع الرقمي، باعتباره أحد أهم مكونات الأمن الوطني الحديث، لضمان حماية البنية التحتية الحيوية وأنظمة الاتصالات والمعلومات من أي تهديدات إلكترونية محتملة.
درع الوطن وسنده
واليوم، تقف قواتنا المسلحة كدرع حصين وسند قوي للوطن، جاهزة لمواجهة مختلف التحديات، وحماية المكتسبات الوطنية، والمساهمة الفاعلة في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
اليوبيل الذهبي.. محطة استثنائية وامتداد للرؤية الوطنية
6/5/1976
قرار تاريخي أسس لجيش وطني موحد وقوي
2014
إطلاق برنامج الخدمة الوطنية لتأهيل الشباب الإماراتي
بناء القدرات العسكرية.. استراتيجية استباقية لا استجابة ظرفية
