ابوظبي - ياسر ابراهيم - الخميس 5 نوفمبر 2026 06:06 صباحاً - تواصل دولة الإمارات تعزيز ريادتها كمركز إقليمي وعالمي متقدم في قطاع الرعاية الصحية والسياحة العلاجية، مدعومة ببنية تحتية عالمية المستوى.
حيث تستقطب حالات طبية معقدة ومرضى يسافرون إليها خصيصاً لإجراء جراحات دقيقة والحصول على علاجات متقدمة في مجالات الأورام والأمراض النادرة والوراثية والطب الدقيق، في تحوّل يعكس تطور المنظومة الصحية واتساع قدراتها التخصصية، ويعزز حضور الدولة على خريطة السياحة العلاجية العالمية.
ويستند هذا التحول إلى توسع البنية التحتية الصحية والاستثمار في التقنيات الطبية الحديثة واستقطاب الكفاءات العالمية، إلى جانب تكامل الخدمات الصحية والسياحية وشبكات الربط الجوي، فيما تتجه المنافسة بصورة متزايدة نحو جودة النتائج والخبرات الطبية وتكامل رحلة العلاج، وليس التكلفة وحدها.
كشفت بيانات تقرير الطاقة الاستيعابية للرعاية الصحية في الإمارات للربع الثاني من عام 2026، الصادر عن مؤسسة «زافيس»، عن وجود 13 ألفاً و772 منشأة صحية على مستوى الدولة، بينها 173 مستشفى و6854 عيادة ومركزاً صحياً، إلى جانب 18 ألفاً و500 سرير، و99 ألفاً و520 مهنياً صحياً مرخصاً.
وتقدر مؤسسة «بيو نيكسوس» قيمة سوق الرعاية الصحية في الدولة خلال العام الجاري بنحو 30 إلى 33 مليار دولار، وهي تقديرات تشمل مختلف أنشطة القطاع الصحي، ولا تمثل إيرادات السياحة العلاجية وحدها.
وأكد مسؤولون ومتخصصون في القطاع الصحي لـ«حال الخليج» أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه القدرات، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الصحية، ورفع مستويات الجودة والشفافية، وتطوير الخدمات التخصصية التي تستقطب المرضى الدوليين.
بنية متنامية
وتظهر مؤشرات القطاع في دبي حجم التوسع الذي تشهده المنظومة الصحية، إذ ارتفع عدد المنشآت الصحية المرخصة في الإمارة إلى 5931 منشأة خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة مع 5541 منشأة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بنمو بلغ %7، فيما ارتفع عدد المهنيين الصحيين المرخصين إلى 70 ألفاً و566 مهنياً، مقابل 66 ألفاً و277 مهنياً، بزيادة بلغت 6.5 %، وفق بيانات هيئة الصحة في دبي.
وتستفيد الإمارة كذلك من مكانتها السياحية العالمية، إذ استقبلت خلال عام 2025 نحو 19.59 مليون زائر دولي، بزيادة %5، وفق بيانات دائرة الاقتصاد والسياحة، وهو ما يعزز إمكانات الربط بين الخدمات السياحية والعلاجية، دون أن يعكس هذا الرقم أعداد القادمين لأغراض العلاج تحديداً.
وفي أبوظبي، تتجه الاستثمارات بصورة متزايدة إلى الطب الدقيق وعلاج الأورام والأمراض النادرة والعلاجات الجينية، إلى جانب البحوث السريرية والتطبيقات الطبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وشهد عام 2025 الإعلان عن مشروع لإنشاء أول منشأة للعلاج بالأيونات الثقيلة في منطقة الشرق الأوسط، ضمن حرم مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي، بهدف توفير تقنية متقدمة لعلاج الأورام تتميز بدقتها في استهداف الخلايا السرطانية.
وقال الدكتور جعفر خان، المؤسس والرئيس التنفيذي لعيادتي «إيون» و«إستيتكس إنترناشيونال»: إن دبي تدخل مرحلة جديدة من الاستثمار الصحي، ترتكز على تطوير مجالات الديمومة الصحية والطب الوقائي والتشخيص المبكر، بما يفتح آفاقاً أوسع لاستقطاب الاستثمارات والمرضى الباحثين عن خدمات متخصصة.
وأوضح أن استراتيجية دبي للديمومة الصحية، التي اعتمدت عام 2026، تستهدف تحقيق نمو سنوي بنحو 31 % ومساهمة اقتصادية تتجاوز 35 مليار درهم خلال العقد المقبل، مشيراً إلى أن هذه المستهدفات تعكس التوجه نحو تطوير القطاع، ولا تعني أن الاستثمارات والعوائد المستهدفة تحققت بالفعل.
