فهد الحساوي: 99% تغطية «5G» بالإمارات

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 01:06 مساءً - لم تعد شبكات الاتصالات مجرد طرق رقمية تمر عبرها الأخبار والصور ومقاطع الفيديو، بل أصبحت جزءاً من صناعة المحتوى الإعلامي نفسه، من لحظة وقوع الحدث إلى إنتاجه ومعالجته وتخزينه وحمايته، وصولاً إلى الشاشة التي يختار الجمهور متابعته من خلالها. وبين الجيل الخامس والألياف الضوئية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والأمن السيبراني، تتشكل مرحلة جديدة عنوانها «ما بعد الاتصال»، حيث لا تكمن القيمة في امتلاك الشبكة وحدها، وإنما في ما يمكن بناؤه فوقها.

Advertisements

وأكد فهد الحساوي، الرئيس التنفيذي لشركة «دو»، خلال جلسة «تمكين الإعلام لما بعد الاتصال» التي عقدت اليوم ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي، أن قطاع الإعلام يعيش تحولاً جذرياً بفعل التطور المتسارع في الاتصالات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن تمتلك بنية رقمية متقدمة تضعها في موقع ريادي عالمياً، فيما يتمثل التحدي المقبل في الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها والابتكار فيها.

وأدارت الجلسة كاثرين دياب، مقدمة البرامج في قناة ومنصة «المشهد»، وناقشت مع الحساوي مستقبل العلاقة بين الإعلام والاتصالات، والطلب المتنامي على نقل البيانات، وتأثير الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والأقمار الصناعية، ودور «دو» في دعم دبي مركزاً عالمياً للابتكار، وصولاً إلى القيمة المتنامية للبيانات في صناعة اقتصاد وإعلام المستقبل.

طلب متصاعد على البيانات

وقال الحساوي إن الطلب على سعات أكبر لنقل البيانات سيستمر في الارتفاع، خصوصاً مع النمو الكبير في الفيديو عالي الجودة وكميات البيانات التي تتطلب شبكات ذات قدرات مرتفعة وسرعة استجابة عالية.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي والحلول الذكية يمثلان جانباً آخر من هذا التطور، إذ يساعدان في إدارة المحتوى ومعالجته ورفع كفاءة التعامل معه، ما يجعل الاستثمار مطلوباً بالتوازي في قدرات الشبكات والحلول الذكية.

ويعكس ذلك تحولاً في وظيفة قطاع الاتصالات، الذي لم يعد دوره مقتصراً على نقل البيانات من نقطة إلى أخرى، وإنما أصبح شريكاً في توفير البيئة التقنية التي تعمل من خلالها المؤسسات الإعلامية والقطاعات الاقتصادية المختلفة.

الخبر أصبح يذهب إلى الجمهور

وتوقف الحساوي عند واحد من أبرز التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في صناعة الإعلام، قائلاً إن الجمهور كان في السابق هو من يذهب بحثاً عن الخبر، سواء من خلال الصحيفة أو التلفزيون، بينما تغيرت المعادلة اليوم، وأصبح الإعلام هو الذي يوصل الخبر والمحتوى إلى الجمهور أينما كان وبالطريقة التي يفضلها.

وأوضح أن أنماط استهلاك المحتوى أصبحت متعددة؛ فهناك من يتابع الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وآخرون عبر «يوتيوب» أو المنصات الرقمية، فيما يفضل البعض الفيديو أو المحتوى الصوتي، وهو ما يفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير قدراتها لتلبية هذا التنوع.

وأصبح الوصول إلى الجمهور، وفق هذا التحول، عملية مستمرة ومتعددة المنصات، ما يجعل سرعة الشبكة واستقرارها وقدرتها على التعامل مع أحجام ضخمة من البيانات عناصر أساسية في العمل الإعلامي الحديث.

