ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 29 مايو 2026 12:36 صباحاً - تتعدد مظاهر الاحتفاء بالملامح التراثية في دولة الإمارات مع حلول الأعياد والمناسبات، معيدة الذاكرة المجتمعية إلى زمن الأجداد بتفاصيل تنبض بالأصالة والموروث الشعبي.
وفي غمرة العصر المتسارع، لا يزال «التنور الإماراتي» حاضراً في المشهد، رافضاً الاندثار كأحد أبرز ركائز الهوية الثقافية التي تحرص العائلات والقبائل الإماراتية على إحيائها وصونها، لا سيما في عيد الأضحى المبارك.
ويشكل هذا الطقس العريق جزءاً لا يتجزأ من خصوصية العيد، حيث يعتمد على طهي لحوم الأضاحي المتبلة بالبهارات الإماراتية داخل حفرة عميقة في جوف الأرض تُضرم فيها النيران، قبل أن تُدفن الذبائح لساعات طويلة تمتد لنحو نصف يوم، لتنضج على حرارة الجمر الهادئة مخلفةً نكهة فريدة تختزل قيم البركة والالتفاف الأسري.
وقالت موزة سهيل الكعبي من منطقة حتا، إنها تعلمت إعداد لحم التنور من والديها، مؤكدة أن التنور موجود في عائلتها منذ زمن الأجداد، موضحة أن التنور الواحد قد يتسع لأكثر من 20 ذبيحة.
وأوضحت أن التنور يُعد جزءاً أساسياً من عيد الأضحى، حيث يجتمع الأهالي والجيران مساء اليوم الأول من العيد لتحضير اللحم ووضعه داخل حفرة التنور تباعاً، ثم يُغلق حتى ظهر اليوم الثاني من العيد ليتم إخراجه.
وتؤكد فاطمة الغاوي، من منطقة دبا الحصن، ارتباط التنور بالهوية الإماراتية وبالذاكرة الاجتماعية للأسر قائلة: "إن التنور كان ولا يزال جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية والمناسبات العائلية".
وتوضح أن التنور عبارة عن حفرة داخل الأرض بعمق يقارب المترين، كانت تُرصف قديماً بالحجارة والطين، بينما يُستخدم اليوم الحجر مع الأسمنت مع الحفاظ على الفكرة والطابع التقليدي نفسه.
وتضيف أن للتنور حضوراً خاصاً في الأعياد، إذ ترتبط أجواء الفرح العائلية بتجهيز «الشاوية» وإشعال الحطب قبل العيد وخلال أيامه، وهي طقوس تعيد إلى الأذهان ذكريات الماضي ولمة الفريج القديمة، كما تمثل وسيلة للحفاظ على التراث ونقله إلى الأبناء.
وترى أن التنور لا يقتصر على كونه أداة للطهي، بل يحمل قيمة اجتماعية وإنسانية كبيرة، خاصة في عيد الأضحى حين يجتمع الأهالي والجيران في المزارع لتحضير الأضاحي وطهيها على تنور واحد، في مشهد يعكس روح التعاون والألفة واستمرار العادات المتوارثة بين الأجيال.
مشاركة جماعية
ولا يكتفي الأهالي بالتنور العميق المحفور في الأرض، بل يصنعون أيضًا تنورًا منزليًا لإعداد الغداء للضيوف أو للمناسبات الصغيرة.
وفي هذا الإطار، أوضحت آمنة صنقور البدواوي أنه في عيد الفطر أو خلال الأيام العادية يُستخدم قدر خاص يحتوي على مصفاة داخلية في الأسفل، ويتم وضع ورق شجرة «الشحس» أسفل اللحم وفوقه، ثم يُغطى بورق القصدير ويُترك على النار لمدة 3 ساعات.
وأضافت أن مهام إعداد التنور تتوزع بين النساء اللواتي يقمن بتتبيل اللحم، والرجال الذين يتولون تغليف اللحم وإنزاله إلى التنور وإخراجه منه.
ضيف عزيز
ويرى محمد الغيثي، من مدينة العين، أن مظاهر العيد لا تزال تحافظ إلى حد كبير على أصولها القديمة، مشيرًا إلى أنه اعتاد منذ طفولته أن تكون فرحة العيد مرتبطة بيوم «التنور»، وهي الحفرة التي حفرها جده في المنزل، حيث يتم وضع أنواع معينة من الأخشاب تُشترى خصيصًا لهذا الغرض، ثم تُشعل حتى تتحول إلى فحم، قبل أن يُوضع اللحم المتبل داخل كيس مصنوع من سعف النخيل يُعرف باسم «كيس السعف»، ثم يُغطى بأوراق الموز والمانجو ويوضع داخل الحفرة ليُطهى لأكثر من 16 ساعة.
وأوضح أنه يتم استخراج لحم التنور قبل أذان الظهر بمشاركة جميع أفراد العائلة، ثم يُوزع جزء منه على الجيران، فيما تجتمع العائلة لتناوله معًا.
موروث الأجداد
وأوضح فهد علي المعمري، كاتب وباحث في التاريخ والتراث الإماراتي، أن التنور تجاوز في الوجدان الشعبي مفهومه التقليدي كأداة لإعداد الطعام أو حفرة طينية توقد فيها النار، ليمثل قلب البيت النابض ومحور العلاقات الاجتماعية في الكثير من البيوت الإماراتية والخليجية والعربية عموماً قديماً.
وأوضح أن حضور التنور في فناء المنزل أو بالقرب من المطبخ الشعبي كان يتجاوز الوظيفة المعيشية إلى أبعاد إنسانية جعلت منه رمزاً للأسرة المتماسكة، ومدرسة اجتماعية غير معلنة، تلتف حولها الأمهات والجدات وبناتهن لتبادل الحكايات وتناقل القيم والعادات والتقاليد دون كتب أو مدارس، مما يبني تماسك الأسرة بصورة طبيعية وعفوية، ويتيح للفتاة تعلم معنى المسؤولية والصبر والعمل الجماعي.
