حال الإمارات

هل يدفع المحتوى الجاد ثمن مطاردة الترند؟

هل يدفع المحتوى الجاد ثمن مطاردة الترند؟

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأربعاء 16 سبتمبر 2026 11:36 صباحاً - في غرفة الأخبار الحديثة، لم يعد السؤال الوحيد: "هل يستحق هذا الخبر أن يُنشر؟"، بل ظهر إلى جانبه سؤال آخر أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الجديد للإعلام وهو :" كم شخصاً سيشاهده؟".

معادلة جديدة

وبين السؤالين تتشكل معادلة إعلامية جديدة، تتداخل فيها الصحافة مع الخوارزميات والإعلانات ومنصات التواصل الاجتماعي، وتتحول المشاهدة من مجرد مؤشر على وصول المحتوى إلى رقم يمكن أن يؤثر في القرارات التحريرية والإنتاجية.

خبر جاد قد يحتاج ساعات أو أياماً من البحث والتحقق، فيما يستطيع مقطع قصير مثير للجدل أن يحصد آلاف أو ملايين المشاهدات خلال وقت قياسي.

 وبين الاثنين يقف صانع المحتوى والمؤسسة الإعلامية أمام معادلة صعبة وهي :"هل ننتج ما يحتاجه الجمهور، أم ما نعرف أنه سيشاهده؟".

هذا السؤال برز بقوة في نقاشات قمة الإعلام العربي 2026، في وقت يشهد فيه القطاع الإعلامي تحولاً متسارعاً في نماذج الإنتاج والتوزيع والتمويل، وتزايداً في أهمية المنصات الرقمية وقدرتها على تحديد ما يصل إلى الجمهور.

معايير

على مدى عقود، كان نجاح المادة الإعلامية يقاس بمعايير ترتبط بجودتها وتأثيرها وأهميتها وقدرتها على خدمة الجمهور.

 أما اليوم، فقد دخلت أرقام جديدة إلى غرفة القرار: عدد المشاهدات، مدة المشاهدة، نسبة التفاعل، المشاركات، التعليقات، ونمو المتابعين.

وهذه الأرقام ليست هامشية، فهي ترتبط مباشرة بجاذبية المحتوى للمعلنين والمنصات والجمهور، وتساعد المؤسسات على معرفة المواد التي تحقق انتشاراً أكبر.

ولكن هل يمكن أن تتحول الأرقام من أداة لقياس نجاح المحتوى إلى عامل يحدد ما يجب إنتاجه من الأساس؟، هنا تبدأ المنطقة الرمادية بين الإعلام بوصفه صناعة مسؤولة عن تقديم المعرفة والمعلومة، والإعلام بوصفه صناعة تنافس على وقت الجمهور وانتباهه.

اقتصاد المشاهدة

إلى ذلك أكد عدد من الخبراء والإعلاميين أن مستقبل اقتصاد المشاهدة قد يساهم في انتقال المؤسسات من سؤال «كم متلقي شاهد المحتوى؟» إلى مجموعة أسئلة أكثر عمقاً مثل :كم شخصاً وثق به؟، كم شخصاً أكمل المشاهدة؟، كم شخصاً عاد إلى المؤسسة بعد ذلك؟، هل غيّر المحتوى النقاش؟، هل أضاف معرفة؟، هل ساهم في فهم قضية؟، وهل حافظت المؤسسة، في سعيها إلى جذب الجمهور، على السبب الذي جعل الجمهور يثق بها أصلاً؟

وأكدوا أن المشكلة ليست في أن الإعلام أصبح يهتم بالمشاهدة، فالوصول إلى الجمهور جزء أساسي من نجاح أي وسيلة إعلامية، وإنما تبدأ المشكلة عندما تصبح المشاهدة غاية بدلاً من أن تكون مؤشراً.

تحولات

 ويرى علي جابر، عميد كلية محمد بن راشد للإعلام، أن التحولات التي شهدها الإعلام خلال السنوات الأخيرة فرضت على المؤسسات إعادة التفكير في طريقة إنتاج المحتوى والوصول إلى الجمهور.