الاستوديو ينتقل إلى هاتف الصحفي

وأشار الحساوي إلى أن سرعة نقل الخبر من موقع حدوثه تحتاج اليوم إلى وسائل اتصال فائقة السرعة وذات سعات كبيرة، إضافة إلى إمكانية التواصل عبر العالم، إذ قد يقع الحدث في دولة بينما يوجد الاستوديو أو فريق الإنتاج في دولة أخرى.

وأوضح أن البث يمكن أن يتم عبر الأقمار الصناعية أو الإنترنت، فيما تحتاج عمليات إنتاج الخبر ومعالجته وتخزينه إلى أدوات جديدة لم تعد بالضرورة مرتبطة بالاستوديوهات الكبيرة التي كانت مطلوبة في السابق.

وباتت العديد من هذه الأدوات متاحة عبر الأجهزة المحمولة التي يحملها الإعلامي في الميدان، الأمر الذي يعيد رسم دورة صناعة الخبر ويمنح الصحفي قدرة على التصوير والإنتاج والنقل والنشر بسرعة أكبر ومن موقع الحدث نفسه.

99% تغطية للجيل الخامس

وأكد الحساوي أن سوق الإمارات يختلف عن العديد من الأسواق الأخرى بفضل المستوى المتقدم الذي وصلت إليه البنية التحتية الرقمية، موضحاً أن تغطية شبكة الجيل الخامس وصلت إلى نحو 99% من المناطق المأهولة، فيما تقترب تغطية الألياف الضوئية من 100% في المناطق المأهولة.

وأوضح أن هذه البنية المتقدمة تجعل الحاجة إلى حلول الاتصال عبر الأقمار الصناعية محدودة في الإمارات، مقارنة بدول وأسواق أخرى لا تتمتع بالمستوى نفسه من انتشار الشبكات الأرضية.

وأشار إلى أن قدرات الأقمار الصناعية تظل أقل، في بعض الاستخدامات، من الإمكانات التي توفرها شبكات الجيل الخامس وكابلات الألياف الضوئية، ولذلك يمكن أن تؤدي الحلول الفضائية مثل «ستارلينك» دوراً مهماً في المناطق التي لا تصل إليها التغطية، كالمواقع الموجودة في عمق الصحراء أو المناطق الجبلية والنائية.

وأكد أن استخدامها في الإمارات يمثل حلاً تكميلياً وليس بديلاً عن البنية التحتية المتوافرة، في حين قد تمثل خياراً أكثر أهمية في دول تعاني ضعفاً في شبكات الاتصالات.

حماية الإعلام من الانقطاع

ومع انتقال جزء كبير من العمل الإعلامي إلى البيئة الرقمية، أكد الحساوي أن استمرارية الأعمال أصبحت مسألة بالغة الأهمية، لافتاً إلى أن قطاع الاتصالات بات قطاعاً حيوياً تعتمد عليه قطاعات الإعلام والبنوك وغيرها من المجالات الأساسية.

وأوضح أن «دو» تمتلك خططاً وقدرات للتعامل مع الحوادث والانقطاعات المحتملة، لأن حدوث خلل في شبكات الاتصال يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على استمرارية الخدمات الإعلامية والرقمية.

وضرب مثالاً بالكابلات البحرية، موضحاً أن التعامل مع مخاطر تعرض أحدها للقطع لا يقوم على الاعتماد على مسار واحد، وإنما على وجود شبكة من الكابلات والمسارات وسعات إضافية تسمح بتحويل حركة البيانات إلى مسارات أخرى، بما يحافظ على استمرارية الخدمة.

نسخة احتياطية و«تعافٍ من الكوارث»

وتشمل المنظومة كذلك خدمات النسخ الاحتياطي Backup as a Service، التي تسمح للمؤسسات بتخزين نسخة إضافية من المحتوى والبيانات يمكن العودة إليها في حال فقدان النسخة الأساسية.

