ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 14 سبتمبر 2026 11:21 مساءً - لم يعد الإعلام العربي مجرد ناقل للأخبار أو أداة للتأثير في الرأي العام، بل أصبح جزءاً متزايد الأهمية من منظومة الاقتصاد الإبداعي والرقمي في المنطقة، مع اتساع الاستثمار في المحتوى والمنصات الرقمية والإنتاج التلفزيوني والسينمائي والإعلانات والألعاب الإلكترونية والتقنيات الجديدة.
وبينما يصعب اختزال المساهمة الاقتصادية للإعلام العربي في رقم موحد بسبب اختلاف تعريف القطاع وطرق القياس بين الدول، فإن تأثيره يمتد إلى الاستثمار والتوظيف والسياحة والتجارة والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية.
وتتزامن هذه التحولات مع تغير جذري في طريقة استهلاك المحتوى، فالهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي والبث عبر الإنترنت حولت الجمهور العربي من متلقٍ يعتمد أساساً على الصحيفة أو شاشة التلفزيون إلى مستخدم متصل على مدار الساعة.
وهو تحول دفع المؤسسات الإعلامية إلى إعادة بناء نماذج أعمالها، وأوجد في الوقت نفسه سوقاً جديدة للمحتوى الرقمي والإعلانات والتجارة المرتبطة بصناع المحتوى.
وتكمن القيمة الاقتصادية للإعلام في سلسلة واسعة تبدأ بالصحافي والكاتب والمصور، لكنها تمتد إلى شركات الإنتاج والاستوديوهات والمعلنين ووكالات التسويق ومطوري البرمجيات ومراكز البيانات وشركات الاتصالات ومنصات البث والفعاليات والمؤتمرات.
ومن هنا فإن قياس أثر الإعلام لا ينبغي أن يقتصر على إيرادات الصحف والقنوات التلفزيونية، بل يشمل جزءاً أوسع من اقتصاد الإعلام والترفيه والصناعات الإبداعية.
وتقدر منصة «بي دبليو سي» أن إيرادات قطاع الترفيه والإعلام عالمياً تجاوزت 3 تريليونات دولار في 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 3.5 تريليونات دولار بحلول 2029، في وقت تتجه فيه حصة متزايدة من النمو نحو الإعلانات الرقمية والبث والألعاب والاقتصاد القائم على المنصات.
وبالنسبة للمنطقة العربية، يفتح ذلك مساحة واسعة للنمو، خصوصاً مع التركيبة السكانية الشابة والانتشار الكبير للهواتف الذكية والإنترنت والاستهلاك المرتفع للمحتوى الرقمي.
الوقود التقليدي يتحول رقمياً
وظل الإعلان لعقود أحد أهم مصادر تمويل الإعلام، إلا أن وجهته تغيرت بسرعة، فقد انتقلت نسبة متزايدة من ميزانيات الشركات من الصحف والإذاعة والتلفزيون إلى محركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي والفيديو الرقمي والمنصات التجارية.
هذا التحول خلق تحدياً مزدوجاً للمؤسسات الإعلامية العربية، فمن جهة أصبح عليها منافسة منصات التكنولوجيا العالمية على الإنفاق الإعلاني.
ومن جهة أخرى أصبحت أمام فرصة لتطوير منتجات رقمية أكثر تخصصاً، تعتمد على الفيديو والبيانات والاشتراكات والفعاليات والمحتوى المدفوع.
وتتوقع «بي دبليو سي» أن يصبح الإعلان أكبر مكونات صناعة الإعلام والترفيه العالمية من حيث الإيرادات بحلول 2029، مع اقتراب إيراداته من تريليون دولار.
وتقود دول خليجية، وفي مقدمتها الإمارات، جانباً مهماً من الاستثمار العربي في البنية التحتية للإعلام والمحتوى، ففي الإمارات أصبح الاقتصاد الإبداعي جزءاً من استراتيجية التنويع الاقتصادي.
بينما تستهدف دبي رفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج المحلي للإمارة إلى 5 % بحلول 2026، إضافة إلى زيادة عدد الشركات والمبدعين العاملين في القطاع.
وقُدرت إيرادات قطاع الإعلام في الدولة بنحو 56.5 مليار درهم، وحقق قطاع السينما وحده إيرادات تجاوزت 734 مليون درهم عبر بيع أكثر من 14.8 مليون تذكرة، بينما وصلت إيرادات الألعاب الإلكترونية الرقمية إلى 2.7 مليار درهم.
الصورة تتحول إلى إيرادات
كما أصبحت الصورة التي تقدمها الأفلام والبرامج التلفزيونية والمنصات الإخبارية وشبكات التواصل عن مدينة أو دولة عنصراً مؤثراً في قرار السفر. ومع المنافسة المتصاعدة بين الوجهات العربية لجذب السياح الدوليين، تحول المحتوى إلى جزء من الاستثمار السياحي نفسه.
بدبي وأبوظبي، على سبيل المثال، لا يتم تسويقها فقط عبر الحملات الإعلانية التقليدية، وإنما من خلال الأفلام والفعاليات والمحتوى الرقمي والمؤثرين والتغطيات الدولية.
اقتصاد صنّاع المحتوى
أحد أكبر التحولات التي شهدها الإعلام العربي خلال العقد الأخير هو ظهور اقتصاد صنّاع المحتوى، فالفرد الذي كان يحتاج سابقاً إلى مؤسسة إعلامية للوصول إلى ملايين المشاهدين يستطيع اليوم بناء منصة خاصة به عبر يوتيوب وتيك توك وإنستغرام وغيرها، وتحويل جمهوره إلى مصدر دخل من الإعلانات والرعاية والاشتراكات والتجارة الإلكترونية.
وقد أدى ذلك إلى ظهور منظومة اقتصادية كاملة تضم وكالات إدارة المواهب وشركات التسويق الرقمي واستوديوهات صغيرة ومتخصصين في التصوير والمونتاج والتحليل والبيانات.
وعالمياً، تتوقع مؤسسة «غولدمان ساكس ريسيرش» أن يصل حجم اقتصاد صنّاع المحتوى إلى نحو 480 مليار دولار بحلول 2027، مقابل نحو 250 مليار دولار وقت صدور تقديراتها في 2023. وبالنسبة للعالم العربي، فإن الشباب وانتشار الهواتف الذكية والاستهلاك الكثيف للفيديو القصير يجعل هذا الاقتصاد مرشحاً ليصبح مكوناً أكبر من سوق الإعلام خلال السنوات المقبلة.
