حال الكويت

صلالة... وجهة ساحرة يروي الخريف حكايتها

صلالة... وجهة ساحرة يروي الخريف حكايتها

كتب ناصر المحيسن - الكويت في الاثنين 3 أغسطس 2026 11:25 مساءً - تستقبل صلالة زوارها بمشهد لا يحتاج إلى كثير من الوصف؛ جبال يلفها الضباب، ووديان خضراء، وسواحل تمتد على مرمى البصر، وتراث مازال نابضاً في الأسواق والقرى والبيوت القديمة.

هذه اللوحة المتفردة جعلت المدينة واحدة من أبرز الوجهات السياحية في الخليج، وعنواناً لموسم الخريف الذي يستقطب آلاف الزوار سنوياً.

وخلال زيارة نظمّتها وزارة التراث والسياحة في سلطنة عُمان، بالتعاون مع «طيران الجزيرة»، تنقل الوفد الإعلامي الكويتي بين محطات اختزلت جمال الطبيعة وثراء الموروث العُماني.

بدأت رحلتنا إلى ولاية صلالة الساحرة في سلطنة عمان، بزيارة منطقة السعادة التي تطل على نافذة حية من ذاكرة المكان وتفاصيل الحياة العُمانية والظفارية القديمة.

ففي أجواء الخريف التي تمتزج فيها نسمات الرذاذ بعبق التراث، تقدم الفعالية تجربة متكاملة تنقل الزائر بين بيئات محافظة ظفار المختلفة، وتعرّفه على أنماط الحياة القديمة وما ارتبط بها من مهن وحرف وفنون شعبية وعادات اجتماعية ظلّت حاضرة في وجدان المجتمع عبر الأجيال.

وتأتي «عودة الماضي» لتعيد إحياء تفاصيل الحياة الأصيلة في ظفار، من خلال مشاهد واقعية تحاكي البيئات البحرية والحضرية والزراعية والريفية والبدوية، إلى جانب الأسواق القديمة وركن الأسر المنتجة وجمعيات المرأة العُمانية والمسرح الشعبي ومنطقة المطاعم والمقاهي. ولا تكتفي الفعالية بعرض المقتنيات التراثية، بل تمنح الزائر فرصة معايشة التجربة عبر عروض حية وأهازيج وفنون شعبية وحرف يدوية، بما يجعلها رحلة تعليمية وترفيهية في آن واحد، تربط الأجيال الجديدة بإرث الآباء والأجداد.

ذاكرة البحر وأهازيج الصيادين

بدأت الرحلة من البيئة البحرية التي تجسد العلاقة الوثيقة بين الإنسان الظفاري والبحر، حيث عُرضت أدوات الصيد التقليدية والقوارب القديمة وصناعة الشباك، إلى جانب الفنون البحرية والأهازيج التي كان البحارة يرددونها أثناء رحلات الصيد لبث الحماس وروح التعاون.

ومن بين هذه الفنون «الشبانية» و«الدواري»، إضافة إلى الألعاب الشعبية التي كان يمارسها الأطفال مثل الحواليس والصياد.

كما استحضرت الفعالية مشهد «السفارة»، وهو استقبال المسافرين والتبشير بقدومهم، في لوحة تعكس فرحة الأهالي بسلامة الوصول وما يرافقها من أهازيج تعبّر عن الشوق والبهجة.

الأرض... المقايضة وروح التعاون

أما البيئة الزراعية فتعكس ارتباط الإنسان الظفاري بالأرض وما جادت به من محاصيل اشتهرت بها المحافظة قديماً، مثل المشلي «جوز الهند»، والموز، والبابايا، والليمون، إلى جانب عدد من الخضراوات والفواكه. وتعرض البيئة عادات المزارعين وتعاونهم في أعمال الزراعة والحصاد، وإكرام الضيف بثمار المزارع ومنتجاتها، كما تبرز الأزياء التقليدية المرتبطة بحياة الأهالي في المزارع. وتضم البيئة الزراعية مجموعة من الدكاكين القديمة التي كانت تمثل جزءاً من الأسواق التقليدية، منها دكاكين العسل والفواكه والخضراوات والطيور والأغنام وبيع الفندال والبطيخ والمشلي والشتلات الزراعية، إلى جانب عرض أدوات الحراثة والري والحصاد التي استخدمها المزارعون قديماً. كما تستعرض نظام المقايضة الذي كان سائداً في الماضي، حيث يتم تبادل السلع والمنتجات بين الأهالي، في صورة تعكس روح التكافل والترابط التي ميّزت المجتمع الظفاري.

بيوت الجبال وأكلات التراث

وتأخذ البيئة الريفية الزائر إلى جبال ظفار، حيث تعرض البيت الريفي التقليدي الذي كان أحد أركان حياة الأهالي قديماً، وقد شُيّد من مواد طبيعية متوفرة محلياً مثل الطين والحجارة والأخشاب. ويضم البيت أدوات استخدمها السكان في حياتهم اليومية، مثل القربة لحفظ المياه والأوعية المصنوعة من سعف النخيل، بما يعكس بساطة الحياة وقدرة الإنسان على التكيف مع بيئته.

