ابوظبي - ياسر ابراهيم - السبت 9 مايو 2026 11:36 مساءً - أول دولة بالمنطقة تطوي صفحة المرض نهائياً
مليونا طفل شملهم اللقاح في 3 دول أفريقية وخفض الوفيات 13 %
أكدت الدكتورة فريدة الحوسني، الرئيس التنفيذي للمعهد العالمي للقضاء على الأمراض المعدية، أن جهود دولة الإمارات في القضاء على مرض الملاريا توّجت بتسجيل آخر حالة انتقال محلي للمرض في عام 1997، وصولاً إلى نيل شهادة منظمة الصحة العالمية في عام 2007، كأول دولة في المنطقة تنجح في القضاء على الملاريا نهائياً.
وقالت الحوسني: إن احتفاء الدولة بمرور نحو عقدين على هذا الإنجاز لا يمثل محطة ختام، بل يشكل نقطة انطلاق لمسؤولية دولية أكبر، تواصل من خلالها الإمارات قيادة الجهود العالمية لمكافحة الداء، وتسخير الابتكار والتعاون الاستراتيجي لضمان مستقبل يخلو فيه العالم من أعباء الأمراض المعدية.
وعزت الدكتورة الحوسني خلو الدولة التام من مرض الملاريا إلى منهجية عمل استباقية، تحولت إلى نموذج عالمي في إرادة التغيير، مشيرة إلى أن الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وضع منذ اللحظات الأولى لتأسيس الاتحاد صحة الإنسان في صدارة الأولويات الاستراتيجية، لتبدأ رحلة وطنية رائدة تُوّجت بتأسيس إدارة مركزية لمكافحة الملاريا عام 1979، قبل أن تتحول هذه الجهود إلى قصة نجاح صحية تلهم العالم.
وأضافت أن المشهد العالمي اليوم يبعث على القلق، في ظل تراجع ملحوظ في الجهود المبذولة لمكافحة هذا التهديد الصحي، متسائلة عما إذا كانت الإرادة السياسية وحدها تقف خلف هذا التراجع، أم أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
وأوضحت أن 2025 برز كعام محمل بالتحديات، أبرزها تراجع التمويل الصحي العالمي، ما زاد العبء على برامج الدعم الصحي التي كانت تعمل أصلاً على حافة طاقتها، غير أنها شددت على أن الأزمة سبقت هذا التراجع بكثير، مستندة في ذلك إلى تقرير الملاريا العالمي الصادر عن منظمة الصحة العالمية، والذي كشف أن التمويل المتاح لم يبلغ سوى أقل من نصف التمويل المستهدف، في وقت لا تزال فيه أرقام الإصابات والوفيات مرشحة للارتفاع.
وأشارت إلى أن الوفيات ارتفعت من 597 ألف حالة عام 2023 إلى نحو 610 آلاف حالة عام 2024، في حين لا تزال المؤشرات العالمية بعيدة عن العودة إلى المستويات المسجلة قبل جائحة كوفيد 19.
واستعرضت الدكتورة الحوسني عوامل أخرى لا تقل خطورة عن ضعف الإرادة السياسية أو تراجع التمويل، وفي مقدمتها التغير المناخي، الذي يسهم في توسيع رقعة انتقال الملاريا إلى مناطق لم تعرفها تاريخياً، إضافة إلى تحدّ أكثر إلحاحاً يتمثل في انتشار مقاومة طفيليات الملاريا لعلاجات الأرتيميسينين المركبة، التي ظلت على مدى عقدين العمود الفقري لعلاج المرض.
وقالت: إن أربع دول في شرق أفريقيا، هي: إريتريا ورواندا وأوغندا وتنزانيا، وثقت مقاومة جزئية لهذه العلاجات، فيما تشير الأدلة الأولية إلى احتمال وجودها في إثيوبيا والسودان وناميبيا وزامبيا، لافتة إلى أن خطورة هذا التطور تتضاعف في قارة تشكل وحدها 94 % من الإصابات و95 % من الوفيات العالمية بالملاريا عام 2024.
