ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 10 سبتمبر 2026 12:06 صباحاً - تدخل العلاقات بين الإمارات وألمانيا مرحلة جديدة أكثر تألقاً في قطاع الطاقة، لم تعد تقتصر على تجارة النفط والغاز، وإنما تمتد بصورة متسارعة إلى الغاز الطبيعي المسال، والهيدروجين منخفض الكربون، والأمونيا، والطاقة المتجددة، وتخزين الكهرباء، وإدارة الكربون، والتكنولوجيا المرتبطة بتحول أنظمة الطاقة.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، إذ تبحث ألمانيا عن تنويع مصادر إمداداتها وتعزيز أمن الطاقة.
بينما تسعى الإمارات إلى ترسيخ موقعها مركزاً عالمياً للطاقة التقليدية والجديدة معاً، وتحويل قدراتها في الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا إلى منصة للتوسع في أسواق الطاقة العالمية.
يعود التعاون المنظم بين الإمارات وألمانيا في مجال الطاقة إلى توقيع «الشراكة الإماراتية الألمانية للطاقة» عام 2017، بهدف تعزيز الحوار والتعاون في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، ثم تطورت هذه الشراكة لتشمل بصورة أكبر قضايا التحول في قطاع الطاقة والهيدروجين والعمل المناخي.
ومع مرور الوقت، اتسع نطاق التعاون ليجمع بين المصالح التقليدية والمستقبلية، فالإمارات تمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز، إضافة إلى إمكانات واسعة في الطاقة الشمسية ومشروعات الهيدروجين.
بينما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية ضخمة تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة والمواد الخام، إلى جانب خبرة متقدمة في الهندسة والتصنيع والتكنولوجيا وكفاءة الطاقة.
وهنا نشأت معادلة اقتصادية واضحة: الإمارات قادرة على توفير الطاقة والاستثمار، وألمانيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية تستطيع تحويل الطاقة إلى قيمة مضافة صناعية، ولذلك أصبح التعاون بين الطرفين يتجه بصورة متزايدة نحو سلاسل القيمة، وليس مجرد بيع وشراء الطاقة.
أول شحنة
وهناك تركيز متزايد على الطاقة النظيفة فيما لا يزال الغاز الطبيعي يشكل عنصراً أساسياً في العلاقة بين البلدين.
فقد سلمت شركة «أدنوك» أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط إلى ألمانيا في عام 2023، ومنذ ذلك الحين تطورت العلاقات التجارية بين «أدنوك» وعدد من الشركات الألمانية.
وفي فبراير 2026، أعلنت «أدنوك» أن السوق الألمانية تحصل حالياً على نحو 0.7 مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، فيما أبرمت الشركة اتفاقيات جديدة لتوريد 1.6 مليون طن سنوياً من مشروع الرويس للغاز الطبيعي المسال إلى شركات ألمانية.
كما أعلنت «أدنوك» و«آر دبليو إي» الألمانية في فبراير 2026 اتفاقية تعاون استراتيجي لاستكشاف فرص توريد الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا والأسواق الأوروبية بكميات تصل إلى مليون طن متري سنوياً ولمدة تصل إلى عشر سنوات، إلى جانب بحث فرص التعاون في تجارة الغاز الطبيعي المسال وقدرات إعادة تحويله إلى حالته الغازية في ألمانيا وأوروبا.
هذه التطورات تعكس تحولاً مهماً في العلاقة، فألمانيا لا تنظر إلى الإمارات كمورد تقليدي للطاقة فحسب، بل كشريك يمكن أن يساهم في تنويع مصادر الإمدادات وتعزيز مرونة السوق الأوروبية.
وفي المقابل، يمثل السوق الألماني والأوروبي فرصة استراتيجية للإمارات لتوسيع حضورها في تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً مع تطوير الإمارات لقدرات إنتاجية جديدة، وفي مقدمتها مشروع الرويس للغاز الطبيعي المسال.
هيدروجين
وإذا كان الغاز يمثل أحد أعمدة التعاون الحالي، فإن الهيدروجين يمثل أحد أهم أعمدة التعاون المستقبلي. وتتوافر للإمارات عوامل تجعلها لاعب مهم في سوق الهيدروجين العالمي.
وفي مقدمتها وفرة الطاقة الشمسية، وتوافر البنية التحتية للطاقة والموانئ، والخبرة الطويلة في إنتاج وتصدير الطاقة، إضافة إلى قدرة الشركات الإماراتية على الاستثمار في مشروعات ضخمة.
في المقابل، تحتاج ألمانيا إلى استيراد كميات كبيرة من الهيدروجين ومشتقاته لدعم تحول صناعاتها الثقيلة، خصوصاً قطاعات الحديد والصلب والكيماويات والنقل والصناعات التي يصعب إزالة الكربون منها.
ولهذا السبب أطلقت الدولتان إطاراً للتعاون في الهيدروجين ضمن الشراكة الإماراتية الألمانية للطاقة، بهدف تحديد المشروعات، ومعالجة تحديات النقل والتطبيقات والتمويل، وتطوير التعاون بين الشركات والمؤسسات الحكومية.
وفي 2022، أعلنت وزارة الاقتصاد والعمل المناخي الألمانية عن مجموعة من مشروعات التعاون في الهيدروجين بين الشركات الألمانية والإماراتية.
مؤكدة أن الإمارات تتمتع بظروف مناسبة لإنتاج الهيدروجين منخفض التكلفة من مصادر الطاقة المتجددة، وأن ألمانيا ترى في التعاون مع الإمارات جزءاً من جهود بناء إمدادات مستقبلية من الهيدروجين.
خطوات عملية
وشهد التعاون الإماراتي الألماني في هذا المجال خطوات عملية مبكرة، من بينها شحنات تجريبية من الأمونيا الزرقاء إلى ألمانيا، ضمن جهود اختبار سلاسل توريد الوقود منخفض الكربون.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية لأنها تنقل التعاون من مستوى الدراسات والمذكرات إلى اختبار البنية الفعلية لسوق جديد:
الإنتاج في الإمارات، ثم النقل إلى أوروبا، ثم الاستخدام في الصناعات الألمانية. كما أن الأمونيا لا تمثل مجرد سلعة طاقة، بل يمكن أن تكون جزءاً من منظومة صناعية متكاملة تشمل الأسمدة والكيماويات والمواد المتقدمة.
وفي فبراير 2026، شهدت زيارة المستشار الألماني إلى مقر «أدنوك» إعلان مذكرة تفاهم بين «كوفيسترو» و«فيرتيغلوب» و«تعزيز» لاستكشاف فرص التعاون في مجالات الأمونيا والمواد المستدامة، بما يربط بصورة مباشرة بين الطاقة والمواد الصناعية، وهذا النوع من التعاون يعكس اتجاهاً مهماً:
الإمارات وألمانيا لا تبحثان فقط عن نقل جزيئات الطاقة من منطقة إلى أخرى، بل عن بناء سلاسل قيمة صناعية حول الطاقة الجديدة.
خبرة متقدمة
وتمتلك الإمارات خبرة متقدمة في تطوير مشروعات الطاقة الشمسية واسعة النطاق، بينما تتمتع الشركات والمؤسسات الألمانية بخبرات طويلة في التكنولوجيا والهندسة وإدارة الشبكات وكفاءة الطاقة. وقد أدرج البلدان الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة ضمن أولويات الشراكة منذ تأسيسها، ثم اتسع التعاون ليشمل العمل المناخي وإزالة الكربون.
