ابوظبي - ياسر ابراهيم - الأحد 6 سبتمبر 2026 08:06 صباحاً - أمن الممرات البحرية حاضر بقوة في أجندة المنتدى
الخليج يوسّع خياراته ويعيد رسم موازين القوة والشراكات
في ظل منعطف أمني وسياسي واقتصادي بالغ الحساسية تشهده منطقة الخليج، تنطلق غداً الاثنين في أبوظبي فعاليات النسخة الثالثة من «منتدى هيلي 2026»، ويستمر يومين في منتجع سانت ريجيس جزيرة السعديات، تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار».
يأتي انعقاد المنتدى في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة تفرض إعادة النظر في العديد من المفاهيم المرتبطة بالأمن والاستقرار والاقتصاد والعلاقات الدولية، وسط تنامي التنافس بين القوى الكبرى وتغير خريطة الشراكات الاستراتيجية.
المنتدى الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالتعاون مع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، يشارك فيه أكثر من 55 متحدثاً ونحو 1000 مشارك من 35 دولة، يمثلون نخبة من المسؤولين وصناع القرار والدبلوماسيين والأكاديميين والخبراء، إلى جانب ممثلي المؤسسات الدولية ومراكز البحث وقطاع الأعمال.
ويطرح المنتدى نقاشاً متعدد الأبعاد حول مستقبل الخليج، من خلال بحث تداعيات الصراعات والتحولات الجيوسياسية، ومستقبل الأمن الإقليمي، وتغير موازين القوى، فضلاً عن دور الاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة في صياغة مستقبل المنطقة، بما يجعل المنتدى منصة مهمة لقراءة التحولات الراهنة واستشراف المسارات المحتملة للنظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة لكونها لا تعالج أزمة أمنية تقليدية محصورة جغرافياً، بل تواجه مشهداً معقداً تتشابك فيه التطورات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وتداعياتها المباشرة على الملاحة عبر مضيق هرمز، ما أعاد طرح أسئلة ملحة تتصل بأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي العالمي.
دور فاعل للإمارات دولياً بحضورها السياسي والاقتصادي وشراكاتها المتنوعة
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل مستقبل الأمن الخليجي
تنويع الشراكات والدبلوماسية والاقتصاد والقوة الذاتية تصنع نفوذاً خليجياً مستداماً
تراجع زمن الاصطفافات الصلبة والشراكات الحصرية تدريجياً لصالح نموذج أكثر مرونة وتعدداً
توظيف الخبرات في الطاقة لخدمة الاقتصاد الرقمي إحدى أبرز نقاط القوة الخليجية
يضع اليوم الأول من المنتدى «تعقيدات النظام الأمني في الخليج» في صدارة أجندته، مسلطاً الضوء على التحولات العميقة التي طرأت على البيئة الأمنية الإقليمية.
إذ لم يعد مفهوم الأمن الخليجي مقصوراً على حماية الحدود والمنشآت التقليدية، بل بات يمتد ليحصن الموانئ التجارية، وناقلات النفط، وشبكات الاتصالات، ومرافق الطاقة، والأنظمة الرقمية التي يمكن أن تنتقل صدماتها من المجال العسكري إلى الأسواق في غضون ساعات.
هرمز يعيد تعريف أمن الطاقة
ملف أمن الممرات البحرية يفرض نفسه بقوة على طاولات النقاش، ولا سيما أن مضيق هرمز يمثل شرياناً رئيساً لسوق الطاقة العالمي.
وتفرض المعطيات الجديدة على دول الخليج تسريع الاستثمار في البنية التحتية البديلة لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، عبر تطوير خطوط الأنابيب، والموانئ، وشبكات النقل، ومخزونات الطاقة الاستراتيجية.
وبهذا، يتحول مفهوم أمن الطاقة من مجرد تأمين مصادر الإنتاج إلى حماية المنظومة المتكاملة التي تشمل النقل، والتخزين، والتصدير، والوصول الآمن للأسواق.
اقتصاد الخليج والجغرافيا السياسية
كما يناقش المنتدى في محوره الجيواقتصادي تشابك الأمن مع الاقتصاد ضمن جلسة «الخليج والعالم: التنقل في الواقع الجيو-اقتصادي الجديد».
