ابوظبي - ياسر ابراهيم - الاثنين 14 سبتمبر 2026 11:21 مساءً - دبي - عائشة الكعبي، ريد السويدي
تحوّلت الأفلام والألعاب الإلكترونية في عالم اليوم إلى صناعات متكاملة تقف عند تقاطع الإبداع والتكنولوجيا والاستثمار والاقتصاد المعرفي. ومع التوسع المتسارع في المنصات الرقمية.
وتغير سلوك الجمهور، أصبحت هذه الصناعات لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة وصناعة الرأي العام وبناء قوة ناعمة عابرة للحدود، فضلاً عن دورها في توفير آلاف الفرص المهنية والاستثمارية المرتبطة بالاقتصاد الإبداعي.
ويأتي منتدى الأفلام والألعاب الإلكترونية، ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي، ليعكس هذا التحول، ويؤكد أن مستقبل صناعة المحتوى لم يعد مرتبطاً بالشاشات التقليدية وحدها، بل بات يمتد إلى عوالم رقمية تفاعلية تتيح للجمهور المشاركة في صناعة التجربة نفسها.
ويرى خبراء ومختصون أن المنطقة العربية تمتلك فرصة حقيقية للدخول بقوة إلى هذه الصناعات، مستفيدة من مخزونها الثقافي والتاريخي الغني، وقدرتها على إنتاج قصص وأفكار تحمل هوية محلية وتتمتع في الوقت نفسه بقابلية الوصول إلى الجمهور العالمي.
الإبداع والمسؤولية
يرى المهندس محمد سيف الأفخم، الرئيس الفخري للهيئة العالمية للمسرح، أن منتدى الأفلام والألعاب الإلكترونية يأتي في توقيت بالغ الأهمية في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الصناعات الإبداعية على مستوى العالم.
حيث لم تعد الأفلام والألعاب الإلكترونية مجرد وسائل للترفيه، بل أصبحت منصات مؤثرة في تشكيل الوعي وصناعة الثقافة وتوجيه اهتمامات الأجيال الجديدة.
ويؤكد الأفخم أن نجاح هذه الصناعات لا يرتبط فقط بالتطور التقني أو الإمكانات الإنتاجية، وإنما بقدرتها على تقديم محتوى هادف ومسؤول يجمع بين الإبداع والقيم الإنسانية والثقافية.
مشيراً إلى أن التطور الكبير الذي تشهده الألعاب الإلكترونية والأعمال السينمائية يفتح آفاقاً واسعة أمام المبدعين الشباب، ويوفر فرصاً حقيقية لصناعة محتوى عربي قادر على المنافسة عالمياً.
ويشير إلى أن هذا التوسع يصاحبه في المقابل تحدٍ لا يقل أهمية يتمثل في ضرورة توفير بيئة رقمية آمنة تحمي الأطفال واليافعين من أي ممارسات أو محتويات قد تعرضهم للاستغلال أو التأثيرات السلبية.
مؤكداً أن الاهتمام بالجانب الإبداعي يجب أن يسير بالتوازي مع تعزيز منظومات الحماية والرقابة والتصنيف العمري للمحتوى بما يضمن مواءمته للفئات العمرية المختلفة ويحافظ على سلامة المستخدمين.
الفضاء الرقمي
ويضيف أن المسؤولية لا تقع على المطورين والمنتجين وحدهم، بل تمتد لتشمل المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية والأسر، من خلال نشر الوعي بالاستخدام الآمن للمنصات الرقمية وترسيخ ثقافة الاختيار الواعي للمحتوى.
كما يشدد على أهمية تطوير تشريعات وإجراءات رقابية تواكب التطور التقني المتسارع وتسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي، سواء ما يتعلق بحماية البيانات الشخصية أو مواجهة محاولات الاستغلال والاستدراج الإلكتروني.
ويؤكد الأفخم أن صناعة المستقبل تحتاج إلى مبدعين يمتلكون رؤية ومسؤولية في آن واحد، وأن القيمة الحقيقية للأفلام والألعاب الإلكترونية لا تكمن في قدرتها على الإبهار التقني فقط، بل في دورها في بناء الوعي وتعزيز الهوية وترسيخ القيم الإيجابية.
ويرى أن نجاح هذه الصناعات يقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين حرية الإبداع ومتطلبات الأمن الرقمي، بما يضمن إنتاج محتوى يثري المعرفة ويحفز الخيال ويحمي الأجيال الجديدة، لتصبح هذه القطاعات رافداً أساسياً للتنمية الثقافية والاقتصادية وصناعة المستقبل.
