كتب ناصر المحيسن - الكويت في الجمعة 1 مايو 2026 12:55 صباحاً - في حديث اتسم بوضوح الرؤية وعمق الإحاطة بالتحولات الإقليمية والدولية، رسم سفير جمهورية الصين الشعبية لدى البلاد، يانغ شين، ملامح المقاربة الصينية إزاء أزمات المنطقة، مؤكداً أن بكين تنظر إلى التحديات باعتبارها فرصاً لإعادة البناء وتعزيز التعاون، انطلاقاً من فلسفة حضارية ضاربة في عمق التاريخ الصيني.
وشدد السفير شين، خلال زيارته «الراي»، اليوم الخميس، ولقائه رئيس التحرير الزميل وليد الجاسم، على استعداد بلاده لدعم الكويت ودول المنطقة في صون أمنها واستقرارها، عبر رؤية تقوم على الحوار والتنمية واحترام السيادة.
وأكد أن الأزمات، رغم ما تفرضه من تحديات معقدة، تتيح في الوقت ذاته فرصاً حقيقية لإعادة البناء وتعزيز التعاون بين الدول، مشيراً إلى أن الرؤية الصينية في التعامل مع الأزمات، تستند إلى مبادئ راسخة مستمدة من عمق الحضارة الصينية وتجربتها التاريخية الممتدة.


وأوضح أن الصين على استعداد كامل للمساهمة في حفظ وصون أمن المنطقة، كما أنها مستعدة لدعم الكويت ودول المنطقة لتمكينها من الحفاظ على أمنها واستقرارها بيديها وإرادتها وقدراتها الذاتية.
وقال إن الرئيس الصيني شي جين بينغ، طرح رؤية متكاملة لمعالجة الأزمات العالمية، ترتكز على عدد من المبادئ الأساسية، لافتاً إلى أن المفهوم الصيني لكلمة «أزمة» يجمع بين معنيي «التحدي» و«الفرصة»، وهو ما يعكس فلسفة صينية أصيلة تقوم على تحويل التحديات إلى محفزات للنمو والتطوير.
وأشار إلى أن التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة، يمكن أن تشكل فرصة لتعزيز العلاقات بين دول الخليج والصين، مؤكداً حرص بلاده على ترسيخ مكانتها كدولة مسؤولة على الساحة الدولية، وعضو فاعل في مجلس الأمن الدولي، بما يعزّز الثقة المتبادلة مع شركائها.
الأمن والتنمية
وفي ما يتعلق بالشق الأمني، شدد السفير الصيني على أن بلاده تتبنى مفهوماً شاملاً للأمن يقوم على التوازن بين الأمن والتنمية، موضحاً أن التجربة الصينية أثبتت أن التنمية المستدامة تعزز الأمن، كما أن الاستقرار الأمني يشكل بدوره ركيزة أساسية لدعم مسارات التنمية.
وأضاف أن السياسة الدفاعية للصين ترتكز على استخدام القوة في إطار دفاعي بحت، مع رفض اللجوء إلى الحلول العسكرية لتسوية النزاعات، والدعوة إلى احترام الأمم المتحدة والقانون الدولي بما يضمن حماية سيادة الدول، خصوصاً الدول الصغيرة.
وأكد رفض بلاده القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول، ودعمها الثابت لمبدأ حل النزاعات عبر الحوار والتفاهم، مشدداً على أهمية أن تتولى شعوب المنطقة معالجة قضاياها بنفسها بعيداً عن التدخلات العسكرية الخارجية، مع الانفتاح على التعاون الدولي في مجالات الفكر والتنمية.
وبيّن أن بكين تدعم حق الدول في تعزيز قدراتها الدفاعية بما يحفظ أمنها واستقرارها، لافتاً إلى مجالات تعاون قائمة وقابلة للتوسع بين الكويت والصين، مجدداً التأكيد على تشجيع بلاده لدول المنطقة على الاعتماد على قدراتها الذاتية في حفظ أمنها، بالتوازي مع تعزيز التعاون الإقليمي لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
الكويت شريك مهم
وفي سياق حديثه عن العلاقات الثنائية، أكد السفير يانغ شين، أن الحضارتين العربية والصينية من أعرق الحضارات الإنسانية، مشيراً إلى أن التبادل الثقافي والحضاري بينهما يمتد لآلاف السنين عبر طريق الحرير البري والبحري، الذي أسهم في ربط الشعوب وتعزيز التواصل بين الثقافات.
وأوضح أن دولة الكويت كانت أول دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، وهو ما يعكس رؤية إستراتيجية بعيدة المدى لدى قيادتي البلدين.
وأشار إلى أن العلاقات الرسمية بين البلدين بدأت منذ ستينات القرن الماضي عبر تبادل التهاني بين القيادتين، وتُوجت لاحقاً بزيارة المغفور له الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، إلى الصين، والتي شكلت محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية.
وبيّن أن البلدين يحتفلان هذا العام بمرور 55 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية، مؤكداً أن جذور التواصل بينهما أعمق بكثير من هذا التاريخ، وأن بلاده تقدر النظرة الإيجابية التي تحظى بها التجربة الصينية وإنجازاتها التنموية.
واختتم السفير الصيني حديثه بالتأكيد على أن العلاقات الكويتية - الصينية تتسم بالتميز والودية على مدى عقود، وأن الصين تنظر إلى الكويت كشريك مهم في تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي، مشدداً على أهمية الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام في البلدين في تعميق التفاهم والتقارب بين الشعبين ودعم العلاقات الثنائية مستقبلاً.
زهرة العرفج تُزيّن صدر السفير الصيني
وصل السفير الصيني يانغ شين، إلى «الراي»، وقد زيّن صدره بشارة زهرة العرفج، رمز الكويت الوطني، بلونها الأصفر الذي لا تخطئه العين، ورمزيتها كرمز للصمود والثبات في أقسى الظروف، في لفتة من السفير تعبّر عن التضامن مع أبطال الصفوف الأمامية، وتؤكد عمق التقدير الصيني لجهود الكويت في مواجهة التحديات.
من «حرب الأفيون» إلى النهضة الشاملة
تطرق السفير يانغ شين، إلى مسيرة الصين الحديثة، موضحاً أنها واجهت تحديات جسيمة عبر تاريخها، خصوصاً بعد حرب الأفيون الأولى التي شكلت منعطفاً تاريخياً أثّر على سيادتها ومسارها التنموي، قبل أن تنطلق لاحقاً في مسيرة إصلاح وتحديث طويلة.
وأضاف أن تأسيس الحزب الشيوعي الصيني شكّل نقطة تحول محورية في تاريخ البلاد، حيث قاد الصين نحو مسار تنموي خاص بها، أثبت نجاحه بمرور الوقت، لا سيما بعد الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب.
وأكد أن التجربة الصينية قامت على الاستفادة من تجارب الآخرين مع تكييفها بما يتلاءم مع الخصوصية الوطنية، وهو ما أسهم في تحقيق نهضة اقتصادية وتنموية شاملة.
