ابوظبي - ياسر ابراهيم - الجمعة 3 أبريل 2026 10:51 مساءً - تكفي نظرة واحدة إلى نوعية الأهداف التي تختارها إيران في الخليج العربي حتى يسقط ادعاؤها بأنها تخوض حرباً اضطرارية أو تتصرف من موقع الدفاع ضد الضربات الأمريكية والإٍسرائيلية، بل هي دولة بادرت إلى شن عدوان شامل على الخليج، وتكشف قراءة طبيعة الأهداف الخليجية التي تتعرض للعدوان الإرهابي الإيراني أن حكام طهران هم الذين تجهزوا للحرب وخططوا لها ضد دول الخليج، وما تخفيه طهران أن المنطقة تشهد حربين لا حرباً واحدة؛ الأولى بين أمريكا وإسرائيل وإيران، والثانية عدوان إيران على الخليج. وهما ملفان منفصلان، لكل منهما سياق مختلف، وما تحاول طهران تسويقه أن ما يجري هي حرب واحدة وأنها في موقع دفاعي، لكن الحقيقة أن عدوان إيران على الخليج جبهة مستقلة عن المواجهات الأخرى.
وربما كانت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية قد عجّلت في تطبيق خطة الحرب الإيرانية المستقلة ضد الخليج، وهدف هذه الحرب الإيرانية ضرب مراكز الازدهار في الشرق الأوسط، وخاصة الإمارات التي بنت نموذجها العالمي في التنمية عبر الإدارة الرشيدة وبناء الشراكات واستقطاب العقول.
ترتبط دول الخليج وشعوبها بعلاقات تاريخية مع الشعب الإيراني، ولإدراك حكام طهران ذلك فإنها تتعمد إلى تضليل إعلامي تردد فيه عبر مسؤوليها أنها تستهدف ما تسميه مصادر الهجوم على إيران! وتتمادى في التضليل إلى درجة أنها تعلن أنها لا تستهدف سوى مواقع تنطلق منها الهجمات، لكن أكاذيب النظام الإيراني لا تحتاج إلى جهد لفضحها، فماذا استهدفت اليوم وأمس والذي قبله في الإمارات؟ منشآت مدنية وخدمية 100%.
اليوم استهدف العدوان الإيراني منشآت حَبشان للغاز في أبوظبي، وأسفر هذا العدوان الإرهابي عن قتيل وعدد من الإصابات فضلاً عن أضرار جسيمة بالمنشآت وفق بيان من مكتب أبوظبي الإعلامي.
واليوم أعلنت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم عن التقييمات الأولية لعمليات التشغيل بعد الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على موقع الشركة في منطقة الطويلة، والذي يُعدّ أحد أكبر المنشآت الصناعية لإنتاج الألمنيوم في العالم، كما استهدفت إيران منشآت نفطية في الكويت والبحرين وقطر والسعودية.
فما هو بنك أهداف إيران في الخليج؟
الازدهار، ثم الازدهار، ثم الازدهار. لقد كشفت هذه الحرب أن حكام طهران لديهم خطة تخريب ممنهجة تهدف إلى جر المنطقة نحو القاع الذي قادوا إيران إليه. فاستهداف منشآت النفط والغاز في الخليج، والقطاعات الحيوية الخدمية، والبنى المرتبطة مباشرة باستمرار الحياة الاقتصادية واستقرارها، لا يصدر عن طرف يريد فقط أن يرد على تهديد عسكري، بل عن طرف قرر أن يوسّع الحرب إلى مجال الازدهار والاستقرار والتنمية، إن هذه الأهداف لا تعكس طبيعة دفاعية، بل تعكس إرادة عدوانية واعية، لأن من يضرب الطاقة والخدمات يهاجم مجتمعاً واقتصاداً.
إن طبيعة الأهداف التي تختارها إيران في الخليج العربي تنفي عنها، من الأساس، صفة «الحرب الاضطرارية» أو «السلوك الدفاعي». فحين يجري توجيه الضربات إلى منشآت النفط والغاز، وإلى القطاعات الحيوية الخدمية، وإلى البنى التحتية التي تقوم عليها دورة الحياة الاقتصادية في المنطقة، فإن ذلك يكشف عن سلوك إرهابي يخضع لخطة عمل محسوبة، وعن إرادة واعية لتوسيع الحرب، وعن قرار باستهداف ركائز الاستقرار والازدهار.
بهذا المعنى، لا تبدو إيران طرفاً مدفوعاً إلى الحرب تحت ضغط الضرورة، بل طرف مبادر إليها، يختار أهدافه في محاولة ضرب صورة الأمان الاقتصادي التي بنتها دول الخليج العربي على مدى عقود، وبالتالي هي حرب على المجتمعات الخليجية وعلى الجيرة التاريخية بين شعوب المنطقة.
والأهم من ذلك أن نمط الاستهداف الإيراني يوحي بوجود تصور سابق، وإعداد منظم، وخطة تستبطن الحرب. فاستهداف قطاعات الطاقة والخدمات لا يحمل قيمة عسكرية، بقدر ما يحمل رسالة أن إيران تريد أن تنقل كلفة الحرب إلى المجتمعات المستقرة والاقتصادات الصاعدة، وأن تجعل ازدهار الخليج العربي نفسه ساحة للاشتباك.
الحرب الإيرانية على الخليج العربي ليست رد فعل على هجوم إسرائيلي أمريكي عليها. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب التي تشنها إيران مشروعاً تخريبياً استراتيجياً. فاختيار الأهداف الحيوية في الخليج العربي لا يمكن عزله عن إدراك إيراني واضح لطبيعة التحول الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية، من حيث بناء الاقتصادات، وتوسيع قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات، وتعزيز المكانة الدولية للمراكز الخليجية بوصفها فضاءات استقرار ونمو.
هذا كله يقود إلى استنتاج واضح: إيران ليست في موقع الدفاع، بل في موقع الهجوم المنظم الذي أُعدّت له أدواته وأهدافه قبل أن تبدأ المواجهة بصورتها الراهنة.
لم يكن مبالغاً التقرير الذي نشرته وول ستريت جورنال قبل أيام، حيث لاحظت الصحيفة، عبر شبكة محللين ومراسلين وخبراء، أن إيران تستهدف الصناعات التي تقود تحوّل الخليج بعيداً عن النفط، وبسبب تفوّق خصومها العسكري، تتجه إيران إلى إحداث فوضى اقتصادية في الشرق الأوسط.
أخبار متعلقة :