وأكد أن نجاح هذا التوجه يرتبط بتوفير خدمات طبية قائمة على الأدلة العلمية، وقياس النتائج، وتطبيق الحوكمة السريرية، والتمييز بين العلاجات المثبتة علمياً والتقنيات الناشئة التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات.
وأضاف أن الاستثمار في الديمومة الصحية لا يقتصر على إطالة العمر، بل يستهدف زيادة السنوات التي يتمتع خلالها الإنسان بصحة جيدة، من خلال الوقاية والتشخيص المبكر، لافتاً إلى أهمية تطوير فحوص الجينوم وتقييم المؤشرات المرتبطة بعمليات الأيض والهرمونات، إلى جانب الاستثمار في أنظمة البيانات وتدريب الكوادر الطبية.
من جانبها، أكدت الدكتورة شانيلا لايجو، الرئيسة التنفيذية لمجموعة مستشفيات ميدكير، أن دبي تشهد تزايداً في استقطاب المرضى المصابين بأمراض نادرة ومعقدة، إلى جانب عائلات تسافر خصيصاً للحصول على علاجات متخصصة قد لا تتوافر في بلدانها.
وأوضحت أن المرضى الدوليين الذين تستقبلهم المجموعة يأتون بصورة رئيسية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، مشيرة إلى أن بعض الحالات التي كانت تتجه سابقاً إلى الولايات المتحدة أصبحت تختار دبي، في ظل توافر الخبرات والتقنيات المتقدمة.
وأضافت أن أبرز التخصصات التي تستقطب المرضى تشمل علاج الأورام وأمراض القلب وجراحة الأعصاب والأمراض النادرة والعلاج الجيني، لافتة إلى أن بعض الحالات المعقدة تتطلب إقامة تتراوح بين شهر وشهرين، بحسب طبيعة المرض والخطة العلاجية.
وأكدت أن التحضير للعلاج يبدأ قبل وصول المريض من خلال الاستشارات الطبية عن بُعد ومراجعة التقارير والفحوص، لتحديد مدى أهليته للعلاج ووضع خطة متكاملة للرعاية والمتابعة.
من جهته، قال سهيل عطا الله، مدير العمليات السريرية في مبادلة للرعاية الصحية بدبي: إن الإمارة تستفيد من الجمع بين المستشفيات المعتمدة دولياً والتقنيات الحديثة والخبرات الطبية المتخصصة وشبكات السفر والطيران، ما يعزز قدرتها على استقطاب المرضى من الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
وأوضح أن المرضى الدوليين يبحثون عن رعاية عالية الجودة، مع تجنب فترات الانتظار الطويلة والتكاليف المرتفعة وتعقيدات السفر إلى وجهات بعيدة، مشيراً إلى أن أمراض الجهاز الهضمي وجراحة العظام والروماتيزم من أبرز التخصصات التي تقدمها المؤسسة.
وشدد على أن استدامة النمو تتطلب المحافظة على معايير الجودة وسلامة المرضى، وتعزيز الشفافية في النتائج والتكاليف، وتطوير آليات متابعة المرضى بعد عودتهم إلى بلدانهم.
الجراحة سبب للسفر
وأكد الدكتور مانيش مادناني، أخصائي جراحة الجهاز الهضمي والمناظير ورئيس قسم الجراحة في مستشفى إن إم سي التخصصي بالنهدة في دبي، أن المرضى باتوا يسافرون آلاف الكيلومترات إلى الإمارة لإجراء جراحات معقدة، بعدما ارتبطت السياحة العلاجية بصورة أكبر بالإجراءات التجميلية والعمليات الاعتيادية.
وأوضح أنه يستقبل أسبوعياً مرضى من أفريقيا وجنوب آسيا ودول رابطة الدول المستقلة ودول مجلس التعاون الخليجي، مشيراً إلى أن طبيعة الرحلات العلاجية تغيرت، إذ أصبحت الجراحة نفسها سبب السفر، بعد أن كانت بعض الحالات تراجع الأطباء خلال زيارات سياحية.
ولفت إلى أن أبرز الإجراءات التي تستقطب المرضى تشمل جراحات المناظير المتقدمة والتدخلات محدودة التوغل، وعمليات المراجعة للحالات التي لم تحقق فيها الجراحات السابقة النتائج المطلوبة، إضافة إلى جراحات الفتق المعقدة والمرارة والقولون والمستقيم وسرطانات الجهاز الهضمي وجراحات السمنة.