وأضاف أن أهمية هذه الرؤية تكمن في أن المنافسة لم تعد بين المؤسسات الإعلامية وحدها، بل أصبحت على ثواني انتباه الجمهور، فالهاتف الذكي جعل الأخبار والبرامج والمقاطع والمنشورات تتنافس على الشاشة نفسها، وفي اللحظة نفسها.

وقال أنه في السابق، كان انتشار الخبر نتيجة لقرار تحريري يحدد أهميته، ثم تأتي استجابة الجمهور لاحقاً، أما في البيئة الرقمية، فقد أصبحت العلاقة أكثر تعقيداً، إذ يمكن لاهتمام الجمهور بموضوع ما أن يدفع المؤسسات إلى تغطيته على نطاق أوسع، وهنا يظهر «الترند» بوصفه مؤشراً مغرياً.

منصات التواصل

وأشار إلى أن تصدر موضوع ما لمنصات التواصل قد لا يعني أنه مهم ، فالانتشار يقيس قدرة المحتوى على جذب الانتباه، لكنه لا يقيس وحده دقته أو عمقه أو قيمته الصحفية، فيما قد تكون هناك قضايا شديدة الأهمية لكنها لا تحقق الانتشار نفسه الذي تحققه قصة خفيفة أو مثيرة.

وشدد جابر على أن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإعلامية ربما يكون في اكتشاف المنطقة التي لا تضحي بالمضمون لصالح المشاهدة، ولا تضحي بالجمهور باسم الجدية.

وظيفة الإعلام

ويضع الدكتور السيد بخيت، أستاذ ورئيس قسم الاتصال الجماهيري في جامعة زايد، المسألة في إطار أوسع يتعلق بوظيفة الإعلام ومعايير اختيار الموضوعات، مشيرا إلى أنه في اقتصاد الإعلام الرقمي، تمثل القدرة على جذب الجمهور قيمة اقتصادية، وكلما زاد الوصول والتفاعل، زادت جاذبية المنصة أو المؤسسة أمام المعلنين، ومن هنا تنشأ علاقة مباشرة بين المحتوى والمشاهدة والإعلان.

وأضاف أن الإشكالية لا تكمن في وجود هذه العلاقة بحد ذاتها، وإنما في احتمال أن تصبح أرقام المشاهدة هي المحرك الأول لعملية الإنتاج.

وقال أنه إذا كان المحتوى المثير يحصد مشاهدات أعلى، فإن الضغط التجاري قد يدفع بعض المنتجين إلى زيادة الجرعة نفسها عبر عناوين أكثر إثارة، مقاطع أقصر، صور أكثر جذباً، وشخصيات أو موضوعات قادرة على إشعال النقاش.

والنتيجة قد تكون انتقالاً تدريجياً من اقتصاد إنتاج المحتوى إلى اقتصاد جذب الانتباه.

جودة وتأثير

من جهته يرى محمد الحمادي إعلامي وكاتب إماراتي، أن ارتفاع أرقام المشاهدة لا يعني بالضرورة أن المحتوى يتمتع بالجودة أو التأثير نفسه، مشيراً إلى أن سلوك الجمهور في البيئة الرقمية أصبح أكثر تعقيداً، وأن جذب الانتباه لا يساوي بالضرورة بناء الثقة أو تحقيق أثر مستدام.

وأوضح أن بعض الموضوعات قد تحصد ملايين المشاهدات بفضل عنصر المفاجأة أو الإثارة أو ارتباطها بالترند، لكنها قد لا تترك أثراً حقيقياً لدى الجمهور، في حين قد تحقق مواد أخرى أرقاماً أقل رغم ما تتضمنه من قيمة معرفية أو صحفية أكبر. وأكد أن التحدي أمام المؤسسات الإعلامية يتمثل في عدم التعامل مع المشاهدة باعتبارها المعيار الوحيد للنجاح، وإنما النظر إليها ضمن مجموعة من المؤشرات التي تشمل جودة المحتوى، ومدة التفاعل معه، وثقة الجمهور، وقدرته على إحداث تأثير حقيقي ومستدام.