كما أشار الحساوي إلى خدمات التعافي من الكوارث «Disaster Recovery»، التي تساعد المؤسسات على استمرارية أعمالها في حال تعرض مركز بيانات معين لانقطاع أو مشكلة، عبر الاستفادة من مراكز وقدرات بديلة.

وتكتسب هذه الخدمات أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية التي تمتلك أرشيفات ضخمة من الصور والفيديو والمواد الصوتية والوثائق، ما يجعل حماية المحتوى وحفظه جزءاً أساسياً من أمن المؤسسة واستدامة عملياتها.

وأكد أن الأمن السيبراني يمثل بدوره محوراً رئيسياً في ظل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والاعتماد المتزايد على الخدمات والمنصات الرقمية.

شريك استراتيجي للإعلام

وفي حديثه عن دعم مكانة دبي مركزاً عالمياً للابتكار الإعلامي، أكد الحساوي أن ما يحدث في الإمارات يتجاوز الاستثمار في البنية التحتية إلى بناء اقتصاد رقمي متكامل.

وقال إن طموح دبي لأن تكون في موقع ريادي عالمياً في التكنولوجيا والابتكار يحتاج إلى شراكات متميزة، ولذلك تسعى «دو» إلى تجاوز نموذج مقدم خدمات الاتصالات التقليدي والتحول إلى شريك استراتيجي يوفر منظومة متكاملة من الحلول.

وتشمل هذه المنظومة، بحسب الحساوي، شبكات الألياف الضوئية والجيل الخامس ومراكز البيانات والسحابات السيادية وأدوات الذكاء الاصطناعي، بما يدعم المؤسسات وصناع المحتوى ويوفر لهم البيئة التقنية اللازمة للتوسع والابتكار.

50 مليون دولار للابتكار

وكشف الحساوي عن إطلاق صندوق «دو» للاستثمارات بقيمة 50 مليون دولار بهدف الاستثمار في الشركات الناشئة ودعم الابتكار، في خطوة تعكس اتساع الدور الذي تلعبه شركات الاتصالات في الاقتصاد الرقمي.

ويحمل هذا التوجه دلالة تتجاوز الاستثمار المالي، إذ يربط بين البنية التحتية وريادة الأعمال والابتكار، ويضع الشركات الناشئة في قلب عملية تطوير حلول وتقنيات جديدة يمكن أن تخدم قطاعات متعددة.

48 ساعة بثاً بلا انقطاع

واستعرض الحساوي تجربة «دو» مع صناع المحتوى من خلال مبادرة «الشبكة المستمرة»، التي نُفذت لإظهار قوة شبكة الجيل الخامس في الإمارات.

وقال إن المبادرة اعتمدت على بث مباشر عبر «تيك توك لايف» لمدة 48 ساعة متواصلة في مختلف إمارات الدولة دون انقطاع، حيث انتقل الهاتف من صانع محتوى إلى آخر على مدار يومين مع استمرار البث.

وأشار إلى أن المبادرة دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية، مؤكداً أن التجربة قدمت نموذجاً عملياً على استقرار الشبكة وقدرتها على دعم صناع المحتوى، خصوصاً مع تنامي الاعتماد على البث المباشر والمحتوى المتحرك.

من مستهلكين إلى صناع للتكنولوجيا

وعن الخطوة التالية بعد الجيل الخامس والتطور نحو 5G+، قال الحساوي إن التكنولوجيا تتغير وتتجدد باستمرار وتقدم إمكانات لم تكن متاحة سابقاً، لكن الأهم هو القدرة على تحويل هذه التقنيات إلى حلول ذات قيمة حقيقية.

وشدد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد تحول الإمارات من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها والابتكار فيها، مؤكداً أن تحقيق ذلك يتطلب تكاملاً بين مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاعا التكنولوجيا والاتصالات.

وأكد أن الهدف يتمثل في بناء شراكات موثوقة واستراتيجية مع القطاعات الحيوية، ومن بينها الإعلام، وليس الاكتفاء بالعلاقة التقليدية بين مقدم الخدمة والمستخدم.

