حال الإمارات

محمد الكويتي: الإمارات تتعرض لـ 640 ألف هجمة سيبرانية يومياً

محمد الكويتي: الإمارات تتعرض لـ 640 ألف هجمة سيبرانية يومياً

ابوظبي - ياسر ابراهيم - الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 03:06 مساءً - دبي – نورا الأمير

حذر الدكتور محمد الكويتي، رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة ، من تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة رئيسية لحروب الجيل الخامس التي لم تعد تستهدف تعطيل الأنظمة والخدمات فحسب، بل باتت تمتد إلى التأثير في وعي المجتمعات وسلب العقول ونشر المعلومات المضللة والأفكار المتطرفة، مؤكداً أن «الوعي هو خط الدفاع الأول» في مواجهة هذه المخاطر المتصاعدة.

وكشف الكويتي، خلال جلسة «الإعلام وحروب الجيل الخامس»، ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي، التجمع الإعلامي الأكبر من نوعه في المنطقة، والتي حاوره خلالها الإعلامي سامي قاسمي، عن رصد 640 ألف هجمة سيبرانية في يوم واحد، موضحاً أن خطورة هذه الهجمات لا تقتصر على فقدان الخدمة، وإنما تشمل تهديدات قد تؤدي إلى تسريب البيانات وسرقتها واستهداف قطاعات حيوية تمس حياة المجتمع بصورة مباشرة.

وقال إن استهداف قطاعات مثل الكهرباء والمياه والاقتصاد يمكن أن يترك تأثيراً واسعاً في المجتمع، وهو ما يستدعي امتلاك قدرات متقدمة للرصد والاستجابة الفورية، خصوصاً مع تغير طبيعة التهديدات وتحولها إلى حروب لا مركزية يمكن أن يلعب فيها أفراد أو ما يعرف بـ«الذئاب المنفردة» دوراً مؤثراً في زعزعة الاستقرار.

وأوضح الكويتي أن شخصاً واحداً بات قادراً، من خلال معلومة مفبركة أو مزيفة، على التأثير في المجتمع وتغيير مسار الأحداث، ما يجعل الوعي بالمعلومات ومصادرها ضرورة أساسية، مشدداً على أهمية أن يعرف أفراد المجتمع ماهية المعلومات التي تصل إليهم ومصدرها قبل التعامل معها أو إعادة نشرها.

واستعرض واحدة من أخطر حالات الاشتباك السيبراني التي تعاملت معها الجهات المختصة، موضحاً أنها تمثلت في استهداف بنية تحتية تابعة لإحدى مؤسسات القطاع الخاص، حيث تمكن المهاجم من استغلال ثغرة لم تتم معالجتها، ثم تواصل مع المؤسسة وطالب بدفع خمسة ملايين دولار، مدعياً أنه تمكن من كشف منظوماتها والوصول إليها.

وأشار إلى أن التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، إلى جانب التعاون الدولي، أسهم في حماية المؤسسة والتعامل مع الهجوم، رغم قيام المخترق بنشر بعض المعلومات على «الويب المظلم»، مؤكداً أهمية الشراكة والتنسيق في مواجهة الهجمات التي تتجاوز بطبيعتها الحدود الجغرافية ولا تعترف بالسيادات الوطنية.

وتوقف الكويتي عند التداعيات الإنسانية للتهديدات الرقمية، مستعرضاً واقعة مؤلمة تعرضت فيها طفلة للابتزاز والتنمر من مجموعة من الطلبة باستخدام تقنيات التزييف العميق، ما تسبب في تركها المدرسة لمدة عام كامل قبل العمل على إعادة تأهيلها نفسياً واجتماعياً.

وقال إن بعض الاستخدامات التي قد تبدأ على أنها «مداعبات» باستخدام التزييف العميق أو الألعاب والتقنيات الرقمية يمكن أن تترك آثاراً عميقة تمتد إلى الأسرة والمجتمع، لافتاً إلى أن النتيجة في تلك الحالة كانت هدر عام كامل من حياة طفلة بسبب إساءة استخدام التكنولوجيا وغياب الرقابة الأسرية.

وشدد على أن المطلوب ليس الخوف من التكنولوجيا أو الهروب منها، وإنما استخدامها بصورة إيجابية، بالتوازي مع تعزيز الحذر والوعي لدى الأفراد، خصوصاً الأطفال والشباب الذين يمثلون الفئة الأكثر تعرضاً لهذه المخاطر.

وأكد الكويتي أن خطورة حروب الجيل الخامس تكمن في انتقال الاستهداف من الأنظمة إلى الإنسان نفسه، وقال إن «شلل الأنظمة يمكن إعادته ومعالجته، لكن شلل الأفكار والدماغ وما يؤثر في العادات والقيم أكثر خطورة»، محذراً من أن نشر الأفكار الضالة عبر الفضاء الرقمي قد يقود إلى التطرف والإرهاب.