وتقدم البيئة الريفية طرق إعداد بعض الأكلات التراثية، من أبرزها المضبي وطبخ اللحم المجفف على فروع الشجر وطبخ الحليب بالحجارة الساخنة، إلى جانب عرض الملابس التراثية المعروفة بالصبيغة «النيلية» التي ارتداها الرجال والنساء، والخنجر أو المحفيف ضمن مكونات الزي التقليدي. كما تعرض البيوت المبنية من القش والحجارة والطين، والتي كانت توفر اعتدالًا في الصيف ودفئاً في الشتاء بفضل استخدام القش والتربال للعزل. وتزخر البيئة الريفية بفنون شعبية ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية، مثل فن «الرقيد» الذي يؤديه الرجال في الأعراس، وفن «إيلي مقبول» الذي يقدم بشكل ثنائي، وفن «النانا» الغنائي الذي يؤدى فردياً أو ثنائياً، إضافة إلى «الدبرارت» بوصفه محاورة شعرية يتبادل فيها الشعراء القصائد ملحنة، إلى جانب الألعاب الشعبية التي يمارسها الأطفال مثل الطاب.

الخيمة واللبان وقوافل الصحراء

وتنقل البيئة البدوية الزائر إلى حياة الصحراء وما ارتبط بها من كرم وشجاعة وتكافل. وتنقسم إلى قسمين؛ الأول يعرض الخيمة البدوية المصنوعة من صوف الحيوانات ومجلس الضيافة الذي يستقبل فيه أهل البادية ضيوفهم بالقهوة، في مشهد يبرز مكانة الضيافة في المجتمع البدوي. كما يضم معرضاً خاصاً باللبان يستعرض نموذجاً من شجرة اللبان ومراحل استخراجه وجمعه ورحلته عبر قوافل التجارة القديمة إلى مختلف دول العالم، إلى جانب الصناعات التقليدية مثل السعفيات والفخاريات وصناعة الجلود والقربة المستخدمة لحفظ الماء.

أما القسم الثاني فيوضح الحياة اليومية لأهل البادية من خلال الخيمة التي كانوا يعيشون فيها والمطبخ المبني بالحجارة، والملابس البدوية التقليدية مثل الخنجر والخيزام. وتقدم البيئة عدداً من الفنون الشعبية، منها «التغرود» الذي كان يردد أثناء رحلات قوافل اللبان للتخفيف من مشقة السفر، و«ميراد الإبل» و«شداد الإبل» بوصفهما من الفنون الحماسية، إضافة إلى فن «الهبوت» الذي يؤدى في المناسبات الاجتماعية، مع تجسيد مراسم الزواج القديمة وعادة «المغبور» التي تتمثل في تقديم الإبل والأغنام هدية للعريس مساندة له.

تفاصيل الحياة اليومية

تأخذ الدكاكين القديمة في صلالة، الزوار في رحلة إلى تفاصيل الحياة اليومية في الماضي، حيث يعرض محل الخياط ماكينة خياطة قديمة وأقمشة تراثية وملابس تعود إلى سبعينات القرن الماضي، ويقدم طريقة تفصيل الملابس النسائية كما كانت قديماً، مع التعريف بمسميات الأقمشة الشعبية مثل «أبو تفاحتين».

كما تضم الدكاكين البقالة القديمة بما تحتويه من منتجات كانت تباع في ذلك الزمن، مثل زجاجات المشروبات الغازية القديمة، فيما يعرض الاستوديو القديم أدوات التصوير التقليدية ومرحلة طبع الصور التي وثقت ملامح الحياة.

وتحضر كذلك عيادة «الدختر» أو الطبيب الشعبي، التي تعرض طرق العلاج بالطب الشعبي والأدوات والأعشاب والزيوت الطبيعية التي كانت تستخدم قديماً. ويبرز مكتب البريد القديم رحلة توصيل الرسائل والطوابع القديمة، فيما يعرض «الكتّاب» أو المدرسة القديمة بدايات التعليم وتحفيظ القرآن الكريم للأطفال.

كما يبرز بيت الوالي دوره في متابعة أحوال الأهالي وحل قضاياهم، من خلال مشاهد تمثيلية تعكس علاقة المجتمع بمؤسساته التقليدية.

تجربة تفاعلية حية

تعد فعالية «عودة الماضي» واحدة من أبرز الوجهات التراثية في موسم خريف ظفار 2026، لأنها لا تقدم التراث بوصفه مشهداً جامداً، بل تحوله إلى تجربة حية يتفاعل معها الزائر عبر المشاهدة والمشاركة والتذوق والاستماع. فهي تبرز الموروث الفني والثقافي للمحافظة، وتتيح التعرف على البيئات الظفارية المختلفة وعاداتها وفنونها وحرفها، لتظل ذاكرة المكان حاضرة بروحها الأصيلة، ولتواصل الأجيال ارتباطها بجذور الآباء والأجداد.

