ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 9 سبتمبر 2026 12:06 مساءً - أكد ديفيد شاريا، مدير ورئيس فرع في المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن الدولي، أن دولة الإمارات تقدم نموذجاً متميزاً في التصدي للإرهاب من دون التخلي عن قيم التسامح والانفتاح، مشيداً بقدرتها على الجمع بين حماية المجتمع والمحافظة على نهج يقوم على إشراك جميع مكوناته.
وقال شاريا، في مقابلة خاصة مع «حال الخليج» على هامش منتدى هيلي، إن كثيراً من الدول تتجه، عند تعرضها لتهديد إرهابي، نحو مزيد من الانغلاق والإجراءات القمعية، في حين حافظت الإمارات على قيمها وانفتاحها واعتزازها بدورها الفاعل في المجتمع الدولي.
وأضاف: «من أجمل ما يميز دولة الإمارات التزامها بالتسامح والانفتاح واتباع نهج يشمل المجتمع بأسره»، مشيراً إلى أن مواجهة الإرهاب لا ينبغي أن تؤدي إلى تقويض المبادئ التي تسعى المجتمعات إلى حمايتها.
وأكد أن أهمية النموذج الإماراتي تتزايد في ظل التحولات التي يشهدها التهديد الإرهابي، وانتقال التنظيمات المتطرفة إلى توظيف تقنيات حديثة تشمل الطائرات من دون طيار ومنصات الألعاب الإلكترونية والعملات المشفرة والذكاء الاصطناعي.
إسهام إماراتي
وأشاد شاريا بالدور الذي أدته الإمارات خلال عضويتها في مجلس الأمن، ولا سيما في قيادة الجهود الدولية لتطوير «مبادئ أبوظبي التوجيهية بشأن التهديدات الناجمة عن استخدام منظومات الطائرات من دون طيار لأغراض إرهابية».
وأوضح أن المبادئ تتناول بيع الطائرات التجارية من دون طيار واستخدامها وتصديرها، وتحث الدول على اتخاذ التدابير اللازمة لمنع وصول هذه التقنيات إلى التنظيمات الإرهابية.
وقال إن الإمارات تحركت في هذا الملف بعد تعرضها لهجوم إرهابي استُخدمت فيه طائرات من دون طيار، وحولت تجربتها إلى مبادرة يستفيد منها المجتمع الدولي في مواجهة خطر متنامٍ.
وأضاف: «هذا إسهام كبير ينبغي لكل فرد في مجتمع الإمارات أن يشعر بالفخر تجاهه»، مؤكداً أن المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب تشجع الدول على تبنّي هذه المبادئ والاستفادة من النموذج الذي قدمته الإمارات.
أطفال مستهدفون
وحذّر شاريا من تزايد استغلال التنظيمات الإرهابية منصات الألعاب الإلكترونية لاستقطاب أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 10 أو 12 عاماً، والعمل على دفعهم تدريجياً نحو التطرف والعنف.
وأوضح أن بعض الألعاب تتيح للأطفال تقمص شخصيات مقاتلة والانخراط في مشاهد شديدة العنف، الأمر الذي قد يجعل بعضهم أكثر انجذاباً إلى هذا النوع من المحتوى.
وأضاف أن مجندين تابعين لتنظيمات إرهابية يراقبون الأطفال داخل هذه المنصات لتحديد الأكثر انجذاباً إلى العنف، قبل بدء عملية استقطاب تدريجية تستخدم أساليب تبدو بسيطة وغير مثيرة للريبة.
وقال: «يمنحونهم شارات ومكافآت وقسائم، ثم يصبح الأطفال تدريجياً أكثر اندماجاً في منظومة العنف».
وأشار إلى أن الخطر لا يتوقف عند حدود اللعبة؛ إذ تسعى التنظيمات، بعد بناء علاقة أولية مع الطفل، إلى نقله من المنصات المعتادة إلى مساحات رقمية أكثر تعقيداً وأقل خضوعاً للرقابة.
وفي تلك المساحات المغلقة، يبدأ المجندون في مناقشة الانتقال من ممارسة العنف الافتراضي إلى تنفيذ العنف الحقيقي، مستغلين صغر سن الطفل وضعف قدرته على إدراك طبيعة الاستدراج الذي يتعرض له.
ودعا شاريا دول المنطقة والعالم إلى مراقبة هذا الاتجاه المتنامي، وضمان عدم تحول منصات الألعاب إلى ساحات لتجنيد الأطفال في الإرهاب، مؤكداً ضرورة الانتباه إلى الأماكن الرقمية التي يقصدها القاصرون والأشخاص الذين يتواصلون معهم.
أدوات إرهابية جديدة
وأكد شاريا أن استغلال منصات الألعاب يمثل جانباً واحداً من خريطة أوسع للتهديدات الإرهابية الناشئة، والتي تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا الحديثة.
وأوضح أن استخدام الطائرات من دون طيار من جانب التنظيمات الإرهابية ليس ظاهرة جديدة، لكن التطور اللافت يتمثل في وصول قدرات أكثر تقدماً إلى أيدي تلك التنظيمات، ما يزيد قدرتها على تنفيذ الهجمات وتهديد المنشآت والمجتمعات.
كما أشار إلى توسع التنظيمات الإرهابية في استخدام العملات المشفرة والأصول الافتراضية، ودمجها مع وسائل التمويل التقليدية بهدف جمع الأموال وتحريكها بعيداً عن آليات الرقابة المعتادة.
وقال إن هذا الدمج بين الوسائل الجديدة والتقليدية يزيد تعقيد عمليات تتبع تمويل الإرهاب، ويفرض على الدول والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا تطوير أدوات الرقابة والتعاون وتبادل المعلومات.
الذكاء الاصطناعي
وحذّر شاريا من أن التنظيمات الإرهابية أصبحت أكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية في تحسين رسائلها وتوسيع نطاق انتشارها والتحايل على إجراءات الحماية الرقمية.
وأوضح أن هذه التنظيمات تستخدم الأدوات التقنية المتاحة بالطريقة نفسها التي يستخدمها بها بقية أفراد المجتمع، لكنها توجهها لخدمة أهداف إرهابية، بما في ذلك تطوير المحتوى الدعائي وتكييف الرسائل مع فئات محددة ومحاولة تجاوز القيود المفروضة على المنصات.
وأكد أن التطور السريع لهذه الأدوات يتطلب استجابة لا تقتصر على الأجهزة الأمنية، بل تشمل الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات التعليمية والأسر والمجتمع المدني.
ويرى شاريا أن نهج «المجتمع بأسره» الذي تتبناه الإمارات يمثل نموذجاً مهماً للتعامل مع هذه التحديات لأن مواجهة الاستقطاب الإلكتروني لا يمكن أن تتحقق من خلال الأدوات الأمنية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى الوقاية والتوعية وحماية الأطفال وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود.
وشدد على أن الحفاظ على الانفتاح والتسامح، بالتوازي مع تطوير الضوابط التقنية والتشريعية، يوفر أساساً أكثر استدامة لمواجهة الإرهاب، ويحول دون نجاح التنظيمات المتطرفة في دفع المجتمعات إلى التخلي عن قيمها تحت ضغط الخوف والتهديد.