وأشار إلى أن الإرهاب السيبراني يمثل أحد التحديات التي تتطلب استعداداً متواصلاً، في مقابل تعزيز الولاء الوطني وحماية العقول، موضحاً أن العالم يشهد حروباً سيبرانية وإرهاباً سيبرانياً يستهدفان التأثير في الأفكار وسلب العقول، وهي إحدى صور حروب الجيل الخامس التي يجب الاستعداد لها بجدية.

وأضاف أن بعض الجهات المضللة تستغل بطء ردود الفعل الرسمية في أوقات الأزمات لنشر رواياتها والتأثير في الرأي العام، ولذلك ينبغي أن يبقى الإنسان في صلب منظومة التطوير والاستجابة، في الوقت الذي توفر فيه التكنولوجيا الحديثة أدوات تساعد على الرصد والرد بصورة أسرع.

وأوضح أن غياب الرد الفوري قد يفتح المجال أمام «التجييش العام» وانتشار كم هائل من المعلومات التي يختلط فيها الصحيح بالمضلل، لافتاً إلى أن الجهات الرسمية في الدولة تعمل من خلال الإحاطات والإعلانات الرسمية على دحض المعلومات المغلوطة وتقديم الحقائق للمواطنين والمقيمين.

ودعا الكويتي المؤسسات الإعلامية والجمهور إلى التعامل بمسؤولية أكبر مع المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه قبل تطبيق أي حوكمة أو قوانين، ينبغي لكل شخص أن «يفكر مرتين» قبل نشر مقال أو صورة أو معلومة تم إنتاجها أو تداولها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وأكد أن على وسائل الإعلام تحري المصداقية في كل ما تنشره، وعلى أفراد المجتمع عدم تصديق المعلومات أو تداولها قبل التأكد منها والرجوع إلى المصادر الرسمية والموثوقة، مشدداً على أن المسؤولية مشتركة بين المنتج والمتلقي للمحتوى الرقمي.

وحذر من انتحال صفة جهات إعلامية واختراق الحسابات ونشر معلومات زائفة من خلالها، مشيراً إلى أن هذه الممارسات تخضع للمتابعة والرصد، وأن عمليات التحري والتدقيق والتحقق أصبحت جزءاً أساسياً من حماية المجتمع في البيئة الرقمية التي لم تعد تعرف حدوداً جغرافية.

«مارد خرج ويجب التحكم فيه»

وفي حديثه عن الذكاء الاصطناعي، أكد الكويتي أن فتح الباب أمام استخدام هذه التكنولوجيا يحمل فرصاً هائلة، مشيراً إلى أن نحو 95% من استخدامات ومشاركات الذكاء الاصطناعي إيجابية، إلا أن ذلك لا يلغي ضرورة وجود سياسات وحوكمة تضبط الاستخدام وتمنع الانحراف.

وأشار إلى أن دولة الإمارات كانت من الدول السباقة في تبني الذكاء الاصطناعي ووضع الأطر والسياسات المنظمة لاستخدامه، مضيفاً أن هناك «مارداً خرج ويجب التحكم فيه وتسخيره لما فيه الخير»، في إشارة إلى التطور المتسارع للتكنولوجيا وقدراتها الواسعة التي تتطلب وعياً ومسؤولية.

ووجه نصيحة إلى المؤثرين وصناع المحتوى بضرورة استقاء المعلومات من الجهات الرسمية والالتزام بالقيم والعادات والموروثات التي تربى عليها المجتمع، إلى جانب الدقة وتحري الصدق والتحقق الكامل من المعلومات قبل نشرها على منصاتهم.

وأكد الكويتي بالتأكيد على أن دولة الإمارات «دولة قانون» تدعم الانفتاح العالمي وفتح المنصات والاستفادة من التجارب المختلفة، وأن منهج الدولة يقوم على التعامل مع التحديات وتحويلها إلى فرص، قائلاً إن الاستفادة من التجارب وتحويل التحديات إلى فرص للتحسين تمثل معياراً أساسياً في تقييم أي تحدٍ والتعامل معه بذكاء.

واختتم الدكتور محمد الكويتي أن حروب الجيل الخامس لم تعد معركة أنظمة وتقنيات فحسب، بل أصبحت معركة وعي وأفكار تستهدف العقول قبل البنى التحتية، ما يجعل من التوعية والتثقيف الرقمي خط الدفاع الأول لحماية المجتمعات.

وبين أن الضمانة الوحيدة لمواجهة هذه التحديات تكمن في الشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع، وتعزيز مصداقية الإعلام، وترسيخ ثقافة التحقق قبل النشر، لأن «المارد» الرقمي خرج ولا بد من التحكم فيه وتسخيره لخدمة البشرية لا لتدميرها.

Advertisements

قد تقرأ أيضا