وفي ظل توقعات اقتصادية استقرار أسعار النفط فوق 80 دولاراً للبرميل طوال 2026 بسبب مخاطر الإمدادات، يبرز التحدي الأكبر أمام الاقتصادات الخليجية في حماية معدلات النمو من الصدمات الجيوسياسية.
ويشمل ذلك تنويع الأسواق، وتعدد مسارات التجارة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير سلاسل إمداد مرنة قادرة على امتصاص الأزمات وتجاوز اضطرابات النقل البحري، كما ظهر جلياً في لجوء شحنات الغاز الطبيعي المسال لعمليات النقل خارج المضيق.
صواريخ وتقنيات حديثة
وينتقل المنتدى في يومه الثاني إلى أبعاد الصراع الحديث عبر جلسة «البيانات والمسيّرات: معركة النفوذ في النظام الجيوتكنولوجي الجديد».
ويعكس هذا المحور الدور المتنامي للطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبيانات في صياغة موازين القوة والردع.
وتكتسب حماية البنية الرقمية بعداً استراتيجياً ملحاً في ظل توثيق استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة أثناء الأزمات، مما يجعل الأمن الرقمي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.
الإمارات.. نموذج رائد
كما يتطرق المنتدى إلى دور القوى الوسطى في إعادة تشكيل النظام الدولي، مبرزاً الفرص المتاحة أمام دول الخليج لتعزيز وزنها الاستراتيجي من خلال توسيع الشراكات وتعدد المسارات الدبلوماسية والاقتصادية.
وتبرز دولة الإمارات هنا كنموذج رائد لمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية ومنصة فاعلة للوساطة وبناء الجسور بين قوى دولية متعددة.
ويحمل شعار المنتدى دلالة استراتيجية عميقة تتجاوز التوصيف التقليدي للأزمات؛ فبينما يطرح «تصحيح المسار» التساؤل الأهم حول شكل النظام الأمني المستقبلي القادر على التعامل مع الأزمات المتكررة، يؤكد أن المرحلة المقبلة تفرض مقاربة شاملة تدمج الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا في إطار استراتيجي واحد يمنح المنطقة قدرة أعلى على امتصاص الصدمات واستشراف ما بعد الصراع.
هذا التساؤل حملته «حال الخليج» إلى مجموعة من الخبراء لمحاولة فهم التحولات الجذرية في المنطقة، وتجاوز حدود الأزمات الراهنة إلى قراءة شكل النظام الإقليمي المستقبلي.
معادلة الاستقرار
ويرى الدكتور أشرف سنجر، أستاذ السياسات الدولية بالولايات المتحدة الأمريكية، أن أهمية منتدى هيلي تكمن في دمج ملفات الأمن، والسياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة في إطار تحليلي متكامل يعكس تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
ويضع سنجر الدور الإماراتي في قلب معادلة الاستقرار الخليجي، معتبراً أبوظبي طرفاً فاعلاً بحضورها السياسي والاقتصادي وشراكاتها الدولية المتنوعة.
وتتيح قدرة الإمارات على المزج بين التحرك الدبلوماسي والانفتاح الاقتصادي والتكنولوجي هامشاً مؤثراً للتعامل مع التحولات الإقليمية، ولا سيما في مرحلة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن مع متطلبات التنمية المستدامة.
كما يؤكد د. سنجر أن منطقة الخليج تقف أمام تحول نوعي في مفهوم الأمن، من مقاربة تقليدية تركز على التهديد العسكري المباشر إلى مفهوم الأمن الشامل الذي تتبلور فيه الأبعاد الاقتصادية، والتكنولوجية، وأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية.
ويشدد على أن القوة العسكرية تظل ضرورية لكنها غير كافية بمفردها، ما يتطلب معادلة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتنويع الشراكات، وتسريع مسار التنويع الاقتصادي، وتحويل التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي إلى أدوات تأثير استراتيجي حقيقية.
ويشير إلى أن في صدارة الملفات التي يناقشها المنتدى، يبرز مضيق هرمز كشريان أساسي لا يمكن فصله عن أمن مصادر الطاقة وسلامة سلاسل الإمداد العالمية، مضيفاً أن الاضطرابات الملاحية تنعكس فوراً على أسواق الطاقة والتجارة، مما فرض على دول الخليج تقييم منظومة الردع والشراكات الأمنية بعيداً عن رهانات الانسحاب الأمريكي المطلق أو الاعتماد المنفرد على قوة كبرى واحدة.