وشددت الدكتورة الحوسني على أن التطورات العلمية الحديثة في مجال مكافحة الملاريا توفر فرصاً حقيقية لتغيير المسار وتسريع الجهود العالمية للقضاء على المرض، مؤكدة أن الابتكارات العلمية أثبتت فعاليتها في المختبر، لكنها تحتاج اليوم إلى قيادة قادرة على نقلها من المختبر إلى الميدان، وتوسيع نطاق استخدامها في البيئات الأكثر احتياجاً.
وذكرت أن التقييم المستقل للبرنامج التجريبي للقاح الملاريا، الذي شمل أكثر من مليوني طفل في غانا وكينيا وملاوي، أظهر انخفاضاً بنسبة 13 % في وفيات الأطفال الإجمالية، وتراجعاً بنسبة 30 % في حالات الملاريا الحادة، فيما يسير لقاح الملاريا R21 في الاتجاه ذاته، محققاً نتائج واعدة في التجارب السريرية.
واعتبرت الرئيس التنفيذي للمعهد العالمي للقضاء على الأمراض المعدية أن التوسع في توزيع اللقاحات عبر أفريقيا، بالتوازي مع حزمة التدخلات الكاملة الموصى بها من منظمة الصحة العالمية، يمكن أن يشكل تحولاً جذرياً في مسار مكافحة المرض، ويسهم في إنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح سنوياً.
ولفتت إلى أن الأدوية المبتكرة لعلاج الملاريا، ومن بينها عقار GanLum، تمضي بدورها في اتجاه واعد، إذ أظهرت نتائج المرحلة الثالثة من التجارب السريرية معدل شفاء بلغ 97.4 %، وهو ما يمثل استجابة مباشرة لأزمة مقاومة الأرتيميسينين التي باتت أحد أخطر التحديات أمام جهود السيطرة على المرض.
حلول مبتكرة
وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، قالت الدكتورة الحوسني إنه يأتي في صدارة الحلول المبتكرة القادرة على إعادة صياغة خريطة الملاريا عالمياً، مشيرة إلى أن مراجعة علمية شملت 62 دراسة نُشرت بين عامي 2014 و2025، أكدت أن أدوات التشخيص المعتمدة على الذكاء الاصطناعي حققت دقة أعلى وأوقات تشخيص أقصر.
وأضافت أن التجربة الأكثر إقناعاً جاءت من الميدان، وتحديداً في إثيوبيا، حيث نُفذت تجربة بالتعاون مع مؤسسة غيتس ووزارة الصحة، جرى خلالها إدخال قارئ يعتمد على الذكاء الاصطناعي لاختبارات التشخيص السريع للملاريا ضمن منصة الكوادر الصحية المجتمعية، فبلغت دقة الكشف 100 %، مع تحسن فوري ومستدام بنسبة 10 % في سلوك وصف الأدوية الصحيح.
وشددت الدكتورة الحوسني على أن الأدوات باتت متاحة، والمعرفة متوفرة، والابتكارات أثبتت جدواها، لكن ما ينقص العالم اليوم هو قرار واضح بالتوسع الفعلي في تطبيقها، عبر ما يمكن وصفه بالدفعة الكبيرة التي دعت إليها منظمة الصحة العالمية، والتي تقوم على إشراك حقيقي للمجتمع المدني والقطاع الخاص، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية باعتبارها العمود الفقري للتنفيذ، لا مجرد عنصر مساعد أو هامشي.
وقالت إن السؤال لم يعد: هل يستطيع العالم القضاء على الملاريا؟ فالإجابة باتت واضحة، وهي أن ذلك ممكن، لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو ما إذا كان العالم يريد فعلاً إنجاز هذه المهمة، بكل ما تتطلبه من موارد مستدامة، وشراكات صادقة، والتزامات طويلة الأمد لا تتغير بتغير الأولويات أو تبدل الظروف.
رؤية
كما أكدت الدكتورة فريدة الحوسني أن قصة نجاح دولة الإمارات في دحر الملاريا لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة رؤية قيادية طموحة، وإدارة علمية رصينة، واستثمار مبكر في صحة الإنسان، مشيرة إلى أن هذه التجربة تمثل برهاناً ساطعاً على أن تلاقي الإرادة السياسية مع التخطيط العلمي كفيل بتحقيق ما كان يُظن مستحيلاً، لتبقى الإمارات منارة في تحويل التحديات الصحية إلى انتصارات إنسانية مستدامة.