صناعة التأثير
ويؤكد الدكتور طحنون العميمي، الأمين العام للمركز العربي للإعلام الإلكتروني، أن النظر إلى الأفلام والألعاب باعتبارها وسائل للترفيه فقط لم يعد يتناسب مع حجم التحولات التي يشهدها الإعلام الرقمي.
موضحاً أنها أصبحت منتجات ثقافية واقتصادية وإعلامية متكاملة، قادرة على صناعة الرأي والانطباع وخلق فرص استثمارية ووظيفية والوصول إلى ملايين الأشخاص بلغات وثقافات مختلفة.
ويقول: إن القيمة الحقيقية لهذه الصناعات لا تقاس فقط بالإيرادات التي تحققها، وإنما بما تصنعه من تأثير طويل المدى.
فالشخصية التي تظهر في لعبة قد تتحول إلى فيلم ومنتجات تجارية ومنصات رقمية ومجتمع من المتابعين، فيما تستطيع قصة واحدة أن تتحول إلى ملكية فكرية تمتد قيمتها لسنوات طويلة.
ويضيف أن أحد أبرز التحولات في المشهد الإعلامي يتمثل في المنافسة على وقت الجمهور وانتباهه، فالأجيال الجديدة لم تعد تستهلك المحتوى بالطريقة التقليدية نفسها، بل تتنقل بين الفيديو والألعاب والمنصات الاجتماعية والتجارب التفاعلية، الأمر الذي فرض مفهوماً جديداً لصناعة المحتوى يقوم على التفاعل وليس المشاهدة فقط.
ويوضح أن السينما تقدم للجمهور قصة يشاهدها، بينما تمنحه الألعاب فرصة الدخول إلى القصة والمشاركة فيها واتخاذ القرار والتأثير في مسار الأحداث، وهو ما يفسر قوة الألعاب بوصفها وسيلة إعلامية وثقافية حديثة.
كما يشير إلى أن الحدود بين الأفلام والألعاب تتراجع سريعاً، إذ باتت الصناعتان تتشاركان في كتابة السيناريو وتصميم الشخصيات وبناء العوالم والمؤثرات البصرية وتقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، وأصبح النجاح في إحداهما قادراً على فتح المجال أمام الأخرى.
ويرى العميمي أن المنطقة العربية تقف أمام فرصة مهمة لاستخدام هذه الصناعات في تقديم هويتها بصورة مختلفة، مؤكداً أن العالم العربي لا يعاني نقصاً في القصص، بل يمتلك تاريخاً وتراثاً وشخصيات وحكايات ومواقع وبيئات يمكن أن تشكل أساساً لمئات الأفلام والألعاب ذات الحضور العالمي.
ويضيف أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية إعادة تقديم هذا المخزون بلغة العصر، موضحاً أن الشاب في أي دولة في العالم قد يتعرف إلى مدينة عربية أو شخصية تاريخية أو جزء من التراث من خلال لعبة قبل أن يقرأ عنها في كتاب أو يشاهد برنامجاً وثائقياً.
ويؤكد أن صناعة محتوى عربي عالمي لا تعني تقليد التجارب الأجنبية، بل تقديم قصة محلية تمتلك هوية واضحة بأدوات إنتاج ومواصفات تنافسية عالمية، مشدداً على أن الهوية يمكن أن تكون نقطة قوة تجارية وإبداعية متى قُدمت باحتراف.
ويلفت إلى أن هذه الصناعة تعيد كذلك تشكيل مفهوم الوظيفة أمام الشباب، إذ تظهر تخصصات وفرص مهنية تتجاوز التقسيم التقليدي بين الإعلام والتكنولوجيا.
وتشمل تطوير الألعاب والبرمجة وكتابة السيناريو وتصميم الشخصيات والرسوم ثلاثية الأبعاد والمونتاج والمؤثرات البصرية والصوتية وإدارة المجتمعات الرقمية وتحليل سلوك الجمهور والتسويق الرقمي.
ويشير إلى أن الشاب الإماراتي والعربي يستطيع اليوم أن يكون مؤسساً لاستوديو أو منصة أو مشروع رقمي، وقادراً على بناء ملكية فكرية تبدأ بفكرة صغيرة ثم تتحول إلى منتج يصل إلى أسواق دولية.
مشدداً على أن هذا التحول يضع الجامعات أمام مسؤولية إعادة النظر في طريقة إعداد الطلبة، بتوفير بيئة عملية تسمح للطالب بالإنتاج والإبداع قبل دخوله سوق العمل.