ويؤكد أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن بالتوازي مع تعزيز العلاقات مع بكين وقوى دولية أخرى، بما يحقق التوازن دون الإخلال باستقلال القرار الوطني، وهو نهج تبرع الإمارات في تجسيده لتعزيز جذب الاستثمارات التقنية والشركات العالمية الكبرى.
كما يؤكد سنجر أن استمرار خطط التنويع الاقتصادي واستثمارات الذكاء الاصطناعي ومصادر الطاقة البديلة يشترط وجود بيئة إقليمية مستقرة وقابلة للتنبؤ ترفع المخاطر عن حركة الاستثمار والأعمال.
وعلى المستوى الإقليمي، يرى أن المرحلة المقبلة قد تشهد أدواراً متنامية لقوى مثل تركيا وباكستان في قنوات الوساطة مع إيران، إلى جانب الترتيبات التي تتطلب معالجة ملفات خفض التصعيد وتأسيس آليات إقليمية مستدامة للتعاون.
ويخلص سنجر إلى أن مستقبل الأمن الخليجي يرتكز على معادلة مركبة تجمع بين الردع، والدبلوماسية، والتنويع الاقتصادي، والتقدم التكنولوجي، وتعدد الشراكات.
وتظل الإمارات مرشحة للعب دور ريادي في صياغة ملامح المرحلة المقبلة، مستفيدة من ثقلها الاقتصادي وقدرتها الفريدة على التنسيق بين متطلبات الأمن والتنمية والتكنولوجيا.
فرصة تاريخية
من واقع خبرته الطويلة في الهندسة والذكاء الاصطناعي، يرى الدكتور أحمد بانافع، أستاذ الهندسة والذكاء الاصطناعي بجامعة سان هوزيه الأمريكية، أن منتدى هيلي يأتي في توقيت بالغ الأهمية، إذ لم تعد التكنولوجيا مجرد قطاع اقتصادي واعد أو أداة لتحسين الخدمات، بل تحولت إلى مكوّن أساسي في معادلات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي ومستقبل الدول.
ويؤكد بانافع أن أحد أهم التحولات التي ينبغي التوقف أمامها هو سقوط الحدود التقليدية بين التكنولوجيا والأمن والاقتصاد والطاقة.
ويوضح أن البنية التحتية الاستراتيجية لم تعد تقتصر على الموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه، وإنما باتت تشمل مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وشبكات الاتصالات، والرقائق وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، فإن حماية هذه المنظومة الرقمية وضمان استمرارها في أوقات الأزمات أصبحا جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن الوطني.
ومن هنا، يرى بانافع أن الخليج يقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعه في الاقتصاد العالمي.
ويؤكد أن الدول الخليجية التي تمتلك خبرة وإمكانات هائلة في قطاع الطاقة، ومقدرات استثمارية ضخمة، وموقعاً جغرافياً يربط آسيا وأوروبا وأفريقيا، تستطيع أن تنتقل من كونها مركزاً عالمياً للطاقة التقليدية إلى لاعب رئيس في اقتصاد الطاقة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه الفرصة، في رأيه، لا تخلو من مخاطر، فكلما ازداد اعتماد الاقتصادات على التكنولوجيا، ارتفعت أهمية الأمن السيبراني وحماية البيانات والسيادة الرقمية.
كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح المهاجمين قدرات أكبر على تنفيذ هجمات إلكترونية أكثر سرعة وتعقيداً، لكنه في المقابل يوفر أدوات متقدمة لاكتشاف تلك الهجمات والتنبؤ بها والتصدي لها.
ويبرز تحدٍ آخر يتعلق بسلاسل الإمداد التكنولوجية، خصوصاً الرقائق الإلكترونية والمعدات المتقدمة.
ويرى بانافع أن بناء المرونة لا يعني أن تنتج دول الخليج كل احتياجاتها محلياً، وإنما أن تنوع مصادرها، وتبني شراكات استراتيجية طويلة الأمد، وتطور قدراتها وكفاءاتها المحلية بما يقلل مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج.