الفعاليات المصاحبة لبلدية ظفار في موسم خريف ظفار 2026، تتضمن مشروع «الغارف»، الذي يقع في قلب الطبيعة الساحرة، بين ظلال أشجار الموز والنارجيل وخرير ماء السواقي، ليكون أحد أحدث الوجهات السياحية البيئية في محافظة ظفار؛ ليبرز ببيئة فريدة تمزج بين أصالة البيئة الزراعية العمانية والاستوائية، عارضاً إياها للزائر بروح الحداثة، ومشكلاً متنفساً طبيعياً يقع على شارع المنتزه بولاية صلالة، ليعيش الزائر تجربة سياحية مختلفة تعكس هوية ظفار الزراعية.

وتقام في منطقة «الغارف» فعاليات عدة خلال الموسم، تستمر إلى بداية سبتمبر القادم، وتُقدَّم في منطقة الفعاليات، منها مسابقات وأنشطة متنوعة تشمل جميع أفراد الأسرة، ومعرض يحتضن بعض المشاريع المميزة للأسر المنتجة وطلاب الجامعات.

وأتى اسم «الغارف» مستمداً من اللهجة الظفارية، ليُعبّر عن المزرعة القديمة والأرض التي تكتسي بالخضرة بعد هطول الأمطار. ويُقام المشروع على مساحة تبلغ 35 ألف متر مربع.

وقال المدير التنفيذي لـ«الغارف»، محمد بن عبدالله باتميرا: «من خلال مشروع الغارف، نسعى لأن يكون متوافقاً مع توجهات المحافظة في الجانب السياحي والزراعي والتجاري، ليكون إضافة للمناطق السياحية في محافظة ظفار، حيث يجمع بين جمال الطبيعة وأصالة الموروث الزراعي ومفاهيم الاستدامة، ليمنح الزائر تجربة متكاملة تعكس الهوية العُمانية وتواكب تطلعات القطاع السياحي الحديث. المشروع يدعم بعض أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجانب التسويقي والإدارة الزراعية وإدارة المرافق والنظافة لتقديم خدمات متكاملة وفق أفضل المعايير».

منتزه البليد الأثري

قال رئيس منتزه البليد الأثري سعيد العامري، إن المنتزه يقع ضمن مواقع أرض اللبان التي تم إدراجها في قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2000 إضافة إلى ثلاث مواقع أخرى تحت مسمى مواقع أرض اللبان.

وأضاف العامري أن المنتزه يعتبر من أهم المواقع السياحية في السلطنة، لما يتميز به من مقومات سياحية وأهمية تاريخية وحضارية وثقافية، مشيراً إلى أن مدينة البليد الأثرية يرجع تاريخها إلى عصور مختلفة بداية من العصور البرونزية منذ العام 2500 قبل الميلاد وصولاً إلى العصور الحديدية ثم العصور الاسلامية.

وذكر أن المنتزه يتكون من مدينة البليد الأثرية ومتحف أرض اللبان بشقيه بقاعة التاريخ والقاعة البحرية وهي إطلالة شاملة على تاريخ عمان بشكل عام، إضافة إلى خور البليد.

ولفت العامري إلى أن الموقع يتضمن كذلك جامع البليد والذي بني عام 850 ميلادي، منوها إلى أن الجامع يحتوي على 144 عامود ومساحته 1742 متراً مربعاً، وهو قريب من حصن البليد وهو مقر إقامة الحاكم آنذاك، كما أن المدينة تحتوي على أكثر من 52 مسجداً موزعة على المدينة.

معالم سياحية وتراثية

قال مدير الترويج السياحي بالمديرية العامة للتراث والسياحة في محافظة ظفار، مروان الغساني، إن المديرية حريصة على إطلاع الوفود الزائرة على أهم المعالم والمواقع السياحية والتراثية في المحافظة، وزيارة مختلف الولايات التي يغطيها موسم خريف ظفار.

متحف «أرض اللبان»

قال رئيس قسم خدمات الزوار في متحف أرض اللبان، عبدالله بامخالف، إن المتحف تم افتتاحه في 23 يوليو 2007، ويتكون من قاعتين الأولى قاعة التاريخ، وتتضمن تاريخ عمان بشكل عام، من العصر الحجري وصولاً إلى عصر الإسلام، وهناك نسخة من رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي دعا فيها أهل عمان للإسلام، والذين دخلوا الإسلام طواعية دون حرب.

وأضاف بامخالف أن «أنواع اللبان في ظفار، تتوزع بين اللبان الحوجري والنجدي والشذري والشعبي، والحوجري نسبة إلى وادي حوجر خلف جبل سمحان، والنجدي في هضبة نجد، والشذري في المناطق الشذرية، والشعبي نسبة إلى شعاب الوديان.

وقال إن اللبان كان من أهم أنواع التجارة في ذلك الزمان، ويضاهي تجارة الذهب والنفط في أيامنا هذه، مبيناً أنه كان يستخدم استخدامات عديدة، منها الطبية واستخدامات التطيب والبخور.

وذكر أن أفضل أنواع اللبان هو الحوجري الذي يستخدم في التداوي والبخور وغيرها من الاستخدامات.

Advertisements

قد تقرأ أيضا