ويؤكد العميمي أن الذكاء الاصطناعي سيكون تأثيره واسعاً في صناعة الأفلام والألعاب، إذ يمكنه اختصار مراحل من الإنتاج والمساعدة في تطوير النماذج الأولية وتصميم المشاهد والشخصيات والمؤثرات والترجمة والدبلجة وتحليل تفاعل الجمهور، بما يقلل الوقت ويمنح فرق العمل مساحة أكبر للتجربة، لكنه يشدد على أنه لا يصنع وحده هوية المحتوى.
حيث إن الإنسان هو من يمنحها المعنى والسياق والقيمة الثقافية، ولذلك ستكون المهارة الأهم مستقبلاً هي القدرة على الجمع بين الإبداع الإنساني والقوة التقنية.
الحاضر والمستقبل
ويرى الإعلامي والكاتب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، أن الأفلام والألعاب الإلكترونية ليست لغة إعلام المستقبل فقط، بل إنها جزء أساسي من لغة الحاضر أيضاً.
فالأجيال الجديدة تتلقى الأفكار والمعلومات من خلال الصورة والحركة والتفاعل، ولم تعد تكتفي بدور المتلقي الذي يشاهد أو يستمع، وإنما تريد أن تشارك وتختار وتؤثر في مسار المحتوى.
ويؤكد أن الألعاب الإلكترونية تنقل الجمهور من موقع المشاهد إلى موقع الشريك في بناء التجربة، ولهذا أصبحت من أكثر أدوات التأثير حضوراً بين فئة الشباب، إلى جانب الأفلام التي ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على تقديم القضايا والأفكار من خلال حكايات تبقى في الذاكرة.
ويشير إلى أن تخصيص منتدى للأفلام والألعاب الإلكترونية ضمن قمة الإعلام العربي يعكس وعياً واضحاً بطبيعة التحول الذي يشهده الإعلام، فالفواصل التقليدية بين الإعلام والترفيه والثقافة والتكنولوجيا أخذت تتراجع، وأصبح الفيلم لعبة في بعض الأحيان، وتحولت اللعبة إلى قصة ومنصة للتواصل وصناعة الرأي.
ويكتسب المنتدى أهميته من قدرته على جمع صناع الأفلام ومطوري الألعاب والكتّاب والمستثمرين والمؤسسات الإعلامية والثقافية في مساحة واحدة.
لأن هذا القطاع لا يمكن أن ينمو بالجهود الفردية، بل يحتاج إلى منظومة تتكامل فيها الموهبة مع التمويل، والفكرة مع التقنية، والإنتاج مع التسويق والتوزيع.
ويؤكد الهاملي أن المنطقة العربية تمتلك قصصاً ثرية وشخصيات ملهمة وموروثاً ثقافياً قادراً على إنتاج محتوى منافس عالمياً، إلا أن الاستفادة من هذه الثروة تتطلب رؤية بعيدة المدى تبدأ من التعليم والتدريب وتأهيل المبرمجين والمصممين وكتّاب السيناريو، وتمتد إلى تأسيس شركات ومنصات قادرة على الإنتاج والتوزيع والوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي حديثه عن الذكاء الاصطناعي، يشير إلى أنه أحدث تحولاً واسعاً في مختلف مراحل الإنتاج الإبداعي، من تطوير الأفكار وكتابة النصوص إلى المؤثرات البصرية والترجمة والتوزيع وتحليل اتجاهات الجمهور. لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن التقنية لا تصنع الإبداع من فراغ، بل تظل أداة توسع قدرة المبدع ولا تعوض غياب الرؤية والموهبة والخيال.
ويشدد على أن دعم المحتوى العربي والإماراتي يحتاج إلى دور فاعل من المؤسسات الإعلامية والثقافية عبر إنشاء حاضنات ومختبرات لتطوير الأفكار، وتنظيم المسابقات وتقديم المنح ودعم المشروعات الناشئة وربط المبدعين بالمستثمرين والخبراء وشركات التوزيع.
ويلفت الهاملي إلى ضرورة تحقيق التوازن بين تشجيع الإبداع والابتكار من جهة، وحماية النشء من جهة أخرى، مؤكداً أن هذا التوازن لا يتحقق بالمنع المطلق .
ولا بترك الفضاء الرقمي دون ضوابط، بل من خلال منظومة متكاملة تشارك فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والثقافية والجهات التشريعية والمنصات التقنية، بما يضمن توفير بيئة رقمية آمنة وفي الوقت ذاته داعمة للإبداع والاكتشاف.