ويكتسب الربط بين الطاقة والذكاء الاصطناعي أهمية خاصة؛ فمراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء وقدرات متطورة للتبريد والبنية التحتية.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أبرز نقاط القوة الخليجية، إذا ما نجحت المنطقة في توظيف خبرتها في الطاقة لخدمة اقتصادها الرقمي.
لكن الرهان الحقيقي، كما يؤكد بانافع، لا يكمن في شراء أحدث التقنيات أو تشييد مراكز البيانات فحسب، وإنما في بناء رأس مال بشري قادر على تطوير هذه التقنيات وإدارتها.
فالدول التي تمتلك التكنولوجيا من دون المعرفة والكفاءات ستظل في دائرة الاعتماد على الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن «مفترق الطرق» الذي يناقشه المنتدى ليس مجرد توصيف للتحولات الراهنة، بل هو سؤال استراتيجي حول مستقبل الخليج: هل تكتفي المنطقة بأن تكون مستهلكاً للتكنولوجيا، أم تتحول إلى شريك وصانع ومركز عالمي لها؟.
ويرى بانافع أن الإجابة ستتحدد بمدى قدرة دول الخليج على بناء منظومة تكنولوجية آمنة ومرنة ومستدامة، بالتوازي مع الاستثمار في الجامعات والبحث العلمي والكفاءات البشرية.
فامتلاك التكنولوجيا قد يمنح قوة مؤقتة، أما امتلاك المعرفة والقدرة على تطويرها وحمايتها، فهو ما يصنع النفوذ المستدام في الاقتصاد العالمي الجديد.
خيارات جديدة
أما الدكتورة سمر الخمليشي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، فترى أن منطقة الخليج تقف أمام تحولات عميقة ستعيد تشكيل نظامها الإقليمي خلال السنوات المقبلة، مشيرة إلى أن زمن الاصطفافات الصلبة والشراكات الحصرية يتراجع تدريجياً لصالح نموذج أكثر مرونة وتعدداً، تحكمه المصالح وتفرضه التحولات المتسارعة في موازين القوى.
وتوضح الخمليشي أن مستقبل النظام الإقليمي لن يتحدد فقط بطبيعة العلاقات بين دول الخليج والقوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، وإنما أيضاً بمسار العلاقات مع الولايات المتحدة والصين والهند والقوى الآسيوية الصاعدة.
وترى أن هذا المشهد يفرض على دول الخليج إدارة شبكة معقدة من العلاقات، بحيث لا تكون شراكتها مع قوة دولية على حساب شراكاتها الأخرى، وإنما توظف تعدد الخيارات لتعزيز مصالحها وهامش حركتها الاستراتيجية.
وتؤكد أن التحولات الاقتصادية باتت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن، بعدما اتسع مفهوم الأمن الوطني ليشمل الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والتكنولوجيا.
ومن ثم، فإن حماية المصالح الخليجية لم تعد مسألة عسكرية فقط، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على بناء اقتصادات مرنة وتأمين احتياجاتها الحيوية وحماية بنيتها التكنولوجية والرقمية.
وتشير الخمليشي إلى أن تعزيز القدرات الدفاعية لا يتعارض مع الانفتاح على الحوار والدبلوماسية، بل يمكن أن يعززها.
وتؤكد أن الدولة التي تمتلك قدرات دفاعية موثوقة تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، وفي الوقت ذاته أكثر قوة في إدارة التفاوض والأزمات.
وترى أن المطلوب هو الانتقال من الردع العسكري وحده إلى استراتيجية تجمع بين القوة والدبلوماسية الوقائية وآليات خفض التصعيد، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى سباقات تسلح مفتوحة.
وتلفت إلى أن صعود الصين والهند يمثل أحد أبرز ملامح التحول في خريطة الشراكات الخليجية.
فالصين لم تعد مجرد مستورد رئيس للطاقة، وإنما أصبحت شريكاً اقتصادياً وتكنولوجياً واستثمارياً، فيما تزداد أهمية الهند والقوى الآسيوية في التجارة والاستثمار والبنية التحتية.
وترى أن هذا التعدد يمنح دول الخليج مساحة أكبر للمناورة، من دون أن يعني التخلي عن التحالفات التقليدية.