الذكاء الاصطناعي يعرف ماذا يريد الجمهور

ويرى الحساوي أن الذكاء الاصطناعي والبيانات يفتحان أمام المؤسسات الإعلامية مجالاً واسعاً لتطوير تجربة الجمهور، خصوصاً عبر تخصيص المحتوى «Personalization».

وتتيح التقنيات الحديثة فهماً أكثر دقة لاهتمامات المستخدم وطريقة استهلاكه للمحتوى، بما يمكّن المؤسسات من تحديد المحتوى الأنسب له والمنصة والصيغة التي يفضلها، سواء كانت نصاً أو فيديو أو صوتاً أو محتوى عبر شبكات التواصل.

وأكد أن الوصول إلى مستويات متقدمة من التخصيص يمكن أن يرفع بصورة كبيرة كفاءة القطاع الإعلامي، مشيراً إلى قدرة «دو» على تقديم خدمات وحلول تدعم المؤسسات الإعلامية في هذا الاتجاه.

الحساوي: البيانات هي «النفط الجديد»

وفي واحد من أبرز محاور الجلسة، أكد الحساوي تأييده لمقولة إن «البيانات هي النفط الجديد»، مشيراً إلى أنها أصبحت من أهم الموارد للوصول إلى حلول واستنتاجات جديدة.

وأوضح أن القيمة تصبح أكبر عندما يتم تحليل بيانات أكثر من قطاع بصورة مترابطة، مستشهداً بإمكانية الاستفادة من بيانات الإعلام والاتصالات وقطاعات أخرى للوصول، باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى استنتاجات لم يكن الوصول إليها ممكناً في السابق.

وشدد على أن وجود البيانات وحده لا يكفي، بل يجب معرفة السؤال الصحيح الذي يُطرح على الذكاء الاصطناعي حتى تتحول تلك البيانات إلى معرفة واستنتاجات قابلة للاستخدام.

وأضاف أن النتائج المستخلصة يمكن أن تُبنى عليها حلول جديدة تضيف قيمة للمجتمع والاقتصاد وتحسن تجربة المستهلك، مؤكداً وجود مجال واسع للتطوير في هذا الاتجاه.

«ما بعد الاتصال».. سباق على القيمة

وتكشف جلسة «تمكين الإعلام لما بعد الاتصال» أن مستقبل العلاقة بين التكنولوجيا والإعلام لم يعد محصوراً في سؤال: من يمتلك الشبكة الأسرع؟ بل انتقل إلى سؤال أكبر: ماذا يمكن أن نصنع بهذه الشبكة؟

فمن اتصال سريع ينقل الصحفي عبره الخبر من الميدان، إلى مراكز بيانات تحفظ ذاكرة المؤسسات، وشبكات احتياطية تمنع انقطاع المحتوى، وأمن سيبراني يحمي المنصات، وصولاً إلى ذكاء اصطناعي يحلل البيانات ويساعد على فهم الجمهور، أصبحت التكنولوجيا حاضرة في كل مرحلة تقريباً من دورة العمل الإعلامي.

وإذا كان الجمهور في الماضي يذهب إلى الصحيفة أو التلفزيون بحثاً عن الخبر، فإن الخبر اليوم هو الذي يصل إليه أينما كان وبالصيغة التي يفضلها، فيما تذهب المرحلة المقبلة إلى أبعد من ذلك: فهم الجمهور وتخصيص تجربته والاستفادة من البيانات لاستشراف احتياجاته.

وبينما كانت شبكات الاتصالات في السابق تحمل الرسالة الإعلامية، أصبحت اليوم جزءاً من صناعتها وإدارتها وحمايتها، لتدخل الصناعة مرحلة جديدة يصبح فيها الاتصال هو البنية، والبيانات هي الثروة، والذكاء الاصطناعي هو الأداة التي تحولها إلى معرفة وتأثير وقيمة اقتصادية.

أخبار متعلقة :