الجمهور في قلب الحكاية
يؤكد الدكتور خالد محمد السناني، مختص في السينما بوسائل التواصل الاجتماعي وصانع محتوى رقمي، أن صعود الأفلام والألعاب ضمن الاقتصاد الإبداعي جاء نتيجة التحول الكبير في سلوك الجمهور، إذ أصبحت الصناعتان تجمعان الإبداع والتكنولوجيا والاستثمار، فيما منح الانتشار الرقمي المنتج الإبداعي قدرة على الوصول إلى أسواق وجماهير لم تكن متاحة بالسهولة نفسها في السابق.
ويرى أن أحد أهم التحولات يتمثل في انتقال الجمهور من موقع المشاهد إلى موقع المشارك، فالفيلم يقود المتلقي عبر أحداثه.
بينما تمنحه اللعبة فرصة التحرك داخل العالم نفسه والتفاعل مع تفاصيل القصة واتخاذ القرارات. ويؤكد أن الألعاب تمتلك كذلك قدرة كبيرة على نقل الثقافة والهوية والتراث العربي إلى العالم من خلال التجربة المباشرة، ما يجعلها أداة مؤثرة في تقديم صورة المجتمعات والشعوب.
كما يشدد على أن الفرص الجديدة التي تتيحها هذه الصناعات تتطلب مهارات متنوعة تجمع بين الإبداع والقدرة التقنية، وتشمل البرمجة والتصميم وكتابة المحتوى والمونتاج والذكاء الاصطناعي والعمل الجماعي.
مؤكداً أن مستقبل هذه الصناعات سيبقى معتمداً على الإنسان وقدرته على صناعة الفكرة، مهما تطورت الأدوات التقنية.
وشدد السناني على أن الجامعات والمؤسسات التعليمية مطالبة بمواكبة هذه التحولات عبر تخصصات أكثر ارتباطاً بالتطبيق، ومختبرات حديثة تتيح للطلبة استخدام أدوات الصناعة، إلى جانب التدريب وربطهم بالشركات وسوق العمل.
وأكد أهمية أن يعيش الطالب تجربة الإنتاج الفعلية قبل التخرج، بحيث ينتقل من دراسة الأدوات إلى استخدامها، ومن تعلم المفاهيم إلى صناعة مشروع يستطيع عرضه وتطويره والدخول به إلى السوق.
التقنية الحديثة
أما الخبير التقني مايد محمد، فيؤكد أن الأفلام والألعاب أصبحت من المكونات المهمة للاقتصاد الإبداعي، نظراً لقدرتها على الجمع بين الإبداع والتقنيات الحديثة والاستثمار، وخلق سلسلة واسعة من الوظائف والتخصصات، فضلاً عن وصولها إلى جمهور عالمي وتسويق المنتج الإبداعي خارج حدود السوق المحلية.
ويشير إلى أن التحول الرقمي غيّر قواعد صناعة المحتوى، سواء من حيث سرعة الإنتاج أو أساليب النشر والوصول إلى الجمهور، إذ أصبح المبدع قادراً على تقديم إنتاجه مباشرة إلى المتلقي والتفاعل معه بعيداً عن القيود التقليدية.
ويلفت إلى وجود تكامل متزايد بين صناعة الأفلام والألعاب، حيث تتشاركان في بناء القصص والشخصيات والعوالم البصرية والاستفادة من المؤثرات والتقنيات الرقمية، ما سهل انتقال المحتوى بينهما وتحويل القصص السينمائية إلى ألعاب تفاعلية، أو نقل الألعاب الناجحة إلى أعمال سينمائية ودرامية.
ويرى أن هذا التطور منح الألعاب بعداً ثقافياً يتجاوز الترفيه، إذ يمكن توظيفها في نقل القصص والتاريخ والتراث والهوية بأسلوب تفاعلي يعرّف الجمهور العالمي بثقافة المجتمعات من خلال تجربة مباشرة يعيشها اللاعب.
ويوضح أن سوق العمل لم يعد يعتمد على تخصص واحد، بل يحتاج إلى مزيج من البرمجة والتصميم وكتابة المحتوى والمونتاج وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الإبداع والعمل الجماعي، مؤكداً أهمية دور الجامعات في إعداد الكفاءات عبر التخصصات العملية والمختبرات الحديثة وربط الطلبة بسوق العمل.
لكنه يشدد على أن التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي ستظلان أداة مساندة للإنسان وليست بديلاً عن الإبداع وصناعة الفكرة والقصة.
المنصات الرقمية لاعب رئيسي في تشكيل الثقافة وصناعة الرأي العام وبناء قوة ناعمة
توفير آلاف الفرص المهنية والاستثمارية المرتبطة بالاقتصاد الإبداعي
تطوير تشريعات رقابية ضرورة للحد من أخطار الفضاء الرقمي