وتؤكد الخمليشي أن الاستقلالية الاستراتيجية لا تعني الابتعاد عن القوى الكبرى، وإنما امتلاك القدرة على اتخاذ القرار وفقاً للمصلحة الوطنية، وهو ما يتطلب تنويع الشراكات وبناء القدرات الذاتية، خصوصاً في التكنولوجيا والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد.
وترى أن الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة يضيفان بعداً جديداً لهذه المعادلة، إذ أصبحت حماية المنشآت الحيوية والبنية الرقمية والطاقة جزءاً من الأمن الوطني.
وفي المقابل، توفر هذه التقنيات فرصاً لبناء قطاعات اقتصادية جديدة وتعزيز القدرة التنافسية.
وتخلص الخمليشي إلى أن الرهان الخليجي في المرحلة المقبلة لن يكون على اختيار شريك دولي واحد، وإنما على القدرة على تعدد الشراكات، وبناء القوة الذاتية، والحفاظ على استقلالية القرار، بما يسمح لدول الخليج بأن تكون طرفاً فاعلاً في تشكيل النظام الإقليمي، لا مجرد طرف يتأثر بتحولاته.
تحدي الصدمات
بينما يرى الدكتور إدريس عيسوي، المحلل الاقتصادي المغربي، أن انعقاد منتدى هيلي تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار» يعكس طبيعة المرحلة الراهنة، ويؤكد أهمية الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى تصحيح المسارات واستشراف مستقبل النظام الإقليمي وشراكات التعاون الاقتصادي والجيوسياسي والتكنولوجي.
ويؤكد أن أحد أبرز الملفات التي تفرض نفسها يتمثل في إعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الخليجي، خصوصاً في ظل اضطرابات ممرات الملاحة والتجارة وتداعيات الصراعات الإقليمية والدولية.
ويرى أن بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الصدمات لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة استراتيجية، تستند إلى ثلاثة محاور رئيسة.
ويتمثل المحور الأول في تنويع مصادر الدخل والاستثمار، إذ يرى عيسوي أن النجاحات التي حققتها الرؤى الاقتصادية الخليجية، تحتاج إلى تسريع وتيرتها، من خلال توجيه الاستثمارات نحو الصناعات المتقدمة والفضاء والطاقة المتجددة وغيرها من القطاعات ذات القيمة المضافة، بما يقلل تدريجياً من الاعتماد على عائدات النفط التقليدية.
أما المحور الثاني فيتعلق بـتحصين سلاسل الإمداد واللوجستيات، مشيراً إلى أن التطورات الأخيرة أثبتت أن المرونة اللوجستية أصبحت جزءاً من الأمن الاقتصادي.
ويؤكد أهمية تطوير مسارات تجارية بديلة، وتعزيز البنية التحتية البرية والبحرية، وتوطين الصناعات الأساسية، بما يضمن استمرار تدفق السلع الاستراتيجية والغذائية والدوائية خلال الأزمات.
ويأتي تعزيز السيادة التكنولوجية محوراً ثالثاً، إذ يرى عيسوي أن الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والبيانات والأنظمة غير المأهولة أصبحت ركائز أساسية للأمن الاقتصادي، ما يفرض الاستثمار في مراكز البيانات والتقنيات المتقدمة وبناء القدرات المحلية.
ويؤكد أن الأزمات يمكن أن تتحول إلى فرص. ويوضح أن اضطراب سلاسل الإمداد يمنح الخليج فرصة لترسيخ موقعه كمركز لوجستي عالمي، وتقلبات أسواق الطاقة قد تسرّع التحول نحو الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، بينما يتيح الانقسام التكنولوجي العالمي بناء شراكات متعددة وتوطين التقنيات الحيوية.
كما يرى أن التوترات الأمنية يمكن أن تدفع نحو توطين الصناعات الدفاعية، بما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية ويخلق قطاعات صناعية جديدة ذات قيمة مضافة.
ويخلص د. عيسوي إلى أن منتدى هيلي يمثل نقطة انطلاق مهمة لإعادة تعريف مفهوم المرونة الخليجية، والانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار والعائدات النفطية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وحذراً ومرونة، قادراً ليس فقط على مواجهة الاضطرابات، وإنما على تحويلها إلى فرص للنمو وإعادة صياغة موقع الخليج في الاقتصاد العالمي.
أخبار متعلقة :