وأشار الحمادي إلى أن مستقبل الإعلام يرتبط بتطوير المنصات الرقمية وتعزيز الإيرادات منها، مع ضرورة التعامل باحترافية مع تغيرات المحتوى وخيارات القراء والمتابعين.

محتوى عميق

بدوره يقول الإعلامي مالك مكتبي أن العلاقة بين المحتوى والجمهور أصبحت أكثر تعقيداً من مجرد البحث عن «الترند».

ويرى أن تجربته في تقديم البرامج الحوارية جعلته يدرك أن جذب الجمهور لا يتعارض بالضرورة مع تقديم محتوى عميق وذي قيمة، موضحاً أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد الطريقة المناسبة لتقديم القضايا المهمة بلغة وأساليب قادرة على الوصول إلى الجمهور من دون التضحية بجوهر الموضوع.

 وأشار مكتبي إلى أن المشاهد اليوم يمتلك خيارات واسعة، وهو ما يفرض على الإعلامي أن يكون أكثر دقة في اختيار الموضوعات، وأكثر قدرة على بناء القصة وإدارة الحوار بما يحافظ على اهتمام المتلقي حتى نهاية الحلقة، مؤكداً أن البحث عن المشاهدة لا ينبغي أن يدفع إلى الإثارة المجانية أو اختزال القضايا المعقدة، وإنما يمكن تحويل الاهتمام الجماهيري إلى فرصة لفتح نقاش جاد حول موضوعات تستحق أن تصل إلى أكبر شريحة ممكنة. واعتبر أن النجاح الحقيقي للبرنامج لا يقاس فقط بعدد المشاهدات، بل بقدرته على ترك أثر لدى الجمهور وفتح مساحة للتفكير والنقاش، مؤكدا أن القصة الجيدة يمكن أن تجمع بين القيمة والقدرة على الوصول.

القيمة الحقيقية

وتشير الدكتورة غادة عبيدو أستاذة الاعلام في جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، أن صناعة المحتوى لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين، لأن حجم الجمهور لا يعكس بالضرورة حجم التأثير، موضحة أن القيمة الحقيقية للمحتوى تظهر في قدرته على ترك أثر لدى المتلقي، وإثارة اهتمامه، وتغيير نظرته أو دفعه إلى التفكير والتفاعل مع القضية التي يتناولها.

وأشارت إلى أن المنافسة على المشاهدة دفعت بعض صناع المحتوى إلى التركيز على السرعة والإثارة، إلا أن المحتوى الذي يحافظ على استمراريته هو القادر على الجمع بين الجاذبية والقيمة، مؤكدة أن الإعلام الناجح هو الذي يفهم سلوك الجمهور من دون أن يصبح أسيراً له، ويستفيد من أدوات العصر الرقمي من دون أن يتخلى عن المعايير المهنية التي تمنح المحتوى مصداقيته وتأثيره.

 ولفتت إلى أن قياس النجاح الإعلامي يحتاج إلى مؤشرات تتجاوز عدد المشاهدات، لتشمل مستوى التفاعل، والثقة، والاستمرارية، والأثر الذي يتركه المحتوى في وعي الجمهور.

مؤشر مبكر

وأكد المشاركون أنه ربما يكون من الصعب اليوم تجاهل الترند، كما أنه من الصعب التعامل معه باعتباره معياراً وحيداً، فالترند يمكن أن يكشف اهتمام الجمهور، وأن يمنح الصحفي مؤشراً مبكراً على قضية تشغل الناس، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الحكم التحريري.

وتبقى المعادلة الأكثر تعقيداً هي أن الصحافة تستطيع أن تراقب ما يتحدث عنه الناس، لكنها ليست مطالبة بأن تقول للناس فقط ما يريدون سماعه.

دور تقليدي

وهنا يعود الدور التقليدي للإعلام ولكن بأدوات جديدة وهي: البحث، والتحقق، والتفسير، ووضع الأحداث في سياقها، وطرح الأسئلة التي قد لا تحظى بالانتشار في البداية لكنها تظل ضرورية.

Advertisements

قد تقرأ أيضا