وأضاف أن الجراحة الروبوتية وتقنيات التدخل المحدود تسهم في تحسين دقة بعض العمليات وتقليل الألم وفترات الإقامة في المستشفى لدى المرضى المناسبين، مؤكداً أن مسؤولية الطبيب تشمل أيضاً تحديد الوقت المناسب للسفر، ووضع خطة للتعافي والمتابعة بعد عودة المريض إلى بلده.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور شريف عوض، استشاري جراحة الجهاز الهضمي العلوي وجراحات السمنة والمناظير ورئيس قسم الجراحة في مستشفى الإمارات التخصصي، أن اختيار المرضى للوجهة العلاجية لم يعد يرتبط باسم الجراح وحده، بل بتوافر منظومة متكاملة تضم المستشفى المجهز والفريق الطبي والتقنيات المناسبة ومراحل العلاج والتعافي.
وأوضح أن الجراحات التي تستقطب المرضى تشمل تخصصات العظام والقلب والأعصاب والأورام والعيون، إلى جانب علاجات الخصوبة وجراحات الجهاز الهضمي والسمنة.
مشيراً إلى أن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلاً عن خبرة الفريق الطبي، وأن اختيار الجراحة الروبوتية يجب أن يستند إلى طبيعة الحالة وخبرة الجراح.
وأشار إلى إعلان «دبي الصحية» في أكتوبر 2025 تنفيذ أكثر من 145 عملية جراحية روبوتية في مستشفى دبي منذ إطلاق البرنامج، شملت تخصصات المسالك البولية والجراحة العامة وأمراض النساء.
التعافي جزء من العلاج
ولا تقتصر رحلة المريض الدولي على التشخيص والجراحة، بل تمتد إلى التأهيل واستعادة القدرات الوظيفية، وهو ما أكده الدكتور أحمد الخيّر، الرئيس التنفيذي ورئيس قسم طب إعادة التأهيل لمجموعة كامبريدج للصحة في الإمارات، مشيراً إلى أن نجاح السياحة العلاجية لا يقاس بمجرد إجراء العملية أو خروج المريض من المستشفى.
وأوضح أن إعادة التأهيل تسهم في الحد من المضاعفات وتقليل احتمالات دخول المستشفى مجدداً، خصوصاً لدى المرضى الذين خضعوا لجراحات معقدة أو تعرضوا لسكتات دماغية وإصابات عصبية.
وشدد على أهمية التكامل بين المستشفيات ومراكز إعادة التأهيل، وإعداد خطط تراعي الاحتياجات الجسدية والنفسية للمريض، بمشاركة فرق متعددة التخصصات وإشراك الأسرة في تحديد الأهداف وضمان استمرارية المتابعة، سواء بصورة مباشرة أم عن بُعد.
بدوره، أكد الدكتور لالو تشاكو، المدير الطبي لمجموعة مستشفيات ومراكز ميدكير الطبية، أن دبي تشهد تنوعاً متزايداً في جنسيات المرضى الدوليين، إلى جانب ارتفاع الاهتمام بالتخصصات الدقيقة والحالات المعقدة، خصوصاً الأورام وأمراض القلب وجراحة الأعصاب والعظام والعمود الفقري والأمراض النادرة والوراثية.
وأوضح أن التطورات في إتاحة العلاجات الجينية لبعض الأمراض الوراثية النادرة، ومنها ضمور العضلات الدوشيني، وفرت خيارات متقدمة للمرضى المؤهلين، كانت محدودة في السابق أو تستدعي السفر إلى وجهات بعيدة مثل الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب فرقاً طبية متعددة التخصصات قادرة على تقييم المرضى وتحديد أهليتهم للعلاج ومتابعتهم في مختلف المراحل، مؤكداً أن مفهوم السياحة العلاجية يشهد تحولاً من التركيز على التكلفة التنافسية إلى ما وصفه بـ«السياحة العلاجية القائمة على القيمة»، التي تقوم على توفير العلاج المناسب والخبرة السريرية والتكنولوجيا المطلوبة.
ولفت إلى أن المرضى المصابين بالأمراض النادرة والمعقدة قد يحتاجون إلى الإقامة في الدولة بين شهر وشهرين، ما يستدعي توفير خدمات متكاملة تشمل الرعاية الطبية والإقامة والمتابعة المستمرة والتواصل مع الفريق المعالج.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب توفير مزيد من الحوافز والحلول التي تسهم في خفض التكلفة الإجمالية للرحلة العلاجية وتسهيل إجراءاتها، بما يعزز تنافسية الإمارات في استقطاب المرضى الدوليين، خصوصاً المصابين بالحالات المعقدة والنادرة.
